في مايو (أيار) الماضي، خلال غداء عمل مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالبيت الأبيض، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بلعب دور الوسيط في المرحلة النهائية من عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وقال الرئيس الجديد آنذاك: «إنه أمر، بصراحة، ربما ليس صعبًا كما اعتقد الناس على مر السنين». وقال ترامب إن إدارته «تتمتع بفرصة جيدة جدًا» لإنجازه. وقال لعباس: «أعتقد أنك تفكر بنفس الطريقة». ورد الزعيم الفلسطيني قائلًا: «إننا نأمل ذلك»، وأشاد ترامب بـ«قيادته الشجاعة وحكمته وقدرته التفاوضية».

تقرير نشرته مجلة «نيويوركر» الأمريكية ذكر أنه، وبينما أكمل ترامب عامًا في منصبه، فإن سياسته الخارجية الطموحة في المنطقة الأكثر تقلبًا في العالم تبدو ممزقة. وكان نائبه مايك بنس قد وصل إلى الشرق الأوسط بداية هذا الأسبوع في جولة من المقرر أن تشمل مصر والأردن وإسرائيل، وسط غضب متزايد تجاه إدارة ترامب إزاء عدم التزاماتها بتعهداتها. وقد رفض عباس – الذي كرس مسيرته السياسية في صنع السلام مع إسرائيل – مجرد رؤية نائب الرئيس الأمريكي.

اقرأ أيضًا: بعد 15 يومًا فقط.. أغرب تصريحات ترامب في 2018!

يذكر أن عملية السلام العربية-الإسرائيلية، التي تعد مبادرة الرئيس الأكثر قوة، قد شهدت انتكاسة الشهر الماضي بعد أن اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتعهد بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب. وقال عباس في خطاب استغرق ساعتين في 14 يناير (كانون الثاني): «اليوم هو اليوم الذي تنتهي فيه اتفاقات أوسلو. لن نقبل أن تكون الولايات المتحدة وسيطًا… ما وُعدنا بأن (صفقة القرن) تحول إلى (صفعة القرن)».

ما هي أهداف ترامب في الشرق الأوسط؟

وفقًا لتقرير المجلة الأمريكية، كان لدى ترامب أربعة أهداف في الشرق الأوسط عندما تولى منصبه:

أولًا: تنشيط عملية السلام.

ثانيًا: إنهاء الحرب ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، التي أطلقها سلفه في عام 2014.

ثالثًا: الحد من نفوذ إيران في المنطقة، والحصول على تنازلات جديدة بشأن برنامجها النووي.

رابعًا: تعميق الدعم لنوع معين من الزعماء العرب، ولا سيما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعائلة المالكة السعودية. وقال ترامب في كلمة ألقاها في الرياض، المحطة الأولى من جولته الخارجية الأولى كرئيس: «يجب أن نسعى إلى الشركاء، وليس إلى الكمال».

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعاهل السعودي الملك سلمان-الرياض

بول سالم، نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، وابن وزير خارجية لبناني سابق، منح ترامب تقييم «ج» – في أفضل الأحوال – فيما يخص تحقيق أهدافه بالمنطقة. ونقل عنه التقرير قوله: «في بعض المناطق تسير سياسته على ما يرام. الحرب على (داعش) – التي بدأت في عهد أوباما – هي نجاح كبير. ولكنها تسير بشكل مخيف في بعض المناطق، بما في ذلك عملية السلام، والتي هي أسوأ بكثير».

وقال: «إن المشكلة الحقيقية هي أنه بعد عام من تولي مهام منصبه، ما زال من غير الواضح من الذي يدير، أو ما هو شكل الإدارة… من المسؤول؟ هل يتحدث تيلرسون باسم الحكومة الأمريكية؟ أم كوشنر؟ وما زال هناك الكثير من الناس في الشرق الأوسط مرتبكين. ويضاف إلى ذلك أن الرئيس زئبقي، ولا يمكن التنبؤ بما سيفعله. قد يكون له موقف يوم الاثنين وآخر يوم الثلاثاء. وهذا يجعل الناس في المنطقة يتساءلون. على الأقل مع بوتين، أنت تعرف من تتعامل معه. ما يقوله يوم الاثنين هو ما يلتزم به يوم الجمعة».

