- من الصعب التكهن بقدرة أوروبا على تحقيق استراتيجتها الجديدة 


- «الهجرة واللاجئون» عالجا أزمة «شيخوخة القارة العجوز» جزئيًا


- مقولة «العلم كان اختراعًا أوروبيًا» فيها كثير من الحق وكثير من التجاوز


- عجز معدلات نمو الاقتصاد عن مواكبة معدل نمو السكان فى جنوب البحر المتوسط وإفريقيا يمثل تهديدًا خطيرًا لرخاء أوروبا


- العبرة ليست بالاستراتيجيات والخطط المكتوبة وإنما بالتنفيذ ونتائجه وتأثيرها على تقدم الدول ومكانتها وأوضاع الناس فيها 


- تاريخ أوروبا زاخر بالاستراتيجيات العظيمة والمشروعات الطموحة لكنها كانت أكبر من إمكانياتها ومن قدرات قاداتها على تنفيذها

مرت أشهر معدودة على صدور الطبعة الأولى من ترجمة هذا الكتاب، شهدت أوروبا خلالها أحداثا مهمة جعلت الساسة والمراقبين يقارنون بين تطورات تاريخها ومجريات أمورها المعاصرة. 

ويمكن تلخيص ما آلت إليه الأوضاع فى أوروبا المعاصرة بإجراء مقارنة بين مقدمة تقرير الاتحاد الأوروبى عن «استراتيجية الأمن الأوروبى» الصادر فى عام 2003 ومقدمة تقريره الصادر فى عام 2016، ففى التقرير الأول تقول مقدمته: «لم تكن أوروبا أبدا أكثر رخاء أوأمنا أو حرية». 

وعلى النقيض من ذلك، يذكر التقرير الثانى، الصادر بعد ثلاثة عشر عاما من التقرير الأول، أن أوروبا «تعيش (أزمة وجود) سواء فى داخل الاتحاد الأوروبى أو خارجه، فاتحادنا مهدد، ومشروعنا الذى حقق سلاما غير مسبوق ورخاء وديمقراطية أمسى محل تساؤل بشأن مستقبله». 

ويسرد التقرير أسباب التراجع العنيف والاختلاف البين، فبعد الأزمة المالية العالمية، التى بدأت إرهاصاتها الأولى فى عام 2007، فقدت أوروبا عقدا كاملا من النمو والتنمية، كما تعرض شرقها لتهديد فعلى لنظامه الأمنى، وابتليت أوروبا بأحداث إرهابية وعنف فى عمق أرضها، وتهددها تداعيات قصور معدلات النمو الاقتصادى عن معدلات الزيادة السكانية فى دول جوارها فى إفريقيا والشرق الأوسط، وتعرضها التوترات الأمنية فى آسيا لتهديدات أخرى، هذا فضلا عن مخاطر أزمة تغيرات المناخ. 

وفى مواجهة ذلك كله تستند أوروبا فى استراتيجيتها الجديدة إلى ما تذكره عن قدرتها على الصمود والتقدم اعتمادا على «مبادئها والمنافع المتبادلة وأولوياتها الموثقة فى معاهداتها ومصادر قوتها وإنجازاتها التاريخية» ومستفيدة من «فرص استثنائية متمثلة فى النمو العالمى ويسر التنقل والتطور التكنولوجى». 

وتعتمد الاستراتيجية فى مواجهة التحديات العالمية على ما تطلق عليه «البرجماتية المرتكزة على المبادئ»، وهى تحديدا أربعة مبادئ أولها الاتحاد، فلا يجب أن يكون هناك خلاف بين المصالح القومية لكل دولة عضو والمصالح الأوروبية المشتركة؛ والمبدأ الثانى هو التواصل وعدم العزوف عن الإسهام فى المتغيرات العالمية، فالانسحاب سيؤدى إلى الحرمان من منافع عالم تتواصل أطرافه ويشهد تزايدا للعوائد الاقتصادية مع تشابك العلاقات بين الدول وتزايدها. 

يذكر أن طفرات التقدم التكنولوجى وتدفقات المهاجرين وواقب التراجع البيئى وشح الموارد وآثار الإرهاب والجرائم الدولية لا يعترف أى منها بأى حدود. 

