«لا قصة لديه يرويها.. فقد سكتت شفتاه إلى الأبد، قصته الصامتة ترويها ملامحه البريئة، وكلمات قليلة على صفحات التواصل الاجتماعي تطالب من يتعرف عليه بإبلاغ أهله للتوصل إليه في مستشفى العريش العام»..

 

آخرون كانوا أسعد منه حظا، لم يكن حظهم كافيا ليسمح لهم بالحكي عما عايشوه، فاختزلوا كل ذلك في أناتٍ موجوعة، وصرخات شاردة، وألم الشعور بالخيانة في استهدافهم في بيت الله.. البقعة التي يفترض بها أن تكون الأكثر أمنا على وجه الأرض.

 

فتشنا بعيدا عن كل هؤلاء عمن يمكن أن تشبث بأهداب كلماته ليروي لنا قصة «مذبحة المصلين» في مسجد الروضة ببئر العبد في سيناء، الجمعة، فوجدنا بعضا مما نرجوه في مستشفيات الإسماعيلية العام، والقنطرة غرب، وجامعة قناة السويس، التي استقبلت عددا من مصابي تفجير مسجد الروضة بمدينة العريش شمال سيناء، الذي راح ضحيته 235 شهيدا، و 109 مصابين، ما بين أطفال وشيوخ وشباب.

 

 

وروى المصابون الناجون في حديث متبادل بينهم في مستشفى جامعة قناة السويس بالإسماعيلية، أثناء تلقيهم العلاج، تفاصيل الواقعة، لذويهم وأهاليهم الحاضرين، ما شاهدته أعينهم خلال الحادث الأليم.

 

ووفقًا لروايتهم المتطابقة، فإنه، أثناء صعود الأمام لمنبر المسجد، انفجرت قنبلة حجبت الرؤية تمامًا عن المصلين، وأحدثت دخانا كثيفا بالمسجد، وأثناء محاولات فرارهم خارج المسجد فوجئوا بما وصفوه بــ"حاجز من الرصاص المنبعث في وجِههم" من خارج المسجد،  ما أدى إلى سقوط العشرات في وقت واحد أمام بوابات المسجد.

 

وأكد أحد أهالي المصابين، الذي رفض ذكر اسمه، أن  المسجد تابع للطريقة الجريرية التابعة للجماعة الصوفية، مشيرًا إلى أن المصلين ليس جميعهم تابعين لتلك الطريقة، وإنما يفد إليه مصلون مجاورون للمسجد خاصة في صلاة الجمعة.

 

وقال  لـ«مصر العربية» إن الأهالي لم يتفاجأوا بتفجير مسجد الروضة، بسبب معرفتهم المسبقة أن المسجد مستهدف نتيجة تهديدات جماعات مرتبطة بداعش المتكررة  بتفجيره بسبب إضافته لعبارات زائدة في الأذان خلال الفترة الأخيرة، إضافة إلى حالات الاغتيالات الذي تعرض لها بعض الأشخاص في قرية الروضة بشكل فردي خلال الأيام الماضية.

 

وبحسب مصدر طبي بالإسماعيلية، فقد وصل للمستشفيات الثلاثة 83 مصابًا  توفى منهم 7 حالات أثناء تلقيهم العلاج، وتجرى العديد من العمليات الجراحية الآن للحالات الخطيرة من المصابين.

 

أحد الأطفال بكى بحرقة أثناء سؤاله عن اسمه أو عما جرى، لم يكن ردد غير سؤال واحد عن أبيه الذي كان معه في المسجد على مايبدو، ولا يعرف مصيره حتى اللحظة، وبسبب بكائه الهيستيري، اضطرت الطواقم الطبية لحقنه بمهدئ، مؤكدين أن حالته الطبية جيدة، فهو مصاب بجروح وخدوش ليست خطيرة.. لكن حالته النفسية ربما تكون أعمق جرحا.

 

أحد المصابين قال إنه لم يدرك سبب هروع المصلين للخارج بعد الانفجار الذي لم يتبين مصدره بالضبط، لكنه بعد انتشار الدخان، اضطر للخروج في أعقابهم.. «تعثرت ووقعت.. هذا ما أخّر خروجي من المسجد، ولقيت كل الناس اللي خرجت بتموت وصوت ضرب الرصاص في كل مكان.. أحد المصلين دفعني وهو يجري للخارج فوقعت، لو ما كنتش وقعت كنت مت بدلا منه.. زقني ووقعني علشان يموت بدالي».. وبدأ يبكي بشكل تعذر معه سماع باقي التفاصيل

 

مصلٍّ آخر اعترف بأن المسجد وردته تهديدات، لكنه قال إنه ظن أن آخر ما يمكن أن يفعلوه أن يستهدفوا بعض كبار رجال الطريق الصوفية.. وليس المسجد وكل المصلين في يوم الجمعة، مكنتش أتصور إن ممكن يعملوا كدا، طيب الناس دي كلها إيه ذنبها؟.

 

مصاب آخر وصف لحظات التدافع بيوم الحشر.. الناس كلها جريت من صوت الفرقعة.. كانت فاكرة انها بتهرب من موتها، لكنها كانت كانت بتهرب للموت.

 

وتجمع الآلاف من أهالي الشهداء والمصابين حول مستشفيات بئر العبد (التي شكوا من سوء استعدادتها وخدماتها) والعريش والإسماعيلية والقنطرة غرب وجامعة قناة السويس في محاولة لمعرفة مصير ذويهم والاطمئنان عليهم، بعد الهجوم الذي يعد الأعنف في ذلك المركز غير الملتهب بالعمليات (مقارنة بالعريش والشيخ زويد ورفح).

 

وقال المصدر الطبي لـ«مصر العربية»، إن أعمار المصابين الذين وصلوا لمستشفيات الإسماعيلية، تتراوح ما بين 30 إلى 70 عاما، مشيرًا إلى أن حالات الإصابة تنوعت ما بين جروح عميقة وعادية، وطلقات في البطن، وقصور مضاعفة، نتيجة طلقات نارية و شظايا عبوات ناسفة.

 

وتبعد قرية الروضة تبعد حوالي 40 كيلومتر غرب مدينة العريش على الطريق المؤدي إلى القنطرة وتقع ضمن نطاق قبيلة السواركة، وأغلب سكانها من نفس القبيلة من عشيرة الجريرات وبعض نازحي القبيلة من شمال شرق سيناء.