الإسكندرية - هناء أبو العز

"ماتفوتنيش أنا وحدى.. أفضل أحايل فيك ما تخليش الدنيا تلعب بيا وبيك..خلى شوية عليا وشوية عليك".. على ألحان عود رجل مسن، تسمع كلمات أغنيات الزمن الجميل، تتردد فى أنحاء أحد الأزقة الهادئة فى وسط البلد بمنطقة المنشية بالإسكندرية، حيث يصمد باب من الزجاج تراثى الهيئة، مضاء بألوان خافتة، تسمع من خلفه ألحان العود لأغنيات سيد مكاوى وأم كلثوم وعبد الوهاب، وغيرهم، تجاور الباب لافتة قديمة العمر تحمل اسم المكان منذ تأسيسه سنة 1908 "كاب دور".

وعلى الرغم من الحفاظ على تراث المكان، وعدم محو اسمه من على لافتاته إلا أن اسم " خمارة الشيخ على" هو المعروف بين الجميع فى شارع سعد زغلول الموجود فيه البار، والذى ذاع صيته فى جميع دول العالم، ويأتى إليه السياح من كل مكان، ليس فقط ليحتسوا المشروبات الكحولية، بل أيضًا لإحساسهم بعبق المكان، وهدوئه، وتراثه المعمارى والتاريخى.

خمارة الشيخ على، لم تتغير أى من آثارها وملامحها منذ إنشائها من أكثر من قرن، فالبلاطة الملكية والرخام الجرانيتى الأثرى، وحنفيات البيرة، والسلالم الخشبية، كلها أشياء قاومت الزمن وتحدته، لتصور فى عقل كل من يشاهده جماليات الزمن القديم، كما أن الصور المعلقة على جدرانه تحكى قصص وراويات عن حياة الشيخ محمود على والذى اشترى المحل من أصحابه الذين كانوا يونانيى الأصل، فتجده مهتمًا بركوب الخيل، وصيد الطيور، و ملاقاة المشاهير من القادة، ومرافقته الأصدقاء الأجانب من كل دول العالم، بالإضافة إلى اهتمامه بعائلته الكبيرة.

 حكاية بار كاب دور، أو خمارة الشيخ على، يحكيها أحد ورثة المحل وهو محمود حفيد الشيخ على، والذى يفضل الجميع مناداته باسم "حوده" فيقول: جدى محمود على اشترى هذا المكان منذ سنوات طويلة وأصر على عدم تغيير أى شىء فيه ونحن كذلك لم نلجأ إلى التطوير به، فالشيخ محمود هو أب لـ10 أبناء 6 رجال و4 بنات، وتوفى عام 1990.

 وعن تسمية بار" كاب دور" باسم "الشيخ على" أكد محمود، أن السبب فى ذلك هو أن جده كان يغلق البار فى يوم الجمعة ويمنع احتساء الجعة فى ذلك اليوم باعتباره يوم للصلاة وطاعة الرب، وكذلك فى أيام رمضان، حتى فى وقت كانت الجاليات الأجنبية تتردد على المكان دون انقطاع، كان يغلق أمامهم الأبواب فى حسم فى هذا اليوم، حتى أطلقوا عليه فى الأيام التالية التى رأوه فيها " الشيخ على" واستمرت هذه الكنية تلحق به حتى بعد وفاته، و حتى يومنا هذا.

 ويكمل محمود حفيد الشيخ على: بعد وفاة جدى عام 1990 استمرت الخمارة فى العمل، من الثامنة من صباح كل يوم وحتى الثالثة فجرًا، وهى المواعيد التى لا يعمل بها أى بار فى الإسكندرية، فمواعيد البارات معروفة من الخامسة عصرًا، وذلك يعود لزبائن الخمارة الذين يترددون عليها منذ سنوات طويلة، فى أى وقت يرغبون فيه، فيجدونه مفتوحًا.

ويوضح "حودة": والدى وعمى، توارثا المحل والمهنة بعد وفاة جدى، وظللت أنا وشقيقى سامح نعمل فيه حتى أصبحنا جزءًا منه وهو جزء منا، ولكننا لم نستطيع الحفاظ على عهد جدى بالإغلاق يوم الجمعة، لاختلاف الزبائن والأوقات، فيأتى الزبون يوم الجمعة الذى هو إجازة المصريين، للترفيه عن نفسه ومحاولة نسيان مشاكله وهمومه و تناول عدد من كؤوس البيرة التى تنسيه مسئوليات أسبوعه الكامل، فلم تعد هناك أى فرصة لغلق فى هذا اليوم، ولكن بالطبع نغلق فى رمضان.

أما إليسون ألمانية الجنسية فتحكى ارتباطها بالمكان الذى منذ أن وطأت قدمها مصر والإسكندرية، وهى تتردد عليه من سنوات طويلة، فهى فقط لا تأتى لتناول الجعة المصرية مع أصدقائها، ولكنها تحرص على التقاط الصور داخله، باعتباره مكانا تاريخيا، شهد حضور كثير من الألمان والإيطاليين واليونان، كما شيده فرنسيون ويونانيو الأصل قبل بيعه للشيخ على.

وتضيف إليسون على الرغم من ضيق المكان، الذى قد لا يحتوى سوى على 4 مناضد وبار، إلا أن الكثيرين يترددون عليه طوال أوقات اليوم، ولايفكرون فى تغييره ومصاحبة كل من يعمل به بدءًا من مايكل وحودة.