والمبدأ الثالث هو تحمل المسئولية فى هذا العالم الذى يشهد تنافسا وصراعات عدة. وفى حين لا يوجد إكسير ما لعلاج الأزمات أو فرض حلول لها، فالاستراتيجية الأوروبية تعد بأن تعطى الأولوية لمحيطها الداخلى والأقاليم القريبة منه، مع تعاون أكثر فاعلية واستهدافا على المستوى العالمى لمواجهة جذور العنف والصراعات والفقر وقيادة مبادرات لحماية حقوق الانسان. والمبدأ الرابع هو المشاركة، فتحمل المسئولية وفقا لهذه الاستراتيجية يتطلب مشاركة فى تحمل الأعباء والتعاون مع دول ومنظمات إقليمية ودولية، فضلا عن مؤسسات المجتمع المدنى والقطاع الخاص من خلال سبل جديدة للمشاركة لبناء نظام دولى جديد يستند إلى قواعد ثابتة.

وتحدد الاستراتيجية الأوروبية الجديدة خمس أولويات لأهدافها، وهى أولا تحقيق الأمن، ويقصد به الأمن الداخلى للاتحاد الأوروبى والدفاع عنه، ومواجهة الارهاب، وأمن النطاق المعلوماتى والانترنت، وأمن الطاقة.

وتعد الأولوية الثانية هى مساندة القدرة على تحقيق المرونة والتطور للمجتمعات فى الدول المحيطة بأوروبا، شرقا حتى آسيا الوسطى وجنوبا حتى وسط إفريقيا، بمساندة الديمقراطية والمؤسسات، حيث تؤكد الاستراتيجية على استمرار سياسة التوسع فى عضوية الاتحاد لأى دولة أوروبية تحترم مبادئه، وتدعيم «سياسة الجوار الأوروبى» مع الدول غير الأوروبية وتبنى سياسة أكثر فاعلية للهجرة. 

وتتمثل الأولوية الثالثة فى اتباع منهج متكامل للتعامل مع الصراعات والأزمات وبناء السلام وتحقيق توافق بين أولويات وتمويل المساعدات الانسانية والتنموية والتركيز على مجالات الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعى وإتاحة فرص العمل. 

وتعنى الأولوية الرابعة بمساندة جهود التعاون الإقليمى فى مختلف بقاع العالم إذ ترى هذه الاستراتيجية أن التعاون الإقليمى هو السبيل الذى يرتجى فى ظل الضغوط العالمية وردود الفعل المحلية المجابهة لها ويشمل ذلك نظام الأمن الأوروبى، فيما يتجاوز النطاق الجغرافى للاتحاد، والسعى إلى سلام ورخاء أقاليم البحر الأبيض المن كتاب أوروبا تاريخ وجيز متوسط والشرق الأوسط وإفريقيا والتقارب مع دول شمال وجنوب الأطلنطى والتواصل مع آسيا. 

والأولوية الخامسة تتعامل مع النظام العالمى وأسس حوكمته، فبدون قواعد ومعايير مستقرة فإن المصالح الحيوية لأوروبا كالأمن والسلام والرخاء والديمقراطية تتعرض لمخاطر جمة. وهذا كله يتطلب تطويرا وليس مجرد الحفاظ على النظام القائم، مع الاستناد إلى القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة. 

ويشمل هذا التطوير إصلاح منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات المالية الدولية وتدعيم تمويل هذه المؤسسات والالتزام بتطبيق الاتفاقيات والتعهدات الدولية بشأن تغيرات المناخ وأهداف التنمية المستدامة.

فليدون فى أوراق الاستراتيجيات والرؤى المستقبلية ما يدون، فالعبرة دائما وأبدا بالتنفيذ وبنتائج تحدث أثرا فى تقدم الدول ومكاناتها وأوضاع الناس فيها. إذ يزخر تاريخ أوروبا، فى مختلف عصورها، باستراتيجيات ومشروعات عدة كانت أكثر طموحا من قدراتها وأشد صعوبة على إمكانيات قاداتها على تنفيذها. 

ويكفى إلقاء نظرة على استراتيجية 2003 السابق الإشارة إليها التى لم تفتقد الطموح أيضا كسالفتها الجديدة، ولكنها لم تحقق إلا قدرا قليلا مما صبت إليه، كما فاجأتها أنواء ورياح لم تكن لتشتهيها مؤسساتها التى كبلتها أنماط بيروقراطية ونظم بطيئة لاتخاذ القرار. ثم أتت الأزمة المالية العالمية فكان لأوروبا نصيب كبير من موبقاتها بما كسبته اقتصاداتها من انحراف للأسواق عن معايير الكفاءة والمنافسة والإفصاح، والتهاون فى نظم الرقابة الحصيفة، وانفلات المالية الحكومية وزيادة الديون العامة والخاصة وتراكمها. فضلا عن تراجع سابق على حدوث الأزمة واستمر بعدها بشأن بالإنتاجية وكفاءة سوق العمل. 

حقا تشهد بعض المؤشرات بأن أوروبا بدأت فى التعافى من آثار الأزمة المالية العالمية، فارتفع النمو الاقتصادى واستمرت البطالة فى الانخفاض ووفقت البنوك الإسبانية والإيطالية أوضاعها دون مزيد من الارتباك، وجعل إعلان الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى باقى دول الاتحاد السبعة والعشرين أكثر تماسكا وتمسكا باتحادهم وهو ما انعكس على نتائج الانتخابات الفرنسية والهولندية وفى موقف سياسى أكثر اتساقا فى التعامل مع توجهات الادارة الأمريكية الحالية، لكن أوروبا تواجه مشكلات كبرى لا تجعل هناك مجال لاحتفاء مبكر بمثل هذه المؤشرات. 

وعلى الرغم من زيادة فى معدلات النمو الاقتصادى، فإن متوسط دخل المواطن الأوروبى لم يزد بأكثر من 1% تقريبا منذ بداية الأزمة المالية أومن تسع سنوات مضت، فى حين أن متوسط الدخل للمواطن الأمريكى قد زاد بنحو 6% ناهيك عن زيادات أكبر بكثير فى دول شرق آسيا. وعلى الرغم من انخفاض البطالة فمعدلها ما زال مرتفعا بالمعايير الأوروبية حيث تتجاوز 9%، وهى أعلى بين فئات الشباب خاصة فى دول الجنوب الأوروبى. ولا تبدو الرؤية واضحة بعد فى التوجهات الاقتصادية للتحالف الألمانى ــ الفرنسى فى عام مهم للانتخابات العامة، وإذا ما سيكون هناك توجه توسعى للمالية العامة يخفض البطالة فى وقت يحاول البنك المركزى الأوروبى رفع معدل التضخم فوق معدل 2% دون جدوى. 

وتعانى أوروبا من مشكلتين هيكليتين؛ الأولى ترتبط بالتركيبة السكانية التى تنزع متوسطات الأعمار فيها إلى الكبر، وقد عالجت الهجرة إلى أوروبا، وكذلك نزوح اللاجئين إليها هذه المشكلة جزئيا، كما حققت فوائد اقتصادية نتيجة لزيادة الطلب واكساب سوق العمل بعض المرونة. لكن هناك تأثيرات اجتماعية وثقافية يبالغ البعض فى استغلالها سياسيا، خاصة مع تصاعد تاثير اليمين المتطرف. 

ولك أن تقرأ مثلا كتاب «دوجلاس موراى» تحت عنوان «الموت الغريب لأوروبا» والذى يعرب فيه عن هواجس من تداعيات تدفق المهاجرين، التى لخصها باستشهاده الدرامى بمعضلة «سفينة ثيسيوس» فى الفلسفة الإغريقية، والتى تناقش مسألة الهوية، إذ تضرب المعضلة مثلا بسفينة بُدلت بأجزائها القديمة أجزاء أخرى جديدة، فهل تظل هى نفسها السفينة القديمة؟ أم هى جديدة تماما لا علاقة لها بالأصل وإن أقيمت على هيكله القديم؟ ستظل عملية إحداث توازن بين المكاسب والتكاليف الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للهجرة أمرا شاغلا للسياسة الأوروبية الداخلية والخارجية. 

