نشر فى : السبت 30 يناير 2016 - 11:05 ص | آخر تحديث : السبت 30 يناير 2016 - 11:18 ص

• لا بديل عن حوار استراتيجى جاد بين مصر والسعودية وإيران وتركيا ولو بالتدريج لأن الصراع لن يفيد أحدا

• الوضع الدولى لم يعد يسمح بظهور زعامة واحدة فى المنطقة.. ومصر مؤهلة للعب دور قيادى

• المياه والإرهاب والطائفية.. أبرز المشكلات التى تحيط بالإقليم وعلى مصر أن تتقدم بطرح رؤيتها لإنهاء الخلافات

• غياب الرؤية السياسية للمستقبل، وقلة الاهتمام بالشرق الأوسط وأفريقيا كان سمة عصر مبارك

شارك فى الندوة- عمادالدين حسين وخالد أبوبكر ومحمد سعد عبدالحفيظ
أعدها للنشرــ محمد هشام ومحمود هاشم:

قال وزير الخارجية السابق، نبيل فهمى إن منطقة الشرق الأوسط تشهد توترا كبيرا، يعود لغياب الرؤية الإقليمية للدول الرئيسية وهى: مصر والسعودية وتركيا وإيران، وإذا حدث وكانت هناك بعض الرؤى فإنها متضاربة.

وشدد الوزير فهمى ــ فى الندوة التى حل فيها ضيفا على «الشروق» والتى ننشر الجزء الأول منها فى هذه الحلقة ــ على أن غياب الرؤية المصرية للشرق الأوسط تحديدا أدى إلى اهتزاز أعمدة الاستقرار فى المنطقة، مشيرا إلى أنه يتعين على مصر تقديم «مشروع المواطنة» كرؤية مستقبية لحل مشاكل المنطقة، فتراكم شعور المواطن العربى بتقييمه إيجابا أو سلبا باختلاف خلفيته الثقافية أو العرقية أو توجهه الدينى أو العقائدى هو ما يخلق التوتر، لأنه لا يرغب فى معاملته كونه كرديا أو يزيديا أو نوبيا بل يريد حقه كمواطن فقط، لذا فالاعتماد على المواطنة كركيزة أساسية مع تعزيز الحكم الرشيد بصرف النظر عن طبيعته هو ما يمهد لاستقرار المنطقة.

وقدم وزير الخارجية السابق تقييما سريعا لرؤساء مصر السابقين، معتبرا أن جمال عبدالناصر كانت لديه رسالة واضحة مرتبطة بـ«القومية العربية»، فيما سعى السادات للعب المنفرد، فيما ساد الجمود عصر مبارك، واعتبر أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان همه الرئيسى الحفاظ على الدولة المصرية، ولم يسعفه الوقت للعب دور خارجى.

وفيما يخص فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسى قال فهمى: «على الرغم من عدم استطاعتى تقييم تجربة مرسى الخارجية أيضا لقصر فترتها، إلا أن توجهه كان خطيرا للغاية، لأنه كان يبتعد بالسياسة المصرية المعهودة من دولة المواطنة إلى دولة الجماعة». واعتبر أن فترة الرئيس السابق عدلى منصور رغم قصرها إلا أنها شديدة الأهمية لأنها جاءت بعد ثورة 30 يونيو، وشهدت معركة دبلوماسية شرسة ضد كل من حاول التشكيك فى قرار الشعب المصرى بالإطاحة بالإخوان رغم انه تم خلالها إرساء المعايير الرئيسية للسياسة الخارجية المصرية، وعلى رأسها «ضرورة ضمان تعدد الخيارات والعودة إلى أفريقيا والعالم العربى، والاستعداد للمستقبل فى سياق استعادة مصر لدورها الريادى والمبادر إقليميا ودوليا.

