ثار الجدل مؤخرًا حول اتفاقية – تم الإعلان عنها – بشأن استيراد شركة مصرية يمتلك أغلب أسهمها رجل الأعمال المصري علاء عرفة تسمى شركة دولفينوس هولدنج، للغاز الطبيعي من حقلي غاز إسرائيليين تمار ولوثيان بقيمة 15 مليار دولار لمدة تستمر عشر سنوات، وتبلغ الكميات المتوقع تصديرها إلى 64 مليار متر مكعب، وتم التعاقد بين الشركة المصرية وشركتي ديليك الإسرائيلية للحفر وشريكتها نوبل أنرجي الأمريكية، وتم الإعلان عن الاتفاقية من خلال شركة ديليك والتي أشارت إلى دراسة عدد من الخيارات الخاصة بنقل الغاز الإسرائيلي إلى مصر، ومنها أن الطرفين استعرضا ملف مد خط أنابيب جديد للغاز، يمتد من حقول تمار إلى مصر بتكلفة حوالي نصف مليار دولار، أو استخدام خط الأنابيب الأردني الإسرائيلي الجاري بناؤه في إطار اتفاق لتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية بالغاز من حقل لوثيان.

والواقع أن هذه الاتفاقية لم تأت من فراغ، بل كانت ترجمة واقعية واستجابة فورية من القطاع الخاص المصري، لقرار اعتماد اللائحة التنفيذية لقانون الغاز والتي اعتمدها مجلس الوزراء برئاسة المهندس شريف إسماعيل، في الثالث عشر من فبراير الجاري، ويسمح القانون الجديد بدور أكبر للقطاع الخاص في مصر لأول مرة في منظومة استيراد الغاز الطبيعي، بعد نحو 5 أشهر من تصديق الرئيس السيسي على قانون تنظيم سوق الغاز الجديد، ويصبو القانون ولائحته التنفيذية إلى جعل مصر مركزًا إقليميًا لتصنيع وتصدير الغاز، ولاسيما بعد الاكتشافات الكبيرة في حوض البحر المتوسط، سواء حقل ظهر و نورس وأتول؛ ما جعل وزير البترول يتعهد بأن مصر ستكتفي ذاتيًا من الغاز في العام الجاري 2018 وتكون قادرة على تصديره من العام المقبل 2019.

وتمثل هذه الاتفاقية إضافة حقيقة للاقتصاد المصري، ذلك لأنه من شأنها أن تعمل على تشغيل البنية التحتية العملاقة التي تمتلكها مصر من أجل إجراء عمليات التسييل والتجهيز للغاز الخام المستورد من إسرائيل وتأجيرها لفترة ليست بالقليلة، من خلال الشركة المصرية الإسبانية للغاز في دمياط (والتي تمتلك مصر حصة 20% منها)، والشركة المصرية لإسالة وتصدير الغاز بإدكو (تمتلك مصر حصة 12% منها)، وهما قد تعرضا لتوقف كبير في أنشطتهما خلال السنوات الأخيرة الماضية، فضلًا عن الحديث عن إنشاء خطوط جديدة لنقل الغاز، بدلًا عن خط شرق المتوسط الذي توقف على إثر التفجيرات المتتالية التي طالته بعد يناير 2011، ووجود حكم دولي يقضي بدفع مصر تعويض يقدر بـ2 مليار دولار على خلفية توقف إمداد مصر الغاز لإسرائيل في 2012. كما أن هدف التحول إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير الغاز في المنطقة الذي أعلنته الحكومة وتعتزم تنفيذه، يفرض علينا جانب كبير من عمليات التداول والنقل والتوزيع والتعاون مع المنطقة الجغرافية المحيطة بنا، بالإضافة لكون الاتفاقية تقع برمتها في مجمل العمليات التجارية Business، وألا دخل للسياسة فيها، أو على الأقل هكذا يفترض.

وسياسيًا، نجد أن هذه الاتفاقية خطوة محفوفة بالمخاطر، فبدءًا من الإعلان عنها والذي كان مصدره شركة ديليك الإسرائيلية تبدأ علامات الاستفهام والاستنكار أيضًا، لماذا لم يعلن الجانب المصري عن الاتفاقية؟ ليكون الوقع أخف وطأة من أن يتم الإعلان عنها من قبل الجانب الإسرائيلي لتدخل ضمن قائمة ما يعرفه المصريون من خلال الإسرائيليين عن بلدهم ومقدراتهم! كما جاءت المعالجة الإعلامية للقضية لاحقة وليست سابقة، وهو ما أفقدها عنصر التمهيد النفسي الذي يجعل المواطنين يتقبلون بهذا الأمر عند تفهمهم لضرورته وفوائده الاقتصادية، في مشهد يستدعي إلى الذاكرة قضية تيران وصنافير، وهي ليست ببعيد!

كما جاء التعامل الرسمي مع القضية ليكمل سلسلة الإخفاق، فبينما تباهت الحكومة الإسرائيلية بهذا الاتفاق وخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي – وهو من يواجهة أزمة داخلية واتهامات بالفساد تكاد تطيح به – ليتفاخر بهذا الإنجاز، خرج المسؤولون المصريون ليتبرأوا ويلقوا عنهم هذه التي وكأنها تهمة، وللعلم فإن هذه التبرئة ليست خالصة على كل حال، لأن نفي الحكومة ووزارة البترول صلتها بالاتفاق غير منطقي! فالذي أصدر القانون ولائحته التنفيذية يعلم جيدًا، ويسمح للقطاع الخاص باستيراد الغاز من إسرائيل؛ لأن الأخيرة مضطرة لتصدير الغاز لأوروبا عبر مصر لأسباب تتعلق بعدم إمكانية تصديره عبر سوريا أو لبنان أو تركيا أو قبرص، فضلًا عن كون الاتفاق يشمل ضمنًا استخدام بنى تحتية مملوكة للحكومة بشكل أو بآخر، وعلى كل حال فليس من الحصافة السياسية أن تبرئ الحكومة نفسها أيضًا، بل كان يمكنها التباهي بهذا الاتفاق باعتباره يصب في صالح تحول مصر لمركز إقليمي للغاز في المنطقة، وهو ما بدا جليًا عندما أعلن عن ذلك الرئيس السيسي أثناء افتتاحه مركز لخدمات المستثمرين بوزارة الاستثمار عندما صرح قائلًا: (إحنا جبنا جون).

ويمثل توقيت هذا الاتفاق علامة فارقة أيضًا، ففي الوقت الذي تمر فيه المسألة الفلسطينية بحساسية شديدة على إثر تبني الولايات المتحدة الأمريكية تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، سياسات تتطابق مع سياسات تل أبيب فيما يتعلق باعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل وتقلص من دعمها للاجئين والسلطة الفلسطينية، ويشتد الحصار الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وقفت وتقف مصر موقفًا مشرفًا، سواء في المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) واستصدار قرار أممي يناهض القرار الأمريكي بكون القدس عاصمة إسرائيل، بالإضافة إلى دعمها للسلطة الفلسطينية في رام الله، وتقاربها مع حركة حماس وفتحها لمعبر رفح لتخفيف المعاناة الإنسانية لسكان غزة، يأتي هذا التقارب الاقتصادي مع إسرائيل ليضع علامات استفهام أمام دور مصر التاريخي تجاه القضية الفلسطينية. فقدر مصر أن تكون كبيرة، وهفوات الكبير أخطاء، وأخطاؤه جرائم.

وختامًا، إن هذا الاتفاق يمثل مكسبًا اقتصاديًا واضحًا، وكان يمكن استغلاله سياسيًا بشكل أفضل.