أما المشكلة الثانية فهى تتعلق بتراجع الإنتاجية وانخفاض كفاءة كثير من المشروعات وقطاعات الانتاج فى أوروبا، وهى تتفاقم مع مرور الوقت حيث ترتفع تكلفة الإنتاج والأجور، بدون زيادة مناسبة فى العائد والقيمة المضافة، خاصة بالمقارنة مع الصين والدول البازغة الأخرى فى قطاعات الانتاج والتجارة. ومع تحديات ما يطلق عليه الثورة الصناعية الرابعة المرتبطة بمنجزات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى، وإحلال آلات متطورة التقنية وأقل تكلفة وأكثر إنتاجية محل عمال أكفاء ومهنيين مهرة. 

لقد ذكر «جون هيرست» فى الفصل الأول من هذا الكتاب ما نصه: «وتستخدم اليوم كل دولة على الأرض اكتشافات العلم والتكنولوجيا التى تدفقت من الحضارة الأوروبية. فالعلم كان اختراعا أوروبيا»، هذه جملة فيها كثير من الحق والكثير أيضا من التجاوز. 

أما الحق فهو أن تقدم العلم فى أوروبا، خاصة بعد خروجها من ظلمة العصور الوسطى أمر غير منكر، واستخدام الناس لاكتشافات ومنتجات أوروبا أمر معروف ومشهود، أما التجاوز فهو أن يقال أن العلم كان اختراعا أوروبيا، ففى هذا انحراف عن التحليل العلمى الذى يعتمد على الدليل المادى والحجة المنطقية واللذين يشهدان بتفاعل أوروبا وتراكم المعرفة فيها، نقلا عن، وتعلما من، حضارات تليدة سبقتها وأخرى تزامنت معها».

على أية حال فإن الحضارات ذات السبق تشهد بأن العلم لا يورث فيها ولا يظل حبيسا بين أبنائها دون الناس، وأنه بغير الدأب المتواصل على التطوير والتجويد والتحديث تخسر الأمم فى مضمار التقدم، ولا يبقى لديها من علمها القديم وفضله وثمره إلا آثار الأقدمين تشهد بما كانوا عليه من حضارة وتمكنهم فى الأخذ بالأسباب. 

هذا ليس رهانا على حتمية فشل أو حتمية نجاح لأوروبا فى تحقيق مقاصدها، لكنه تأكيد على وعورة الطريق وحدة المنافسة التى يشهدها عالم اليوم. حقا كان لأوروبا إنجازها فى العلم وتطبيقاته بما زاد من تنافسيتها، ولكن منتجات العلم ومعارفه يشترك فى الإسهام فيها والإفادة منها أناس كثيرون ومؤسسات مختلفة من دول وبقاع شتى، وأصبح بعضها، فى شرق آسيا مثلا، أكثر سبقا ونموا من دول أوروبا فى عدة مجالات. 

وقد أنجزت دول غير أوروبية فى زمننا المعاصر فى عدة عقود ما استغرق أوروبا قرونا فى تحقيقه، ومنذ عهود سبقت الثورة الصناعية الأولى، أما اليوم فلا يمكن الجزم بمن ستكون له الريادة فى الاستفادة من الثورة الصناعية الجديدة، وإن كان التوتر الاجتماعى والسياسى المصاحب لنشأتها أكثر ظهورا فى الدول الأوروبية ودول متقدمة أخرى. 

ويجرى المراقبون اليوم مقارنات بين تطورات بدأت فى الظهور مع بدايات القرن الحالى وما جرى فى بدايات القرن العشرين، بعيد التوسع فى العولمة وتدفقات التجارة مع عجز المجتمع والسياسة فى أوروبا عن ملاحقة واستيعاب التغيرات الاقتصادية المتسارعة والمنتجات الصناعية الجديدة والرغبة العارمة فى إقتنائها. 

ففى عام 1900 شهدت باريس أكبر معرض للمنتجات الصناعية والاختراعات الحديثة للاحتفاء بإنجازات العصر حينها، أقيم المعرض على مساحة 530 فدانا بمشاركة 76000 عارض، زارهم على مدى ستة أشهر 48 مليون زائر، وهى أرقام هائلة، خاصة بمعيار زمانها، ويشير إلى هذا الحدث ذى الدلالة، المؤرخ «فيليب بلوم» فى كتاب سخى بالمعلومات والتحليل عن نشأة نظام عالمى جديد عن السنوات السابقة على الحرب العالمية الأولى. 