 

وإلى نصر الحوار:
ــ فى 25 و28 يناير رأينا النظام ينهار فعليا، وترقبنا حدوث تغيرات كبرى، وتخيل البعض أن تتم تلك التغيرات فى غضون 10 أو 15 عاما فقط، لكن فجأة لم نجد شيئا من هذا، وبقى الوضع كما هو عليه لكن بطلاء مختلف، ما تعقيبك؟
25 يناير حركة سياسية لا يزال التقييم السليم لها لم يعطها حقها، لأنها أول مرة يخرج فيها الناس للمطالبة بأشياء محددة، لكن الديمقراطية لم تكن من طموحات جيلى، فقد كنا نهدف فقط لوجود إدارة كفء للدولة، وطوال عمرى لم أكن أتصور أن تكون لدينا ديمقراطية مثل السويد إطلاقا، وكنت فقط أريد أن نسمع صوتا أو صوتين وإدارة حكيمة تتعامل مع الأمور بقدر من العدالة.
هذه الرسالة كانت موجودة فى بداية حكم عبدالناصر «الطموح» ثم اختفت بالكامل، ودخلنا بعدها فى أحلام السادات الذى كان رجلا جبارا لكننى أحترمه، أما مبارك فكان إداريا ولم يكن رجل دولة لديه رؤية، فاهتم فى أول 10 سنوات بمعالجة أزمتى البنية الأساسية والإرهاب وأهمل المستقبل، وفى آخر 10 سنوات من حكمه كان «زهق» ولم يعد يحكم ولا أحد تحته يحكم، وكانت الدولة «ماشية بالبركة»، فبعد أن كان يتصل بى أسبوعيا لمعرفة الأوضاع فى الولايات المتحدة، أصبح يتواصل معى كل أسبوعين ثم كل شهر، وفى آخر 4 سنوات لم أتحدث إليه فى مرة عارضا عليه اقتراحا بتحرك ما إلا ويجيبنى قائلا «أنت وتقديرك».

• وما تقييمك لتجارب مصر فى عهد رؤسائها السابقين؟
تقييم أى مرحلة أو شخصية يجب أن يرتبط بالإطار الزمنى والظروف المحيطة بعهده، والكل له إنجازاته وله أخطاؤه، لكن علينا أن ننظر فى النهاية إلى المحصلة النهائية، فجمال عبدالناصر لم تصل مصر فى عهده إلى الديمقراطية، لكن سياسته الخارجية والداخلية كانت واضحة، على الرغم من عدم استغلاله الزخم السياسى المحيط بمصر وقتها وتصدير فكرة القومية العربية للأجيال المقبلة بشكل جيد.
أما السادات فيحسب له قرار حرب أكتوبر 1973 الذى كان سيحاسب عليه حال فشله، كما كان يرغب فى نقل مصر إلى الساحة الأوروبية المتقدمة، وكانت نظرته للأمور تدور حول الانتهاء من النزاع العربى الإسرائيلى لنشترك فى الساحة الاقتصادية الغربية الرأسمالية، إلا أنه فى تقديرى كان يرى أنه إذا لم يتفق أحد معه فليفعل الأمر وحده، وهو حدث فى معاهدة كامب ديفيد، التى اتخذ فيها الخطوة وحده تخوفا من المماطلة العربية، وهو ما عطل عملية السلام الشامل بشكل كبير جدا فى رأيى؛ لأنه خفف عامل الضغط على الإسرائيلى، إلا أنه مع دخول مصر فى هذا الاتفاق انتهت فرص واحتمالات الحرب العربية الإسرائيلية الشاملة إلى الأبد.
أما عن مبارك فقد وصل للحكم بينما تواجه البلاد أزمة إرهاب ونقص بنية أساسية، وهذا ما ركز على تلافيه فى السنوات العشر الأولى ونجح فيه إلى حد بعيد، لكن كان يعيبه غياب الرؤية السياسية للمستقبل، وقلة الاهتمام بالشرق الأوسط وإفريقيا، بسبب تركيزه على الاستقرار الذى لا يعطى وحده دورا رياديا للدولة.
كما أن النمو الاقتصادى فى عهده لم يترجم إلى عائد مباشر على المواطن المصرى، كان لطول بقائه فى الحكم دون دراسة لتبعات التطور التكنولوجى وما يتطلبه من إعطاء مساحة أكبر للتعبير عن الرأى تأثيرا سلبيا على النظام، فعهد الرقيب الإعلامى والحكومى لم يعد موجودا الآن، ولا مجال لحجب المعلومة؛ فالفرد يفكر ويرغب فى المشاركة وإن لم تمنحه الحرية ستخلق توترا بينك وبينه، وكل هذا شكل مقدمات ثورة 25 يناير التى أؤيدها تماما، وأرى أنها نقطة فارقة فى التاريخ المصرى؛ لأنها أساس 30 يونيو، حيث قامت على مشاركة الشعب والمواطن فى الحكم، وحرية القرار السياسى.
وفيما يخص المجلس العسكرى الذى أدار شئون البلاد فى أعقاب ثورة 25 يناير أقول إننى لا أستطيع تقييم تجربته لأن فترة حكمه كانت مؤقتة وتتركز فى هدف معين هو توفير الاستقرار الداخلى وحماية البلاد من المخاطر، ولم تكن له رؤية خارجية سوى منع الدخول فى مشاكل لحين استقرار الأوضاع.
أما الرئيس الأسبق محمد مرسى فقد كان يهدف لجعل مصر جزءا من الإخوان وليس العكس، فعلى الرغم من عدم انتخابى له كتبت مقالا قلت له فيه «سيادة الرئيس لم انتخبك وإنما أنت رئيسى الآن، وعليك أن تمثلنى كما تمثل الإخوان».
وعلى الرغم من عدم استطاعتى تقييم تجربة مرسى الخارجية أيضا لقصرها، إلا أن توجهه كان خطيرا للغاية، لأنه كان يبتعد بالسياسة المصرية المعهودة من دولة المواطنة إلى دولة الجماعة.
أما فترة الرئيس عدلى منصور رغم قصر إلا أنها شديدة الأهمية لأنها جاءت بعد ثورة 30 يونيو، وشهدت معركة دبلوماسية شرسة ضد كل من حاول التشكيك فى قرار الشعب المصرى بالإطاحة بالإخوان رغم عن انه تم خلالها إرساء المعايير الرئيسية للسياسة الخارجية المصرية، وعلى رأسها « ضرورة ضمان تعدد الخيارات والعودة إلى أفريقيا والعالم العربى، والاستعداد للمستقبل فى سياق استعادة مصر لدورها الريادى والمبادر إقليميا ودوليا.

