اعتبر الكاتب والسيناريست بلال فضل، أن 28 يناير 2011، الشهير بـ"جمعة الغضب" هو أهم يوم في تاريخ الثورة.


وكتب فضل مقال بعنوان "فضفضة بمناسبة يوم 28 يناير المفترج" عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، أوضح فيه رأيه عن التبعات السياسية لهذا اليوم من وجهة نظره.


كل من تشرف بالمشاركة في ثورة يناير، يعلم أن يوم الثامن والعشرين من يناير الشهير بجمعة الغضب هو يوم الثورة الحقيقي والأهم والأكبر، وهيفضل كذلك برغم كل المجهودات اللي بذلت ولا تزال لتشويه صورته بالغلوشة بالأكاذيب ودعايات المؤامرة الأجنبية والإختراقات الخارجية، والتي لو افترضنا صحتها لأوجبت محاكمة كل قادة الأجهزة الأمنية والمخابراتية التي تأخذ الملايين كل عام من قوت الشعب، وطبعا على رأسهم عبد الفتاح السيسي رئيس المخابرات الحربية، والذي لم يجرؤ على أن يوجه تلك الاتهامات علنا، بل ظل يكتفي بتوجيهها من خلف ستار أذرعه الإعلامية والسياسية والحيزبونية.


كما سبق أن كتبت في 2011 لكل منا ثورته، وبالنسبة لي ولكثير ممن أعرف يوم الثورة الحقيقي هو يوم الثامن والعشرين من يناير، ولذلك كنت أعتبر أن الجدل حول كون يوم 25 يناير عيد الشرطة ولاّ عيد الثورة، هو جدل لا يمكن أن يخوضه من شارك في الثورة بجد، فضلا عن إن مسألة الأعياد القومية والاحتفاليات الوطنية أشياء تجاوزها الواقع وحولها إلى مناسبات للتفخيد والصحيان متأخر، وأعتقد أنه بفضل شاب ثوري موهوب حديث التخرج من الجامعة إسمه شادي أبو زيد، تم حسم الجدل ده أصلا لدى الكثيرين، لأنه وحتى يكون في مصر جهاز شرطة مهني كفء محترم يعمل في خدمة الشعب وليس في خدمة النظام الحاكم، ولا يمتلك أفراده وضباطه حصانة تعفيهم من المحاسبة وتمنحهم حرية القتل والتعذيب بلا حساب، هيفضل يوم 25 يناير إسمه (عيد الكوندوم).


الكلام ده طبعا مع خالص التقدير لكل تضحيات شهداء الشرطة اللي سقطوا ضحية عمليات إرهابية، وأعتقد آن الأوان لإن الناس الغاضبين على سمعة جهاز الشرطة وهيبته، يغضبوا بشكل حقيقي على دماء رجال الشرطة، ويطالبوا بمحاكمة المسئولين الفشلة اللي بيتسببوا بانعدام كفاءتهم في القتل المنتظم لرجال الشرطة والجيش، دون وجود أي أثر ملموس لتحجيم الإرهاب، ودون أن نرى أي فعالية لجهاز الشرطة وكل الأجهزة الأمنية والسيادية اللي لا زالت بتاخد الملايين كل سنة من ميزانية الدولة، سوى في القبض على طبيب وقف لدقائق في وقفة احتجاجية زي الدكتور أحمد سعيد أو صحفي بيأدي عمله في نشر الحقيقة زي اسماعيل الإسكندراني أو باحث بيدير عمل مهني محترم زي هشام جعفر أو حقوقية بتدافع عن المظلومين زي ماهينور المصري أو مهندس محترم زي أحمد ماهر أو ناس بتعمل عمل خيري زي آية حجازي وزوجها أو آلاف الطلبة اللي محتجزين في السجون والمعتقلات أو قائمة مديدة متواصلة توجع القلب من خيرة الناس في مصر من كل المهن والطبقات وعلى رأسها الطبقات الشعبية اللي ماعندهاش رفاهية إيصال صوتها للناس، ومن كل التيارات وعلى رأسها طبعا المنتمين إلى تيارات الشعارات الإسلامية، اللي الناس بقت بتعتبر حبسهم والتنكيل بحريتهم وتصفيتهم واعتقالهم خارج إطار القانون شيء طبيعي لا يستحق التوقف عنده من أناس كثيرين، بعضهم منتمي للثورة، على أساس إن دول في خصومة مع الدولة ومع قطاعات كبيرة مع الشعب، مع إن الكلام ده بينطبق برضه على اللي بيعارض دلوقتي من الثوار، وبالتالي من باب أولى إن الكل يؤكد إن خصومتك مع الدولة أو حتى مع شعب مصر فردا فردا، لا يعني إسقاط حقوقك الإنسانية والدستورية.