اقرأ أيضًا: وصفها بـ«بؤر القذارة».. كيف تنظر أمريكا إلى أفريقيا في عهد ترامب على أرض الواقع؟

لا تقتصر الأسئلة على الشرق الأوسط؛ فقد أظهر استطلاع للرأي – أجرته مؤسسة «جالوب» مؤخرًا – أن الرفض العالمي للقيادة الأمريكية قد سجل رقمًا قياسيًا في عام 2017. ومن المفارقات أن أعلى نسبة من عدم الموافقة على إدارة ترامب – 83% – كانت في النرويج، وهو بلد ذكره ترامب هذا الشهر بأنه مصدر مفضل لديه لاستقبال المهاجرين.

اقرأ أيضًا: مترجم: تحسن اقتصاد أمريكا رفع شعبية رؤساء سابقين.. لماذا حدث العكس مع ترامب؟

غضب دولي

كما أن رد الفعل على قرار القدس يمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. وفي الشهر الماضي اضطرت الولايات المتحدة إلى ممارسة «حق الفيتو» في مجلس الأمن الدولي؛ لعرقلة قرار يطالب البيت الأبيض بإلغاء قراره. وأيد الأعضاء الأربعة عشر الآخرون القرار. وبعد بضعة أيام، نددت الجمعية العامة للأمم المتحدة (من جميع الدول الأعضاء) بأغلبية ساحقة بقرار ترامب.

وكان مجموع الدول التي صوتت لصالح القرار 128 دولةً (بما في ذلك جميع الحلفاء الرئيسين للولايات المتحدة، باستثناء إسرائيل)، في مقابل تسعة أصوات فقط ضده (من قبل اللاعبين الدوليين الهامشين، مثل ميكرونيزيا وناورو وبالاو وتوغو). فيما امتنعت 35 دولةً – غالبيتهم من المتلقين للمعونة الأمريكية – عن التصويت، بعد أن هددت الإدارة بحجب الدعم المالي للبلدان التي صوتت لصالح القرار.

اقرأ أيضًا: مترجم: معركة القدس في الأمم المتحدة.. 7 دول صوتت لصالح أمريكا! من هم ولماذا؟

وقال ترامب: «كل هذه الدول… تأخذ مئات الملايين من الدولارات، وحتى مليارات الدولارات، ثم يصوتون ضدنا! حسنًا، نحن نراقب تلك الأصوات. دعهم يصوتون ضدنا؛ سنوفر الكثير. نحن لا نهتم».

الجمعية العامة للأمم المتحدة-نيويورك

رأى التقرير أنه يحسب لإدارة ترامب إدارة المرحلة النهائية من الحرب ضد (داعش)، ولكن الأمر يبدو الآن أنه ستكون هناك مشاركة عسكرية أمريكية مفتوحة في سوريا. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت أنها تعتزم إبقاء نحو ألفي جندى في سوريا؛ لملاحقة بقايا تنظيم (داعش) لضمان الاستقرار في البلاد التي مزقتها الحرب، والمساعدة في عملية الانتقال السياسي.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية للصحافيين: «داعش لا زال موجودًا. إن الحملة العسكرية ضد ما يسمى بالخلافة في وادي الفرات لم تنته بعد. هناك قتال عنيف. إن بعض المقاتلين يعيدون التجمع الآن، وقام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بـ53 غارة جوية في سوريا هذا الأسبوع. إنهم لا زالوا قادرين على عرقلة أية محاولات لتحقيق الاستقرار والتحول السياسي والانتقال في سوريا. إن الهزيمة المستمرة لهذا الوجود الخبيث شرط مطلق في سوريا، كما هو الحال في العراق، من أجل إحراز أي تقدم في المستقبل».

اقرأ أيضًا: مترجم: ترامب سيجعل «داعش» عظيمةً مرةً أخرى!

ولا زالت محادثات السلام بين نظام الأسد والمعارضة في طريق مسدود بعد سبع سنوات من اندلاع الحرب السورية. واشنطن لديها مدخلات دبلوماسية محدودة بشأن قضية تهيمن عليها روسيا وإيران. فالمعارضة المدعومة من الولايات المتحدة تعاني، وغير مؤهلة سياسيًا.

