لا يخفى على كل ذي عقل شهد أحداث هبة يناير 2011 دور المؤسسة العسكرية المريب فيها، فأن تتحول مؤسسة عسكرية و”أمنية” لها دور سياسي واقتصادي واضح في تسيير أمور البلاد إلى مؤسسة محايدة تدعي حماية الثورة والثوار مع العلم أنها تمثل الجانب الأعظم من “الدولة العميقة”، فذاك أمر يدعوك للتفكير ومحاولة إعادة صياغة المشهد، فالمؤسسة العسكرية وكما يقال ضربت عدة عصافير بحجر واحد، كانت كل المؤشرات تشير إلى حدوث هبة شعبية من المهمشين وطلاب الحق والعدل والحرية والديمقراطية وأصحاب المظالم وغيرهم، فكيف الخلاص من ذاك السيل العرم الآتي في الأفق؟!

سيف السخط الشعبي كان مسلطًا في المقام الأول على رقبة وزارة الداخلية بمؤسساتها القمعية سيئة السمعة، فما المانع من ادعاء دور البطولة والخلاص من مبارك بنجليه المزعجين الساعيين لوراثة السلطة بنفوذها وأموالها ورمي الكرة في ملعب الداخلية لتقتل وتقمع وبمعنى آخر “تشيل الليلة”، كان الأمر واضحًا بما فيه الكفاية لتتوخى المؤسسة العسكرية الحاكم الفعلي للبلاد والساعية لحماية كنوزها وزيادة نفوذها الحذر، ولتبدأ التحرك من أمام وخلف الكواليس للخلاص من مبارك ونجليه وقطع دابر الإسلاميين المتصدرين للمشهد فهم الكتلة الأكثر تأثيرًا وتنظيمًا، والخروج من الكارثة المحدقة بها بأقل الأضرار.

لا أدعي أن المؤسسة العسكرية سعت لبناء سفينة نوح توقعًا لأسوأ الأضرار وهربًا من القادم سواء كان طوفانًا أو مجرد سيل يهيم لا يبتغي مقصدًا بعينه، بل قدرت الوضع حق قدره وسعت لشق طريق يسع السيل القادم ويوجهه، يوجهه أينما تريد المصالح الاقتصادية والسياسية للمؤسسة العسكرية، بالطبع لم يكن ذلك اعتباطًا أو بدون معلومات وتقارير أمنية وخطط استراتيجية، وكل ذلك بالتأكيد تحت رعاية المخابرات الغربية والأمريكية بشكل خاص، لا نستطيع أيضًا إغفال الفارق في الإمكانيات المعلوماتية والاستخباراتية والسلطة العسكرية بين المؤسسة العسكرية والثوار، ولكن هذا هو الواقع.

أنت كمفكر أو قيادي ثوري أو حتى كادر من كوادر الثورة تحتاج لمعادلة كل هذه المعطيات بل والتفوق عليها ليس فقط لعمل توازن قوى لا بل لتدحر النظام، نستطيع أنا وأنت أن نتفق أو نختلف حول انتهاج نهج السلمية أو المقاومة المسلحة، لكن لا نستطيع الاختلاف حول ضرورة وجود لجان تخطيط واستطلاع رأي وتقييم ورفع للواقع وإيجاد أفضل السبل والاستراتيجيات، لجان من متخصصين وكفاءات وعلماء، أين الاستفادة من تاريخ الثورات القديم والحديث، فنحن لسنا بدعًا من الأمم ولا بدعًا من الثورات، نحن لسنا مدعوين لاختراع العجلة من جديد، ودعك من نغمة أن مصر لها خصوصية وأن الله حباها وحماها وأننا لا محالة منتصرون! أوافقك أن الحق لا بد أن ينتصر لكن على يد من؟! الحق لا يحتاجنا لننصره بل نحن من نحتاجه لنكون جزءًا منه؛ لنحمل شرف إعلائه؛ لنستخدم في تمكينه لا أن نستبدل!

لن ينتصر ثوار لا بالمظلومية ولا بكونهم حاملين للواء الحق ومقاومين للظلم، لنكن واقعيين غير حالمين ولا متمنين، إذا لم تستحق شيئًا فلا تطالب به فلن تناله إلا بعلم وعمل، فمتى يتحرك المفكرون وناقلوا وحاملوا الفكر لمعرفة الوضع الحالي وتقييمه والسعي لشق طريق لتوجيه السيل الآخر القادم لا محالة، متى يقوم هؤلاء بواجبهم تجاه عموم الناس، متى تُوجه القوى حقيقةً للتوعية والتوجيه بل والمساعدة في خلق الزخم الثوري، أنت في ذلك لا تحتاج قوى خارقة على الإطلاق، فلحسن حظنا لا ينفك العسكر بغباء منقطع النظير عن دفع الجميع إلى حافة الهاوية، دفع الجميع لأن يفيقوا من غفوتهم وسباتهم.

لا يسلط العسكر سياطه فقط على معارضيه بل يُعمل سوطه يمنة ويسرة بلا محاباة، فلا هو انتصر للحزب الوطني وأتباعه وأتباع مبارك ولا هو انتصر للفقير الذي سانده وطبل له ولم يحقق للشباب الذي سانده أيًا من مطالبه وغيره من مسيرة الخذلان التي يمضي فيها بكفاءة لا يحسد عليها والله يشهد أنه حسنًا فعل، متى سيتم اتباع استراتيجيات جديدة ومؤثرة في توعية المجتمع ومقاومة النظام، هل ينقصنا المفكرون والاستراتيجيون وأصحاب الكفاءات؟! أم فقط ينقصنا الاتحاد والتكاتف ونسيان الخلافات وتقريب الصفوف وشحذ الهمم؟! أم أننا سنظل رهائن لنخبة العار من جهلاء “المثقفين” والممثلين والراقصات والمطبلاتية؟! متى ستقوم النخبة الحقيقية بدورها المرجو؟! وهل سنترك السيل مجددًا ليدمر بلا هدف وتضيع قواه يمنة ويسرة بلا طائل؟!

حتى ذلك الحين سنظل متأخرين بخطوة وخطوات خلف المؤسسة العسكرية والرأسماليين ودعاة الليبرالية الجديدة، وحتى ذلك الحين أيضًا ستظل الكتلة “مجازًا” الثورية تتلقى الضربات تلو الأخرى ولا يسعها سوى البكاء والنحيب والكربلائيات، اقترب السيل وبانت بشائره فهلا تحركنا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست