روى الإعلامي يسري فودة تفاصيل جديدة من الأحداث التي شهدها يوم 28 يناير 2011 المعروف إعلاميًا باسم "جمعة الغضب".

 

وقال في تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": "كان فريق إنتاج "آخر كلام" في ذلك الوقت صغيرًا لا يتعدى اثنين معي، هايدي جبران و مدحت حسن، ولن تساعدنا إمكاناتنا في القناة على الارتفاع إلى مستوى حدث ضخم كهذا".

 

وتابع: "انشغل عقلي بألف فكرة وفكرة، بينما لا أستطيع حتى الاتصال بضيوفي لتأكيد الحضور ومناقشة المحاور، و كان منظر كورنيش النيل من المعادي عبر الطريق الدائري في اتجاه الغرب منظرًا غريبًا تسيطر عليه وحشة وسيارات قليلة تراها - حين تراها - و هي تهرول مذعورة في كل اتجاه، ولا أثر للشرطة، لا أثر لها على الإطلاق أينما نظرت".

 

وأضاف: "قطعت الطريق في زمن قياسي، ولم أكد أصل إلى مكتبي حتى قرأت على شاشة التليفزيون المصري: "الأمن يتعامل بحزم مع من يحاولون الخروج على القانون"بينما يظهر مذيع وهو ينتظر إشارة البدء قبل أن ينطلق:

"سيداتي و سادتي .. نظرًا لما شهدته بعض المحافظات من أعمال الشغب والخروج على القانون، وما شهدته من أعمال النهب والتدمير والحرق والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، بما في ذلك بعض البنوك والفنادق، أصدر الحاكم العسكري قرارًا بحظر التجول بمحافظات القاهرة الكبرى والإسكندرية و السويس، من الساعة السادسة مساءً حتى السابعة صباحًا، اعتبارًا من اليوم الجمعة، الموافق الثامن والعشرين من يناير، ولحين إشعار آخر، كما أصدر الحاكم العسكري قرارًا بأن تقوم القوات المسلحة بالتعاون مع جهاز الشرطة لتنفيذ هذا القرار وللحفاظ على الأمن وتأمين المرافق العامة والممتلكات الخاصة".

 

وواصل: "أمامنا إذًا ليلة طويلة.. "سندويتش الجبنة القديمة يا عبد الله من فضلك وينسون تقيل"، لم يكن المرء بحاجة إلى انتظار كي يفهم أن الشرطة لم تستطع احتواء الثوار، ويبدو أنها اختفت أو قرر أحد لها أن تختفي من المشهد، ولكن كيف يمكن التحقق مما جاء من تفاصيل أخرى في هذا البيان، بينما نحن منقطعون إلا من الهواتف الأرضية؟ وماذا نفعل إذا لم يحضر ضيوفنا بسبب حظر التجول؟".

 

وذكر: "دقائق قليلة ثم وصل الزميل ألبرت شفيق فدخل إلى مكتبي - الذي هو في الوقت نفسه مكتبه - مصفرّ الوجه جاحظ العينين: "أنا اتقلّبت ع الدائري، بس الحمد لله جت سليمة". لم أفهم، اتقلّبت؟ يعني إيه اتقلّبت؟، حد قطع الطريق بطوب كبير، ويادوب وقفنا بالعربية قاموا طالعين علينا خمسة ستة كده ماسكين سكاكين وبتاع، هه؟!! سكاكين؟ .. و بتاع كمان؟، أيوه كمين يعني بس يا عم نزلت أنا وعبد الله السواق من العربية وقلّبونا، وانت ما قاومتش خالص؟ ولا حتى دردشت معاهم شوية؟".

 

وروى: "أقاوم مين وأدردش مين يا باشا؟ أنا دفست المحفظة والموبايل في العربية قبل ما أنزل وكان في جيبي بتاع 300 جنيه، قلتلهم خدوهم، بس العربية محتاجة بنزين وخايف تعطل في حتة مش ولا بد ويطلع علينا ولاد الحرام واللا حاجة، هنهزّر بقا، والله زي مابقولك كده، سابولي 50 جنيه وقالولي أسوق بسرعة".

 

وأردف: "صباح اليوم التالي، السبت 29 يناير، انطلقت مسرعًا بسيارتي في شوارع غير آمنة نحو ميدان آمن، كلما اقتربت منه زاد وقع ما أراه من جنود الجيش والآليات العسكرية، وهو مشهد كان يبعث على الراحة والفخر آنئذ أكثر من أي شيئ آخر، لكنّ الإحساس النادر بالراحة والفخر يضرب الآن في عنان السماء بمجرد أن تخطو قدماك إلى مشارف ميدان ممتلئ بوجوه مصرية من كل لون ومن كل نوع ومن كل سن ومن كل طبقة ومن كل حدب، بعضهم ينظم حركة الدخول، وبعضهم يعالج مصابين، وبعضهم يحمل المؤن، وبعضهم في حلقات نقاش، وبعضهم لا تزال به قوة على الهتاف، داخل الخيام وحولها، مجتمع بأكمله انبثق فجأة في قلب القاهرة".

