كان صباح هاديء كعادة كل الأيام، استيقظ فيه أهالي منطقة الروضة ببئر العبد بمحافظة شمال سيناء وأرواحهم تسكنها بهجة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الذي يعدون له عقب صلاة الجمعة، حتى جاءهم نبأ من تنظيم ولاية سيناء ينذرهم بتفجير أماكنهم، غير أنهم لم يبالو به حتى وقعت الكارثة. 

 

 

ما يزيد عن 235 قتيلا و109 جريحا كانوا ضحية تفجير مسجد الروضة ببئر العبد، على يد مجموعة من الإرهابيين الذين وضعوا عبوة ناسفة داخل المسجد أثناء صلاة الجمعة، ثم أطلق الأعيرة النارية على المصلين داخل المسجد وخارجهم.

 

إنذارات بالتفجير  

 

"كانت عملية متوقعة- ففي صباح اليوم تلقى أهالي المنطقة تحذيرات من ولاية سيناء بالتفجير، وكذلك كانت تتوالى عليهم التهديدات على مضى الأشهر الماضية" هكذا قال الكاتب الصحفي مصطفى بكري نقلا عن روايات شهود العيان من الأهالي. 

 

 

في أغلب المداخلات الهاتفية التي أجرتها القنوات الفضائية مع أهالي شمال سيناء وتعليقات الأهالي على صفحات سيناء على مواقع التواصل الاجتماعي، كان هناك إجماع على أن هذه المنطقة تلقت تهديدات عدة من تنظيم ولاية سيناء الذي بايع (داعش) في 2014، خاصة أن قبائلها من أكثر داعمي قوات الجيش والشرطة، فضلا عن انتمائهم الصوفي الذي يكفره داعش. 

 

أحد أبناء بئر العبد كتب على صفحته الشخصية على موقع "فيس بوك " أن هذه المنطقة يوجد بها 12 كمين، متسائلا "كيف مرت سيارات الدفع الرباعي الخاصة بالإرهابينمن الكمائن ووصلت إلى المنطقة السكينة ؟".

 

 

وتقع مدينة بئر العبد على مسافة 80 كيلومترا غرب العريش بمحافظة شمال سيناء، التي تنقسم إلى 6 مراكز و يبلغ عدد سكانها نحو ٤٤٥ ألف مواطن طبقا  لتعداد عام ٢٠١٦، وتتركز أغلب الجماعات التكفيرية فى رفح والشيخ زويد وبعض المناطق بوسط سيناء.

 

وروى شاهد عيان، عبر مداخلة هاتفية لإحدى الفضائيات، أن مجموعة مسلحة تضمن 15 مسلحا كانوا يستقلون سيارتين وصلوا إلى المسجد مترجلين بعد أن تركوا سيارتهم على بعد 150 متر عن المسجد ومع بداية خطبة الجمعة الاولى اقتحموا المسجد والقوا بعبوات ناسفة بين المصليين واطلقوا النيران عليهم بشكل مباشر كما اطلقوا النار على الفارين ثم اشعلوا النار فى السيارات المتواجدة حول المسجد.

 

 

صفحة أرض سيناء على موقع"فيس بوك" قالت إنه لم يتفاجأ سكان غرب العريش بشمال سيناء بالهجوم على مسجد الروضة، لمعرفتهم المسبقة أن الزاوية مستهدفة حيث تبقى دائما تحت حراسة مسلحين من مريدي الزاوية المقربين من الجيش المصري ويتفادى السكان الصلاة فى الزاوية خوفا من هجمات متوقعة من مسلحين. 

 

 

 

 

بداية الصراع  

 

الصراع بين داعش والقبائل التي تسكن منطقة الروضة ولاسيما "السواركه" لم يكن حديثا، ففي يوليو 2015  اختطف التنظيم الشيخ "سليمان أبو حراز"، وبعد فترة نشر صورته  وهو مقطوع الرأس بعد إعدامه بالسيف، بدعوى ممارسة السحر والشعوذة.

 

 

"سليمان أبو حراز" هو شيخ مسن ضرير يبلغ من العمر98 عامًا، من كبار مشايخ الطرق الصوفية، وكان له أراء بناءة تحارب الفكر الداعشي المتطرف، ومنذ ذلك الحين خيم الحزن على قبيلة السواركة التي كان ينتمي لها الشيخ حراز وهي من كبرى قبائل سيناء.

 

ومنذ فترة ليست بالقصيرة، أعلن التنظيم أن صوفية سيناء هدفا له، معلنا عبر منصاته الإعلامية لاسيما ما بثه موقع مجلة النبأ الداعشية في ديسمبر 2016، بنشر تهديدات للصوفية في بئر العبد، حيث قال قيادى بالتنظيم: "أتباع الطريقة الجريرية يقدسون الأضرحة، ويقرأون كلامًا يحتوى على ألفاظ شركية، مثل الاستغاثة بالنبى وطلب الشفاعة".

 

في 19 نوفمبر 2016 بدأت أزمة الطرق الصوفية في سيناء مع تنظيم "داعش"، عقب كشف ما يُعرف بـ"أمير مركز الحسبة" خلال حوار نٌشر بمجلة "النبأ" الخاصة بالتنظيم قال فيه للصوفية في سيناء مهددا إياهم بحرب شرسة:" أعلموا أنكم عندنا مشركون وكفار، وأن دماءكم عندنا مُهدرة، ونقول لكم إننا لن نسمح بوجود زوايا لكم في سيناء".

 

وواصل تهديده:" انتشر الشرك بالله عن طريق الصوفية، حتي هرم عليه الكبار، ونشأ عليه الصغار فاشتدت المصيبة وهم يعتقدون النفع والضر في الأموات، ويستغيثون بهم، ويتخذونهم واسطة إلي الله".

 

وعقب التهديدات الداعشية الإرهابية، هاجم التنظيم الأضرحة والزوايا الصوفية وقام بهدمها رغم أن المنتمين للطرق عددهم كبير، ونسبتهم نحو 60% من سكان المحافظة، وتم تفجير الأضرحة مرتين إحداهما قبل عامين وأخرى قبل عام.

 

حرب السواركة وداعش 

 

وتعد قبيلة  السواركة من القبائل البدوية، وهى ثاني أكبر قبيلة في شبه جزيرة سيناء بعد قبيلة الترابين، ويبلغ عددهم نحو 700 ألف فرد، وتشتهر القبيلة بأن رجالها قدموا مساعدات لأفراد القوات المسلحة المصرية أثناء الانسحاب عام 1967، ولايزالوا من أكبر القبائل التي تدعم الجيش في حربه على الإرهاب. 

 

وفي 15 مايو 2017 أعلنت قبيلة السواركة، فى بيان لها، مواصلتها التصدى للمد التكفيري، والحرب على تنظيم داعش الإرهابى في سيناء، وقالت:"على ضوء التطورات التى تشهدها سيناء فى مواجهة عصابات الإرهاب التكفيرى أصبح لزاما علينا نحن أحرار قبيلة السواركة أن نحدد موقفنا من المواجهة المسلحة المباشرة مع هذه العصابات".

 

وتابع البيان: دارت المشاورات بين رموز تاريخية وعشائرية من أبناء القبيلة ممن يملكون على أرض الواقع القدرة الفاعلة على تحريك قواعدهم الشعبية، ويؤمنون بعقيدة قتالية تؤهلهم للتضحيات الجسام وبذل الغالى والنفيس فى سبيل الله والوطن الغالى.

 

وتابع البيان خُلصنا فى البداية إلى أن قبيلة السواركة تؤمن وعن وعى وإدراك بأن تنظيم داعش فى سيناء هو امتداد سرطانى لداعش الأم فى المنطقة ، وأنه حلقة من حلقات المشروع التكفيرى الواسع الذى يهدف الى هدم الأوطان وتقسيم المنطقة الى دويلات تتناحر فيها الشعوب ويقتتل فيها الأشقاء.

 

واختتم البيان قائلا" اتفق رأينا على المواجهة العسكرية المباشرة مع عصابات الإرهاب التكفيرى فى سيناء والتى ملأت الأرض فسادا وخرابا، وهى واجب شرعى وضرورة وطنية يجب الوفاء به تحت مظلة الدولة وبالتنسيق مع القوات المسلحة الباسلة، وبالشراكة الوطنية مع أشقائنا من أبناء القبائل الأُخرى".

 

ومن هنا بدأت الحرب على أرض الواقع بين قبيلة السواركة وداعش، وتوالت تهديدات داعش لأهالي المنطقة تارة لانتمائهم الصوفي وأخرى لدعمهم للجيش والشرطة، حتى وقع تفجير مسجد الروضة، ظهر أمس الجمعة، الذي كان أغلب ضحايه من قبيلة السواركه.

 

وقال عبد القادر مبارك، أحد أبناء قبيلة السواركة، إن أبناء القبيلة يساعدون القوات المسلحة في الحرب ضد "داعش" في سيناء، مشيرا إلى أن هذا الدعم "مسلح ولوجيستي". 

 

وأضاف مبارك، خلال مداخلة هاتفية بإحدى الفضائيات، أن الهدف من التعاون بين أبناء القبائل والقوات المسلحة هو استئصال الوباء السرطاني المتمثل في "داعش" داخل شمال سيناء ليعود الأمن والاستقرار لسيناء.

 

عمليات سابقة 

 

يوم 21 أكتوبر 2017 نشرت إحدى الصحف تصريحا لإحدى قيادات الصوفيةالسيناوية، قالت فيه إن الطرق الصوفية في سيناء تدهورت أحوالها للغاية، بسبب الهجمات التي شنها التنظيم الإرهابي عليها.