• وفى أى مرحلة تقف السياسة الخارجية المصرية الآن؟
نحن نسير فى الطريق السليم، بالالتزام بالمبادئ التى اعلنت بعد 2013، وهى تعدد الخيارات ضمانا لحرية القرار السياسى، ونحن سائرون حاليا فى هذا الطريقن وهذا ما أسمعه فى الخارج ممن كان مؤيد لنا ومن كان يعارضنا، عدا مؤيدى التيار الإسلامى، والمجتمع الدولى حريص على أن تلعب مصر دورها فى حل مشاكل الشرق الأوسط.

• كيف ترى التفاعلات الحاصلة فى منطقة الشرق الأوسط وتناقض المشاريع والمصالح فيها؟
المنطقة تشهد توترا كبيرا، وهذا يرجع فى تقديرى إلى غياب الرؤية الإقليمية للدول الرئيسية، بل إن هذه الرؤية ذاتها قد تتضارب بين دولة وأخرى وفقا لمصالحها، لذا أدى غياب الرؤية المصرية تحديدا إلى اهتزاز أعمدة الاستقرار فى المنطقة، ولكى نأخذ خطوة للأمام علينا أن نحدد شكل المنطقة هل نريدها شرق أوسط عربى فقط، أم تشمل دول الجوار تركيا وإيران وإسرائيل، وهل نتحدث عن إعادة الوضع الماضى أم نضع شكلا جديدا للمنطقة.
على مصر تقديم مشروع المواطنة كرؤية مستقبية لحل مشاكل المنطقة، فتراكم شعور المواطن العربى بتقييمه إيجابا أو سلبا باختلاف خلفيته الثقافية أو العرقية أو توجهه الدينى أو العقائدى هو ما يخلق التوتر، لأنه لا يرغب فى معاملته كونه كرديا أو يزيديا أو نوبيا بل يريد حقه كمواطن فقط، لذا فالاعتماد على المواطنة كركيزة أساسية مع تعزيز الحكم الرشيد بصرف النظر عن طبيعته هو ما يمهد لاستقرار المنطقة.

• وكيف نستطيع إقناع دول المنطقة بهذا الطرح وبعضها يبدو منحازا لطائفة على حساب الأخرى؟
علينا أن نبدأ بما هو واجب علينا أولا، وإقناع الغير هو مرحلة لاحقة، لأننى لم أطرح الرؤية حتى الآن بشكل رسمى، لذا لا أستطيع اتهام أحد بعدم التماشى معها.