الحد من نفوذ إيران

وفيما يتعلق بإيران، فقد ذكر التقرير أن خطاب ترامب المناهض لطهران قد عرض للخطر أهم اتفاق يحد من انتشار الأسلحة النووية خلال ربع قرن. كما أدى اتفاق عام 2015 مع القوى الكبرى الست في العالم إلى تخفيف حدة التوتر بين إيران الثورية والمجتمع الدولي. قرار الرئيس من جانب واحد بعدم التخلي عن العقوبات المفروضة على إيران – كما وعد في الصفقة – لا يتوافق مع وجهة النظر التي تتبناها بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا.

الرئيس الإيراني حسن روحاني-موسكو

وكان مسؤولون أوروبيون قد ذكروا أن جهود ترامب الرامية إلى خنق اتفاق إيران تقوض العلاقات عبر الأطلسي في قلب الأمن الأمريكي. وقالت رئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني: «إن الاتفاق ماضٍ، وقد صدقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عليه تسع مرات بالفعل، وهو أمر حاسم بالنسبة لأمن أوروبا والعالم». ويخشى مسؤولون أوروبيون آخرون من أن استراتيجية ترامب المنفردة حول الأسلحة النووية، ستعرض معاهدة عدم انتشار الأسلحة للخطر، والتي كانت أساس كل الجهود لاحتواء الأسلحة النووية.

احتضان الحلفاء المستبدين

كما أثار اختيار ترامب للحلفاء العرب – الذين يميلون إلى أن يكونوا حكامًا استبداديين – قلق خبراء الشرق الأوسط ومجموعات حقوق الإنسان، بحسب ما أورده التقرير. وقد أشار تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن مصر، والذي نشر في سبتمبر (أيلول)، إلى تبني النظام لممارسات تعذيب ممنهجة.

اقرأ أيضًا: «نيويورك تايمز»: هكذا أصبح الثلاثاء يوم الإعدام في مصر

في الأسبوع الماضي قالت المنظمة الحقوقية: إن حكومة السيسي «اختارت إنهاء العام من خلال تنفيذ عمليات الإعدام في أعقاب محاكمات غير عادلة». بعد أن فاز ترامب بترشيح الحزب الجمهوري، كان السيسي أول زعيم دولي يتصل بالمرشح، ومن ثم مقابلته على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، قبل شهرين من الانتخابات.

وفي الوقت نفسه، لاحظ التقرير أنه يجري تجاهل حلفاء آخرين، مثل تونس، التي تمر بمرحلة انتقالية سياسية هشة. وقد اجتاحت الاحتجاجات أكثر من 20 مدينة في تونس هذا الشهر؛ بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية والخدمات والضرائب الجديدة على المكالمات الهاتفية، واستخدام الإنترنت والفنادق والواردات الكبيرة، مثل السيارات. منذ عام 2011، وهو العام الذي اندلع فيه الربيع العربي، عندما أحرق شاب تونسي نفسه احتجاجًا على الفساد والفقر والظلم، ارتفعت أسعار المواد الغذائية سنويًا بنسبة تصل إلى 8%.

متظاهرة تونسية ترفع لافتة كتب عليها عبارة (ماذا ننتظر) باللهجة المحلية

وقد بدأت تونس أيضًا في تقليص وظائف القطاع العام – في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة البطالة بالفعل 15% و30% بين الشباب، بمن فيهم خريجو الجامعات. خلال التظاهرات التي استمرت أسبوعًا، شهدت تونس ولادة حركة احتجاج جديدة دشنت باسمها وسمًا عبر «تويتر» بعنوان «#Fech_Nestannew» (ماذا ننتظر)، وقد رسمت هذه العبارة على الجدران العامة، والأسوار في جميع أنحاء البلاد، وانطلقت على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال التقرير: «إن الصعوبات الاقتصادية في تونس تنعكس في بلدان أخرى، من المغرب ومصر إلى اليمن ولبنان. فالبلدان التي تحاول إدخال إصلاحات – لتحديث الاقتصادات وجذب المستثمرين الأجانب أو المقرضين – تواجه غضبًا متزايدًا من الدوائر الانتخابية التي تتوقع المزيد بعد الانتفاضات العربية».

واختتم التقرير بقوله: «إنه وبعد السنة الأولى لرئاسته، فإن عقيدة ترامب تواجه تحديات أكثر ضخامة في الشرق الأوسط مما كانت عليه عندما أدى اليمين الدستورية».