على أية حال، في يوم 28 يناير من خمس سنين صرخ ضابط شرطة أو أمين في جهاز اللاسلكي بحقيقة كان رؤساءه بيتهربوا من مواجهتها، وهي إن "الشعب ركب"، ومن ساعتها والحقيقة دي بتتحارب بمليون وسيلة: أكاذيب، إشاعات، حملات تشويه، قتل بالرصاص الحي، محاولة إخفاء آثار النصر، ومحاولة إخفاء آثار جرائم القتل، أحكام قضائية حقيرة، وساخات على كل لون، لكن يوم 28 يناير هيفضل أقوى من كل محاولات محوه وتشويهه، حتى لو كفر بيه بعض اللي شاركوا فيه، حتى لو الشعب نفسه قرر يركّب عليه ولو إلى حين سلطة غشيمة تاني، عشان تشكم أي حد يعمل قلق في البلد، دي كلها هتفضل حلول مؤقتة، مش هتحل أزمة مصر اللي ساهم الاستبداد في صنعها عبر عقود من الزمن، واللي ثبت في يوم 28 وفي ساعات قليلة، إن كل المليارات اللي اتصرفت على الأمن والاستقرار والشكم والربط والضبط، ما نفعتش الحاكم ببصلة ساعة الجد، ووصلته برغم كل الضغوط الخارجية والداخلية إلى اللعب في مناخيره في القفص، وحولته هو وإبنه الحالم بالتوريث إلى حرامية بحكم محكمة، وده انتصار تاريخي، الناس بتنساه بس ساعات تحت وطأة القمع، لكن أي حد عاش فترة مبارك التعيسة، وشاف الموات اللي ظل مخيم على البلاد وقتها، وإزاي الناس كلها كانت بتقول إن عيلة مبارك مكملة كمان تلاتين سنة، يعرف إن يأس الناس دلوقتي مرتبط بوطأة الواقع الكابوسي، لكن لا يمكن يكون قدر نهائي، لإن كل يوم بيثبت إن دولة اللواءات فشلت في تقديم أي خطاب جديد يخلي خطاب الثورة شيئ تجاوزه الزمن، ويدي الناس أمل بجد في بكره.


للأسف الدرس اللي خرج بيه عبد الفتاح السيسي كممثل لطبقة اللواءات الحاكمة من تجربة يوم 28 يناير، هو إنه يعلي تكلفة الدم، ويغلي ميزانية القمع، عشان يفلت من شبح يوم 28 يناير جديد، لكن زي ما الناس صقفت لمذبحة رابعة وكانت فاكرة إنها هتجيب لها الاستقرار، ولعنوا سنسفيل "الطابور الخامس" اللي زي حالاتي، اللي قالوا لهم وقتها إن ده لا هيجيب استقرار ولا تقدم ولا أمن، مسيرهم بيتعلموا من تجارب الواقع المؤلم، لغاية ما يدركوا إن اللي أوله ظلم وقمع واستبداد، آخره حتما ولزما يوم 28 يناير تاني لا يعلم موعده ولا شكله ولا تكلفته إلا الله.

ويا من مشيت في شوارعها يوم 28 يناير، أيا كان اللي حصل واللي هيحصل، ملي عينيك بمنظر الدخان اللي طالع من مبنى الحزب الوطني المحروق رمز وساخة عهد مبارك، وافتكر إنك مهما غلطت ومهما انكسرت، ومهما كنت بتعافر ولا زهقت، هيفضل ليك الشرف إنك شاركت في صنع يوم مشهود من أيام مصر، وبينا أو من غيرنا، بجيلنا أو بالأجيال اللي بعدينا، في رموز كتير للظلم هتتحرق، وفي حكام هتتحاكم، وفي إحباطات وقلق ويأس وقرف وفوضى ومهازل وأكاذيب، لغاية ما أهل البلد يؤمنوا إن التغيير على وساخة مش هيجيب إلا المزيد من الفشل والدم والتسلخات.






وكان يوم 28 يناير2011 يومًا فاصلاً في أحداث الثورة، حيث بدأ بانقطاع خدمة الإنترنت لمنع المتظاهرين من التواصل والتنسيق فيما بينهم، وبالرغم من ذلك خرج مئات الآلاف في مظاهرات بأنحاء البلاد وتحول الأمر لمصادمات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين استخدم فيها الأمن الغازات المُسيلة للدموع والرصاص المطاطي، كما تم فرض حظر التجوال في نهاية اليوم.