• لكن ما نعنيه بفكرة المواطنة أن تشعر الأقليات بأن لها نفس حقوق الأغلبية؟
علينا أن نعترف أن المنطقة مشتعلة، ليس لمجرد أن هناك مؤامرة كبرى، فالمؤامرات موجودة طول حياتنا وقبلنا وبعدنا، لكنها لأن هذه المؤامرات تستهدف هذه الثغرات، لكن ليس هناك ما يمنع اختلاف الرؤية مع السعودية أو إيران أو تركيا، طالما لا يوجد تصادم فى الطرح، إلا أن الاعتماد على الجانب الدينى أو العرقى أو العقائدى سيعرض المنطقة للانقسام.
الدول العربية كانت تنظر إلى مصر فى الماضى على أنها القدوة والنموذج الذى ترغب فى تكرار تجربته، حتى قبل عهد عبدالناصر، واستجابة نصف مواطنى الشرق الأوسط لرؤيتنا للمنطقة أفضل كثيرا من الوضع الحالى.

• وماذا بعد هذه الخطوة؟
علينا أن نصل لمرحلة حوار استراتيجى جاد بين مصر والسعودية وإيران وتركيا، وهو أمر يحتاج إلى تدرج قد تكون مرحلته الأولى فى هيئة حوار غير رسمى قد يأخذ وقتا لأن أنقرة غير مستعدة لذلك، إلا أن الدول الأربع لديها مصالح مشتركة على المدى البعيد.
نحن كمصر فى خلاف جوهرى فى قضية الإسلام السياسى الذى تدعمه تركيا، لذا فإمكانية اجراء حوار مباشر معها شبه معدومة، وعلى تركيا التقدم لبعض الخطوات، لأنها من بدأت الصدام مع مصر، وإن كنا نريد معاملتها بالمثل لتدخلنا فى قضايا حساسة لديها مثل ملفات الأكراد والأرمن، لكننا لم نفعل ذلك.
وعلى الصعيد الآخر، ففرص نجاح الحوار السعودى ــ الإيرانى الآن صفر، خاصة بعد سحب كل دولة سفيرها من الدولة الأخرى وتزايد التوتر فى الفترة الأخيرة، ولكى تتزايد فرص نجاح الأمر على الجانب الإيرانى اتخاذ خطوات من شأنها إعادة بناء الثقة خاصة فى ملف البروتوكول الأمنى الذى خالفت طهران شروطه، وإذا وجدت مصر هذه الخطوات ستستطيع التمهيد للحوار وليس ضمان نجاحه.

• وهل هذا ممكن فى ظل التطورات الحالية فى الإقليم من صراعات؟
لن نصل إلى حل من خلال مائدة واحدة، بل من خلال عدة موائد رسمية وغير رسمية، قد ترتبط بحل قضايا إقليمية كخطوة تمهيدية لمشاورات لاحقة، فملفات سوريا واليمن يمكن أن تسبب أزمة إقليمية تدمر المنطقة بالكامل، أو يؤدى التفاهم بشأنها لحدوث انفراجة، فقبل أشهر من الاتفاق النووى عرضت على نظيرى السعودى حينها، سعود الفيصل، فتح باب للحوار مع طهران، لأن أزمة الطرفين ليست اعتراف بشرعية مثلما كان الأمر مع إسرائيل، فقال لى «إذا اتخذ الإيرانيون خطوات عملية يمكن أن نبدأ فى الحوار إلى مستوى جاد إلا إذا عادت ريما إلى عادتها القديمة»، وبعد شهر اتصل بى قائلا «رجعنا إلى قصة اليمن، والأمر سيفشل».

• هل مصر فى وضع يسمح لها بطرح رؤية تقنع بها الآخرين فى ظل تنامى دور الرياض الذى يرى البعض أنه يأتى على حساب القاهرة؟
لست قلقا على العلاقة المصرية السعودية ومقتنع تماما أن نقاط الاتفاق فيما بيننا تتجاوز كثيرا نقاط الاختلاف، وطالما كنت من الممارسين الذين يتجنبون استخدام كلمة تطابق المواقف لأنها كلام مرسل، فالتطابق ليس موجودا بين أى دولة لأننا نغير مواقفنا بين الحين والآخر، فنحن اختلفنا مع دول الخليج فى مسألة ضرب سوريا، وملك السعودية حينها عبدالله بن عبدالعزيز لم يدع لقطيعة معنا بل أعلن تأييده موقفنا مع اختلاف الرؤى.
مصر قادرة على التأثير فى الرأى العام العربى، وفى هذا الصدد أرغب فى الإشارة إلى أن 4 وزراء خارجية زارونى فى مكتبى بعد 30 يونيو قائلين «الآن نقول الحمد لله على سلامة العالم العربى»، لذا أرى أن نطرح رؤيتنا ولا مانع من الاختلاف معها وتعديلها مع الوقت، فحوارنا ليس بين أطراف متصارعة، لكن الدبلوماسية قادرة على صنع الفارق فى هذا الأمر.

