سليم عزوز يكتب: هل حمى الجيش الثورة؟!

لا أعرف كيف استقر في وجداننا أن الجيش جاء لميدان التحرير في مساء يوم 28 يناير 2011، ليحرسنا ويحمينا في مواجهة الشرطة التي تذبحنا، بحسب هتاف الاستقبال، الذي ارتفعت به الحناجر، وقد دفعني هذا الإجماع الجماهيري الحاشد بعد لحظات من الريبة لأكون جزءا من هذا العزف؟!

هناك تقاليد تحكم الجيش المصري، على رأسها أنه يدافع عن الشرعية، وأن انحيازه في موقف كهذا لا بد أن يكون للسلطة الرسمية، التي هو جزء من مكوناتها، وأن الأمور فيه تقوم على الضبط والربط، وتنفيذ تعليمات الرتبة الأعلى ولو كانت خاطئة، ويقال في هذا الشأن: "نفذ التعليمات ثم تظلم". والقيادة كما هو معلوم لم تصل لموقعها بالانتخاب، منذ ثورة يوليو 1952، ولكنها بالتعيين "الحر المباشر" بقرار من القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي هو نفسه رئيس الجمهورية، في حين كان الأمر مختلفا قبل ذلك، فمحمد نجيب الذي كان على رأس قائمة الضباط الأحرار الذين قاموا بهذه الثورة، فاز في انتخابات نادي ضباط الجيش، على غير إرادة الملك!

هذا فضلا عن أن مبارك كان حريصا على قواعد في الترقي والتصعيد تكشف عن فلسفته في الاختيار، حيث الولاء الكامل والانحياز المطلق، وأن يكون المترقي بلا قضية أو هدف، فقد جاء إلى موقعه رئيسا للدولة بعد حادث المنصة، حيث شاهد الرئيس السادات سابحا في دمائه على يد ضباط الجيش، ولهذا؛ فقد كان يعتمد تقارير جهاز مباحث أمن الدولة التابع لوزارة الداخلية في الترقي والعزل، بخلاف التقاليد، وهذا النفوذ لهذا الجهاز كان ضمن الأسباب التي دفعت لفتح بعض المقار الرئيسة له واستباحتها بعد ثورة يناير مباشرة.. لا تصدق أن الثوار هم من اقتحموا هذه الحصون!

وبانتهاء مرحلة المشير محمد عبد الحليم أبي غزالة وزير الدفاع المحبوب، ورئيس الأركان القوي مجدي وهيبة، حرص مبارك على الابتعاد في الاختيار عن فكرة المسؤول المحبوب والقائد العسكري الذي له مكانة لدى المواطنين ولو بالأساطير، التي يرددها الرأي العام، والتي لا تستند إلى أسباب حقيقية، وكان الرأي العام يعتقد أن "أبا غزالة"، رأسه برأس مبارك، وعقب الإطاحة به، كان رئيس حزب الأحرار وأحد ضباط يوليو "مصطفي كامل مراد" في دهشة مما جرى، وعندما قلت له: ربما إقالته ترجع إلى أن مبارك توجس منه خيفة، أخبرني أن أبا غزالة هذا يبالغ في إبداء الولاء لمبارك، لدرجة أن الرئيس في الاجتماعات كلما أخرج سيجارة، تحرك من اليسار إلى اليمين ليشعلها له؛ إمعانا في الولاء، مع أنه لم يكن بحاجة لذلك، فكان يكفي أن يقوم بالمهمة من موقعه!

لقد أطيح بأبي غزالة، كما أطيح برئيس الأركان "مجدي وهيبة" الذي كان المجندون يعودون لقراهم ويحكون القصص عن قوة الرجل وانضباطه العسكري، نقلا عن القيادات، ولا تعرف متى تنتهي الحقيقة لتبدأ الأسطورة، فالإنسان البسيط إذا أحب نسج حكايات ونسبها لمن يحب وقد تكون من الخوارق!
بعد هذه المرحلة، اعتمد مبارك فكرة المسؤول الموظف، الذي يفتقد لمقومات الزعامة وللشعبية الجماهيرية، فجاء برجل كان قد ترك الخدمة العسكرية وعمل محافظا للقاهرة، وهو الفريق يوسف صبري أبو طالب وزيرا للدفاع، وبعد ذلك عين محمد حسين طنطاوي، الذي طلب إعفاءه من منصبه أكثر من مرة بسبب مرضه، ومثل هذا الطلب كان يدفع "المخلوع" لأن يبقي على مرؤوسيه في مناصبهم، لأنه هنا يكون زاهدا في المنصب، ولهذا أبقى على مسؤولين كانوا قد هرموا في مواقعهم، وكانوا يعجزون على السير لبضع خطوات، مثل وزير العدل فاروق سيف النصر، ورئيس مجلس الشورى السابق مصطفى كمال حلمي، ووزير الإعلام السابق ورئيس مجلس الشورى الذي قامت عليه الثورة صفوت الشريف، وكلاهما كان في الثمانينات من عمره!