ويستعرض ما بلورته السنوات الخمس عشرة فى بداية القرن الماضى، عن المكاسب والخسائر من الثورة الصناعية والانتاج الكثيف للسلع والانتقال من الريف إلى الحضر، وآثار تغير الأنماط الاجتماعية والخصائص الثقافية وتبدل أوضاع حائزى الثروة ومراكز القوى فى أوروبا بشكل متسارع مهد لأجواء الحرب الكبرى.

استمرت تداعيات التغيرات الاقتصادية والاجتماعية لما بعد الحرب العالمية الأولى وترتب على ذلك ظهور التوجهات والممارسات شديدة التطرف سواء المنتمية إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار السياسيين، وعلى الرغم من اختلاف هذه التوجهات فانها اتفقت على الزعم بأن العولمة ما هى إلا مؤامرة على الدولة القومية. 

ويسرد «تيموثى سنيدر»، أستاذ التاريخ بجامعة «ييل» الأمريكية، فى كتابه الأخير عن دروس من القرن العشرين، كيف أن التاريخ الأوروبى يظهر إمكانية «انقسام المجتمعات وانهيار الديمقراطيات وسقوط القيم، ليصبح عموم الناس يوما فيجدون أنفسهم واقفين أمام حفر الموت والبنادق بأيديهم». 

وترى الكاتب يستعين بمقولة «شكسبير» الشهيرة على لسان «هاملت»، مصدوما بعدما أخبره شبح والده أن عمه هو الذى قتله، «إننا فى زمن مضطرب معوج، ويا له من قضاء جائر أن أكون ولدت لكى أقوم إعوجاجه»، إذ يحذر «سنيدر» من التوهم بأن الديمقراطيات المعاصرة تحمى مواطنيها تلقائيا من هذه التهديدات، بل يجب إمعان النظر فى جذور الاستبداد والعمل جماعيا على حماية مؤسسات الدولة حتى لا تسقط سريعا واحدة تلو الأخرى، مثلما حدث من قبل، وكان يظن بها قدرة فذة على الصمود والثبات.

من الصعب التكهن بقدرة أوروبا على تحقيق استراتيجيتها الجديدة دون حسم، وليس مجرد تحقيق تحسن نسبى، لتداعيات أزمتها الاقتصادية الأخيرة فيما يتعلق بحجم الديون العامة وبأوضاع قطاعها المالى وبالاستثمارات المطلوبة فى البنيتين البشرية والمادية وبتطوير نظم الضمان الاجتماعى. وعليها أيضا تحقيق زيادة فى معدلات النمو والانتاجية ترفع من فرص تشغيل العاطلين وتحسن مستويات المعيشة. وفى هذه الأثناء جدير بها أن تحقق إصلاحات سياسية وتقاربا بين أطراف العملية السياسية يقلص من دور التوجهات اليمينية الشعبوية المتطرفة. 

هذه ليست تحديات تعالج بإجراءات محصورة فى مضمارى الاقتصاد والسياسة، بل ببرنامج شامل يتضمن مجالات التعليم والثقافة والإعلام تستدعى فيه دروس التاريخ وعبره، ليس كقصص للتسلية بل وقائع للتذكرة والإرشاد والتحذير والاعتبار بما يمكن أن يصير عليه مستقبل لا يُستفاد من التاريخ فى رسم مساراته. 

لقد حذر الفيلسوف الألمانى «هيجل» من «أننا نعلم من التاريخ أننا لا نتعلم منه»، فعلى الرغم من أن المقصد الأول للتاريخ هو إظهار الحقيقة، فإن فائدته العملية فى الحياة لا تقل أهمية، وهى تتجلى فى مقولة لرجل الدولة الألمانى العتيد «أوتوفون بسمارك» مفادها «أن الحمقى يقولون إنهم يتعلمون بخوضهم التجارب بأنفسهم، لكنى أفضل الاستفادة من تجارب الآخرين»، وقديما قال العرب «العاقل من اتعظ بغيره».