• هل نحن فى مرحلة غياب الزعامة فى الشرق الأوسط؟
لا أعتقد أننا فى مرحلة زعامة من الأساس، فالوضع الدولى لم يعد يسمح بذلك، فالتطور التكنولوجى أزال هذه الفكرة، لكن ما يعانيه الشرق الأوسط هو أزمة قيادة سببها تعدد النزعات الإقليمية واختلاف مبادرات حل النزاع، فالسعودية وتركيا وإيران لها أدوار ريادية لكنها محدودة، ومصر تمتلك المؤهلات الفكرية والحضارية للقيام بذلك.

• وصفت أدوار السعودية وتركيا وإيران بأن لها حدودا.. هل الدور المصرى أيضا له حدود؟
نعم، فحدودك حاليا أنك فى مرحلة تدعيم الاستقرار الداخلى، وإعادة تشكيل إمكانياتك المادية لتجنب الضغط المادى، فعندما تنظر اليوم إلى 90 % من المشروعات تجدها ممنوحة بقروض، وهذا يعنى أنك تواجه أزمة مالية فضلا عن أزمة السياحة وتأثر قناة السويس بالتجارة الداخلية، كما أن لديك تكلفة مرتفعة جدا على حدودك نتيجة الأزمات المشتعلة فى سيناء وليبيا والسودان، وهو ما يضغط على جهود تحقيق الاستقرار.

• المنطقة العربية جربت القيادة المصرية فى الخمسينيات والستينيات، ومحاولة القيادة السعودية فى السبعينيات بعد ارتفاع أسعار النفط، واستمر هذا الدور وتراجعت مصر بقدر ما، فماذا عن شمال إفريقيا؟
إذا انتقلنا إلى بلاد المغرب العربى فالجزائر لها دور كبير دون شك، وأنا أتوقع تعدد قيادات الشرق الأوسط فى المرحلة المقبلة وتنافسهم جميعا لكن بشكل أكبر من التنسيق، فالمطلوب أن نقبل بقدر من التنافس ونتجنب التضارب قدر الإمكان، الذى يتطلب تنسيق المواقف بين مصر والسعودية وإيران وتركيا تحديدا، ولن يتم ذلك إلا بطرح أفكار تليها خطوات متدرجة لبناء الثقة، وأقصد بذلك التنافس على طريقة كوريا واليابان بوجود منافسة اقتصادية فى ظل علاقة ودية.

• وما أبرز مشاكل المنطقة فى وجهة نظرك؟
أرى أن المياه أهم قضايا المنطقة، ويمكننا الاعتماد على المياه الجوفية على الرغم من مشاكلها، لكن علينا الانتشار بشكل أفقى لتجنب التأثير على التربة، لأن الاستمرار فى حفرها أكثر من اللازم قد يعرض المنطقة للانهيار. وبالإضافة إلى ذلك لدينا مشكلة الإرهاب التى تحتاج جهد وتعاون الجميع.

ــ وما الذى تحتاجه مصر لطرح رؤيتها الخاصة بالإقليم؟
عليك أن تنتقل من الانتشار الأفقى إلى الرأسى ولا تخشى رفض اقتراحاتك، فما تم فى 30 يونيو وقبلها فى 25 يناير لم يقيم بالقدر الكافى ولكى ينتهى إلى نهاية سليمة لابد أن تستعيد دورك بطرح رؤية شاملة، فالريادة المصرية تاريخيا لم تكن ريادة مادية فقط، بل كانت ريادة فكرية أولا.

• وهل لدينا حاليا تلك الرؤية؟
رؤيتك فيما يتعلق بالأمن والإرهاب واضحة، لكن ما يتعلق بشكل الإقليم (الشرق الأوسط) يحتاج إلى مزيد من الشرح، والرئيس سيتحدث قريبا أمام البرلمان، وهى فرصة جيدة للتعبير عن رؤيته للوضع المصرى والعلاقة بين المواطن والدولة.