وأكدت القيادات  أن الهجمات الإرهابية على الطرق الصوفية في سيناء، أدت إلى تقسيم الصوفية بين شمال سيناء وجنوبها، بحثا عن أماكن إيواء، بدلا من التي دمرها "داعش"، لافتة إلى أنهم لم يعدو يستطعيون ممارسة الطقوس الدينية ويتخفون وسط المواطنين العاديين للنجاة من الخطر الداعشي الإرهابي.

 

وقالت: إن القوات المسلحة في سيناء تتعاون مع أبناء الطرق الصوفية لحمايتهم، والحفاظ عليهم.

 

وهكذا أضحت منطقة بئر العبد  محطة جديدة تستهدفها داعش، وشهدت 3 عمليات إرهابية في غضون شهرين من يوليو حتى سبتمبر 2017، إحداهما استشهد خلالها 18 من رجال الشرطة أثناء قيامهم بمهمة تأمين على مسار الطريق.

 

وسبق حادث الشرطة اقتحام مقر شركة ملاحات واختطاف موظفين بها وقتل أحدهم ذبحا، وإجبار سيارة خاصة على الوقوف على الطريق وقتل من فيها وهم عددا من رجال الأمن، وتنفيذ أكمنة تفتيش واختطاف أهالى لإجبارهم على عدم إبلاغهم عن زراعة متفجرات فى المكان.

 

جهود الجيش 


وفي 13 سبتمبر نشر إحدى المواقع الإخبارية تصريحا على لسان مصدر أمنى بشمال سيناء، قال فيه إن طريق "العريش - بئر العبد"  يخضع يوميا لحملات تفتيش وتأمين، تضم فرق الكشف عن المفرقعات ويقوم بعمل مسح للطريق، وتم خلال الأسابيع الأخيرة الكشف عن زراعة عبوات ناسفة على جانب الطريق وأبطال مفعولها وكانت معدة للتفجير.

 

وأضاف المصدري، أن لجان أمنية تدرس إعادة وضع خطة أمنية متكاملة وتأمين للطريق من خلال تكثيف الحملات وإقامة أكمنة ثابتة ومتحركة.

 

ويوم  17 سبتمبر 2017 نشر موقع إخباري آخر أن الطريق الجنوبي لمدينة بئر العبد في محافظة شمال سيناء وحتى مشارف وسط سيناء، تحول إلى منطقة تشبه مناطق العمليات الحربية بعد أن تعرضت مواقع تحتوي على مُعدات ثقيلة تستخدم في رصف الطرق إلى الحرق من قِبل مجموعات مسلحة.

 

وقبل أيام تحديدا يوم 20 نوفمبر الجاري أكد مصدر أمني في شمال سيناء، في تصريح لإحدى الصحف، أن هناك حملات تقودها القوات المسلحة تستهدف التصدي للإرهابيين في أحياء جنوب العريش و بعض المناطق في وسط المدينة و قرى مركز بئر العبد .

 

وقال المصدر إنه هناك تنفيذ لعمليات فحص شاملة على مداخل العريش للسيارات و الأفراد و الاطلاع على أوراق إثبات الشخصية، موضحا أن هذه الحملات والمداهمات الأمنية المتلاحقة تأتي في إطار الجهود المتواصلة  للقوات المسلحة وجهاز الشرطة في التصدي العناصر الإرهابية والإجرامية والقضاء عليهم .

 

وعلى مدى الأشهر الماضية توالت تحذيرات وعمليات داعش، كما توالت الحملات الأمنية التي تستهدف البؤر الإرهابية، حتى وقع تفجير مسجد الروضة بمنطقة بئر العبد، التي اعتبرها الرئيس عبد الفتاح السيسي، انعكاس لنجاح  الجهود التي تبذلها القوات المسلجة في مواجهة الإرهاب. 

 

 

 

وأعلن الرئيس، خلال خطاب، عشية الحادث مساء أمس الجمعة- حالة الحداد في البلاد لمدة 3 أيام، مؤكدا أن الحادث يزيد البلاد قوة وصلابة وإرادة في التصدي ومكافحة ومحاربة الإرهاب".

 

 

وتعهد السيسي بأن القوات المسلحة والشرطة المدنية ستقوم بالثأر لشهدائنا، واستعادة الأمن والاستقرار بمنتهى القوة خلال الفترة القليلة القادمة، وسترد على هذا العمل بقوة غاشمة في مواجهة هؤلاء الشرذمة المتطرفين الإرهابيين التكفيريين". 

 

ومن جانبها أعلنت قبيلة الترابين ببئر العبد بشمال سيناء إغلاق كامل المناطق الشرقية، داعية الجيش لبدء عملية مشتركة مكبرة تمتد من الشرق حتى البحر، كما دعت سائر القبائل لإحاطة سيناء وبدء التمشيط مترا مترا حتى لو استمرت الحملة سنة كاملة من الآن .