وعند التأمل في وضع الفريق سامي عنان رئيس الأركان السابق، وعدوله عن الترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بمجرد رسالة تهديد وصلته من مرؤوسه السابق "عبد الفتاح السيسي"، يمكن ببساطة معرفة القواعد التي اختار على أساسها مبارك المسؤولين في دولته!

للجيش المصري مكانة في قلوب المصريين استمدها من نصر أكتوبر سنة 1973، وقد تشكلت مكانته؛ لأنه لظروف مهامه لم يكن في مواجهة مع الناس، فلا يوجد من يشتكي من ضابط استخدم نفوذه، وإذا كانت قضايا الأحوال الشخصية للضباط تنظر أمام القضاء العسكري، فلم تكن زوجة الضابط تشعر بأنها في الموقف الأضعف عندما تقف أمام قاض زميل لزوجها. وإن كانت عدالة القضاء العسكري مفتقدة عند محاكمة المدنيين لأسباب سياسية، فقد كانت الأحكام كاشفة عن الانحياز الكامل للسلطة التي يرأسها "القائد الأعلى للقوات المسلحة".

الاحتكاك المباشر للناس كان مع وزارة الداخلية، التي كانت تحكم فعلا، وكان ضباطها يعتدون على المواطنين، ويسجنون الأبرياء، ويستخدمون أداة الحكم المباشرة في تكميم الأفواه، وتأميم السياسة، ومصادرة الرأي الآخر، بل والاعتداء الجسدي على الخصوم السياسيين.

لكن، هل هذا وحده جعل الثوار في يوم "جمعة الغضب" يعتقدون أن الجيش جاء ليحميهم من الشرطة؟!

في تقديري أن الخديعة كان المشهد التونسي سببا فيها، والذي كان حاضرا بقوة في هذا اليوم، وكان هناك من يجرون نحو المتظاهرين بالبيبسي، والبصل، والخل، وتسمع كثيرا عبارة البسطاء "التوانسة قالوا بذلك"، وكثير منا كانوا جاهزين بـ"عدة التظاهر" بناء على الخبرة التونسية التي نقلت إلينا.

لقد نزل الجيش التونسي منحازا للشعب، ورفض أوامر بن علي بإطلاق النار على المتظاهرين.. وليس لدي يقين أن أوامر كهذه صدرت، لكن رأيي أن قائد الجيش كان يمهد لنفسه، فاصطدم بآخر كان يمهد أيضا لنفسه هو قائد الحرس الجمهوري!

وصلنا إلى ميدان التحرير بحمد الله، ونحن نهتف للجيش الذي جاء ليؤدب الداخلية على ما فعلته بنا طوال اليوم، لكن الداخلية كانت قد هربت وولى ضباطها الدبر، يا لخيبة الأمل، فقد منعنا هروبها من أن نشاهد اللحظة التي يقوم رجال القوات المسلحة بمد رجال حبيب العادلي على أرجلها، ونحن نهتف: تكبير!

عند "صُرة الميدان"، تركنا المدرعات تواصل مهمتها في اتجاه وزارة الداخلية، وربما ظن البعض أنها ستحاصر الوزارة وتقصفها بمدافع الهاون، وبالنسبة لي فقد ذهبت السكرة وحلت الفكرة، وبعد أن هتفت طويلا مع الحشود ضمن نظرية الوعي الجمعي للجيش الذي جاء لحمايتنا!

بدا لي في لحظة عودة الوعي أنني أستطيع بصوتي المبحوح المرهق مخاطبة هذه الحشود الهائلة، فهتفت بأننا أمام خدعة، فالجيش جزء من دولة مبارك، وأداة من أدواته، لكن رجلا طاعنا في السن صرخ في هستيريا: "لا الجيش دول ولادنا"، ووجدتني أقول له: "والشرطة أيضا ولادنا، وليسوا من بنجلادش، وقد فعلوا فينا ما فعلوا"!

لم ينطق الرجل، فقد بدا مذهولا أمام هذا الاكتشاف الذي قلته، ومن الواضح أنه كان يظن أن ضباط الشرطة جرى استيرادهم من المجر!

جلسنا على سور "صينية الميدان"، وبعد نصف ساعة جرى قصف الميدان بالقنابل التي كانت تأتي من ناحية وزارة الداخلية، نظر لي الزميل "إسلام حويلة" دون أن يتكلم، لكن نظرته كانت تحمل تساؤلا من كلمة واحدة: "معقولة"؟!، وبادلته نظرة بنظرة، لا أعرف إن كنت قد قلت له: "ألم اقل لكم"؟، أم أن نظرتي هي التي قالت هذا بشكل واضح، فظننت أنني قلت هذا فعلا!

فالجيش لم يأت لحماية الثورة كما تقول الدعاية.