• لو جلست مع الرئيس وطلب منك أن تطرح عليه عناصر هذ الرؤية، ما هى النقاط التى ستذكرها؟
سأنصحه بالإكثار من المضمون الواضح وطمأنة الرأى العام المصرى الذى يريد له النجاح، وتقبل ملاحظاته وملاحظات المعارضة بلا شك، فالعمل السياسى ليس رؤية واحدة إنما نقاش طويل المدى.

• لكن ما ذكرته أقرب إلى الشكل، ماذا عن مضمون الرؤية؟
أنصحه بتوضيح رؤيته فيما يخص الحريات والفلسفة الاقتصادية، وهل الدولة تفكر فى بناء مجتمع رأسمالى دورها قليل فيه على غرار المجتمع الأمريكى، أم على غرار النموذج الأوروبى بدور أكبر يترك فيه المستثمر يحقق أرباحا مقابل مع فرض 50 أو 60% ضرائب، حتة يتمكن المواطن الفقير من الحياة وتوافر خدمات صحية وعلاج مجانى وتعليم له، وأنا مقتنع أن هناك أشخاصا لديهم أفكار قيمة جدا لكنهم يحجمون عن طرحها لعدم شعورهم أن لها مردودا سريعا.

• لكن هناك هيئات معاونة للرئيس؟
مهما وضعنا من لجان حول الرئيس فهذا لا يكفى، لأنها لجان حوار وليست لجان كفاءة، والمواطن لن يشعر بأنه شريك فى الوطن إلا إذا وفرت له المنظومة قدرا من الحرية، فالدستور ينظم ولا يقيد، وأتمنى من البرلمان المقبل أن يكون مرشحوه أصحاب برامج.

• هل تقصد الانتخابات البرلمانية المقبلة بعد انتهاء فترة البرلمان الحالي؟
نعم، فما حدث قد حدث، فإذا كنا نتحدث عن حريات فعلى المواطنين أن يعبروا عن آرائهم بحرية، وأن ينتخبوا نوابهم على أساس البرامج وليس الأفراد، فأنا لدى مآخذ كثيرة على الانتخابات البرلمانية الحالية، لكنى أرى فيها بعض الإيجابيات منها تمثيل المرأة والأقباط.

• وهل أنت سعيد برفض قانون الخدمة المدنية؟
بعيدا عن تفصيل القانون، لكن فلسفة القانون مبنية على الكفاءة وليس الأقدمية وهذا شىء مهم جدا، وعلى سبيل المثال فدولة صغيرة الحجم وكبيرة الإنتاج مثل سنغافورة يعتمد نظامها على الكفاءة أولا، لذا أنا أؤيد إدخال عنصر الكفاءة فى الخدمة المدنية؛ لأنه من غير المعقول أن يكون كل شيء بالأقدمية، وبالتالى لو كانت الأقدمية سبب الرفض فأنا ضد هذا الرفض، لكن لو السبب مواد أخرى فهذه قصة ثانية.

لقد ذكرت أن لديك بعض الملاحظات على البرلمان، هل لك أن تطلعنا عليها؟
ليست لدى ملاحظات على إنجاز البرلمان، ولكن بشأن العملية السياسية المرتبطة بالانتخاب وليس البرلمان، فتحفظى على الممارسة السياسية السابقة على الانتخاب بمعنى محاولة توفيق القوائم لتكون كلها برؤية واحدة، على الرغم من أن الاختلاف هو الأفضل، وهناك أكثر من قائمة طلبت انضمامى لها وحينما سألتها عن برنامجها قال ممثلوها «لا يوجد برنامج».

• وما تعليقك على أداء الرئيس السيسى؟
أنا عملت مع الرئيس طيلة عام عندما كان وزيرا للدفاع، وهو رجل يحب أن ينفذ ويتابع بدقة المشروعات، ومتفهم اهتمامه بهذا لآن المواطن فى النهاية لا يرغب أن يستمع إلى فلسفة لكن يحتاج فضلا عن هذا إلى توجه سياسى لكى نقود الفكر الداخلى والخارجى دون أن يكون لدينا نظام الفكر الأوحد، لأن قضية وجود زعامة على حساب الغير لم تعد موجودة.