 

وأوضح: "حان وقت تشكيل لجنة شعبية للحفاظ على أمن الشارع الذي وصلنا إليه الآن، وكانت نواتها قد بدأت فعلًا تتشكل، رغم ذلك الإحساس العميق بالخذلان وبالرهبة، كانت تلك واحدة من أبهى تفاصيل الأيام الأولى للثورة، الأهم من أنها جمعت الجيران في عمل تنظيمي أمام خطر مشترك أنها قربت المسافة إلى حد بعيد بين الطبقات، انتفت معها الحدود في كثير من الأحيان، الكل سواسية أمام مصير مشترك في لحظة جزع، مالك المنزل، المستأجر، البواب، عمال المطعم، الصيدلي، صاحب البازار".

 

وتابع: "كل هذا كوم و الكلاب التي نقول عنها ضالةً كوم، أدركنا فجأة أنها كانت تستطيع التمييز بين القريب والغريب، المترقب والمتطفل، اللطيف والبغيض، وفي إطار هذا تتطوع بتحمل المسؤولية، نجحنا معًا جميعًا، ولكن كيف يمكن أن أتوجه إلى العمل كل يوم بعد أن قررنا فتح البث في تغطية مباشرة متواصلة إلى أجل غير مسمى؟ الطريق طويلة، طويلة جدًّا في ظروف كهذه من المعادي إلى مدينة الإنتاج الإعلامي، خاصةً بعد تجربتي مع اللجان الشعبية في اليوم التالي، أجبرنا انسداد طريق الكورنيش بالدبابات لدى مقر المحكمة الدستورية على أن نعرج يمينًا كي نجد أنفسنا في أعماق منطقة دار السلام الشعبية".

 

وأضاف: "لجنة بعد لجنة بعد لجنة، أحيانًا لا تفصل إحداها عن الأخرى إلا أمتار قليلة، كان جانب من شعب مصر يستسيغ لأول مرة أن بين يديه الآن جانبًا من السلطة، وأنه يستطيع الآن أن يقرر أن يوقف أي سيارة، وأن يطلب أوراقها، وأن يفتشها، وأن يفكر قليلًا قبل أن يقرر ما إذا كان سيسمح لسائقها بالعبور، تمامًا كذلك السيناريو الذي خضع له شعب مصر من جانب شرطة غير محبوبة لسنوات طويلة، بداعٍ أو بغير داع".

 

وذكر: "في مشهد هزلي لا أنساه، انحنى أحد شبان الحي الشعبي لدى إحدى نقاط التفتيش متفرسًا في أوجه ركاب السيارة لدقائق وهو ينقّل حزمة الضوء المزعجة الصادرة عن كشاف ضوئي بين أرجائها، ثم تهلل فرحًا عندما اصطك الضوء بوجهي، "إيه ده؟ هو مش حضرتك برضو الأستاذ فلان؟، داحنا زارنا النبي، شاي في الخمسينة يابراهيم، شكرته معتذرًا لانشغالي بينما تجمع الآن كثيرون حول السيارة، استمر في مهمته وقد عادت إلى وجهه ملامح الجدية المصطنعة، "معلش يا أستاذ .. ممكن البطاقة؟" ناولته إياها، "آه .. صح .. حضرتك".

 

وأردف: "في هذا الوقت كنت لا أزال أحاول أن أفهم ما يفعله زميل له وضع حبلًا حول رقبة كلب مسكين يبدو نحيلًا حتى العظام زائغ العينين، وهو نفسه لا يفهم لماذا يسحبه هذا الإنسي عنوة ويمر به حول جسم السيارة و هو يقول: "شم .. شم"، أكاد أسمع الكلب وهو يرد: "ما أنا بشامم"، لكن أحدًا ما كان قد قرر له أنه صار من الآن، وحتى إشعار آخر، كلبًا بوليسيًّا، مثلما أن أحدًا كان قد قرر أن هذه الآن أرضنا وهذه شوارعنا التي لم يعترف بها أحد من قبل".

 

واختتم: "كانت القناة قد حجزت لي غرفة في أحد الفنادق القريبة من استوديوهاتنا، من اليوم نحن في معسكر مغلق حتى إشعار آخر".