يمر علي في اليوم الواحد عشرات الفيديوهات على مواقع السوشيال ميديا. نصف وقتي أقضيه في مطالعة فيديوهات عن القطط والكلاب وغرائب الحيوانات الأليفة الأخرى وبحكم الابتعاد عن الوطن وحبي الكبير لدلال عبد العزيز وعائلة سمير غانم كلها – كعائلة مبهجة حقًا – لفت انتباهي فيديو من مسلسل سابع جار على موقع فيسبوك، ومنذ اللحظة الأولى بهرني أداء ماما دلال عبد العزيز (لميا) في المسلسل وتلقائية أبنائها وحواراتهم الأسرية اليومية شديدة البساطة والعمق في الوقت ذاته وفورًا ذهبت لمشاهدة كافة الحلقات حتى آخر حلقة وأنا في حالة من الدفء الأسري والسعادة بهذا العمل الدرامي الذي اجتذبني بشكل كامل.

على مدار عشرات السنوات تخبطت الدراما المصرية سواء المسلسلات أو الأفلام دومًا بين طبقتين لا ثالث لهما – إلا محاولات يسيرة مِن مَن رحم ربي بين المفارقة الأخلاقية والطبقية بين العشة والقصر، مسلسلات وأفلام تنقل صورًا مشوهة لواقع فئات محدودة جدًا في المجتمع المصري في كلتا الطبقتين الثرية جدًا أو الفقيرة جدًا وغابت الطبقة الوسطى بمفرداتها وبساطتها عن الشاشة. فـأبطال الدراما المصرية إما يعيشون في قصور لا يطمح أبناء الطبقة الوسطى لزيارتها حتى أو هم بلطجية وخارجون عن القانون أو مغلوبون على أمرهم. والبطلات إما نجمات سينما دائمات التأنق حتى في مطبخ منزلهن بمكياج كامل أو ساقطات يقايضن كرامتهن وحريتهن بالمال والشريفة منهن مهشمة، محطمة، مغلوبة على أمرها.

باعتباري إحدى أبناء هذه الطبقات خلق هذا الأمر جدارًا عازلًا بيني وبين الدراما المصرية حتى المحاولات الجادة الملهمة في السنوات الأخيرة كانت تدور في مفارقة العشة أو القصر، ولكن نحن خريجي الجامعات أبناء الموظفين والموظفات، ربات البيوت، العاملين منا والعاطلين لم يكن هناك مساحة لنا. وفي وسط هذا الاستقطاب الدرامي جاء سابع جار عملًا راقيًا بسيطًا هادئًا به صخب الحياة اليومية في البيت المصري دون تزيد أو مغالاة. عمل تشعر في كل لحظة منه أنك أنت أحد أبطاله. أنك لا تشاهد عملًا دراميًا بل أنك تجلس في صالة منزلكم ويحيطك أفراد العائلة بكافة أطيافهم وتنوعهم تستضيف معهم ضيوفهم وتتحمس للذهاب للسينما معهم تحزن لمرضهم وتسترعيك الأفكار الجديدة التي يطرحها.

المسلسل كحوار، أزياء، مكياج، ديكور وكادرات ينقل بشفافية محببة كيف تعيش الطبقة الوسطى في مصر دون رتوش. في كل مشهد تشعر أنك في منزلك الخاص والشخصيات المحيطة بك سواء أقرباؤك وأقرانك غير متكلفين أو غرباء على هذا المشهد الاجتماعي.

المسلسل يدلف إلى العالم الحقيقي للمرأة المصرية يناقش قضاياها بهدوء ويطرح أفكارها التحررية أو المتحفظة برقي وبساطة بالغة، لن تجد شعارات نسوية جوفاء ولكنك تشعر بالرغبة في التحرر والاستقلال المادي والتحقق على كافة الأصعدة في مختلف شخصياته. لا يدين المرأة المستقلة ماديًا المتحققة عمليًا ولا يقدمها كساقطة ولكن يعكس التحديات اليومية التي تواجهها والأفكار التقدمية التي يتبناها ويناقشها جيل بأكمله. ولم يخجل من تقديم صورة حقيقية للطبقة المتوسطة على الشاشة المصرية. مسلسل حمل بمضامين ثورة اجتماعية هادئة تحرر العقل المصري من ذكوريته والقوالب المصمتة التي رسختها الدراما المصرية على مدار عقود.

لا أود الإطالة ولكن – على طريقة دي أول مرة أشارك في البرنامج -، هذه فعلًا المرة الأولى التي يدفعني عمل درامي ويحملني بمعانٍ قيمة تحمسني للكتابة عنه، فشكرًا كل الشكر لكافة طاقم العمل الذين قدموا لنا قطعة فنية راقية ومرحبًا أخيرًا بالطبقة الوسطى على شاشة التليفزيون مباشرة من صالة منزلنا.