(1)

رغم أنني أتفق مع مغزى توجه النظام الحالي لبناءالمزيد من السجون، ودلالاته على استمرار التوجه القمعي، فإن السجون لا تبنى للإفراج عن الناس وإنما لزجهم فيها، إلا أنني أختلف مع رفض الموضوع نفسه، بل وأدعو النظام الحالي الى التوسع في بناء السجون قدر ما يستطيع!

(2)

ابنوا مزيدًا من السجون، فقد ألقيتم القبض على عشرات الآلاف من الأبرياء، شبابًا وبناتًا وشيبًا، ودفعتم بهم دون جريرة إلى أعماق السجون دون أن تكون لتلك السجون استعداد، فأصبحت السجون الحالية محاشر – لا أقول لا تحترم الآدمية – بل لا تحترم الحياة، ولا تليق بكائن حي ولو كان حيوانًا، ابنوا المزيد من السجون عل أوضاع المسجونين تصبح أقل بؤسًا.

(3)

وقد يقول قائل: لعلهم يبنونها ليقبضوا على المزيد والمزيد، وأقول: هؤلاء لا يردعهم ضمير ولا منطق على أن يقبضوا على المزيد والمزيد ويحشرونهم في الأوضاع الحالية، ولا يعنيهم أن يقاربوا الهلاك خنقًا وجوعًا وبؤسًا، فهؤلاء لا يردعهم عن الظلم شيء، وعلى ذلك فكل سجن جديد يبنى ربما يخفف عن الموجودين، وفي النهاية لن يستطيعوا أن يسجنوا البلد بكاملها.

(4)

ابنوا المزيد من السجون، فإن دوام الحال من المحال، وإن دولة الظلم – لا محالة – إلى زوال، ورب جلاد بنى سجنه بيده، وكم من سجَّان كان أمام القضبان وصار وراءها، وكم من جبار كسره الله، فابنوا السجون وأكثروا، فلا تدري نفس ماذا تكسب غدًا.

 (5)

ابنوا المزيد من السجون، وإلا فأين سنضع آلاف الجلادين الذين عذبوا الناس وقهروهم وانتهكوا حرماتهم، أين سنضعهم بعد أن يسقط عهدهم وتزول دولتهم؟! سيتكفل باطن الأرض بطي من يحكم عليه بالإعدام منهم، وأما بقيتهم فأين سيقضون عقوباتهم الطويلة؟! ابنوا يا سادة المزيد من السجون لكم، فلولاها لما عرفنا أين سنضعكم.

(6)

ابنوا المزيد من السجون، فأين سنذهب بالآلاف من البلطجية والمسجلين خطر الذين أطلقتموهم على الشعب وأسميتموهم (المواطنين الشرفاء) وأمرتموهم بقتل وتعذيب خصومكم السياسيين في مظاهراتهم المعارضة بعد 3 يوليو، وها هم الآن منتشرون في طول مصر وعرضها يجنون ثمن تحالفهم مع الداخلية، فأين سنذهب بهؤلاء إذا أقدرنا الله عليهم؟! سيتكفل باطن الأرض بمن يحكم عليه بالإعدام منهم، ولكن ماذا عن الآخرين، شكرًا لكم حللتم لنا مشكلتهم.

(7)

ابنوا المزيد من السجون، فأين سنضع الذين نهبوا المال العام طوال عشرات السنين وولغوا فيه من عهد مبارك وإلى العهد الحالي، عشرات الآلاف من كبار اللصوص وصغارهم، أين سنذهب بهم؟! أنتركهم ليلتفوا من ورائنا ويستخدموا ما جمعوه من الحرام في صنع ثورة مضادة ثانية، لا والله، ولكن ما كنا نعرف أين سنذهب بهم، والآن حلت المشكلة، ابنوا المزيد من السجون.

(8)

ابنوا المزيد من السجون، فأين سنذهب بالفاشيين والمأجورين الذين استخدموا وسائل الإعلام في التحريض على ملايين المواطنيين ونشروا الأكاذيب للتنكيل بهم، وهللوا لمقتلهم، وباركوا تعذيبهم وسجنهم وتشريدهم، وساهموا في الداخل والخارج في تبييض وجه النظام وإطالة عمره على الظلم، فأين سنذهب بهم، شكرًا لكم فقدد حللتم المشكلة.

(9)

ابنوا المزيد من السجون، فأين سنذهب بالمتمردين المتآمرين الذين تلقوا أموالًا من الإمارات وغيرها للتآمر على النظام الديموقراطي في مصر ورتبوا لانقلاب عسكري عليه – مدفوع الأجر نشر القتل والقمع والهوان في أرضها، وعصف بتجربتها الديموقرطية، حتى عادت انتخاباتها لنتائج الـ97%، وعادت مجالسها النيابية مسخًا كما كانت في أسوأ عهودها بل أسوأ، فأين كنا سنذهب بهؤلاء المتآمرين، الآن حلت المشكلة.

(10)

ابنوا المزيد من السجون يا سادة وتوسعوا، وسعوا على أنفسكم، فأنتم تبنونها لأنفسكم، فكم من ظالم بنى سجنًا فزج فيه، وفي تاريخنا من ذلك الكثير، فإن كثيرًا من الذين عذبوا الناس أيام عبد الناصر دخلوا في سجونه، مراكز القوى الأولى التي نكلت بالناس ومنهم (عبد الحكيم عامر) و(شمس بدران) و(صلاح نصر) دخلوا السجن بعد 1967 بعد أن كسروا مصر كلها مرتين، مرة في أولادها بالقمع في السجون، ومرة في أولادها وأرضها بالهزيمة في سيناء، وكان رجال من مراكز القوى الثانية مثل (سامي شرف) و(شعراوي جمعة) و(علي صبري) يراقبونهم في تشفٍّ حتى جاء عام 1971 فسقطوا هم الآخرين ودخلوا مع إخوانهم الظلمة من قبلهم في السجون التي طالما عذبوا الناس فيها.

(11)

ابنوا المزيد من السجون يا سادة وتوسعوا، فالله أعلم من ستكون له ويكون لها، فإن كانت للشرفاء والأبرياء حتى حين فابتلاء وتمحيص ورفع للدرجات وإقامة للحجة على الظالم والساكت والجبان والغافل، وإن كانت لكم فجزاءً وفاقًا، وهي آية من الله الذي لا تنقضي آياته سبحانه، فابنوا سجونكم ونحن منتظرون، “قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا، فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست