مُنذ نجاح انتفاضة 25 يناير 2011 في إسقاط الرئيس المصري حسني مبارك، فإن الخريطة السياسية في مصر تتغير وتتحول بشكل دراماتيكي؛ حيث شهدت مواقف أبرز القوى السياسية تبدلات وتحولات في مناسبات مختلفة بشكل مُثير، في الوقت الذي شهدت خلاله مكونات النظام تحولات جديرة بالرصد أيضًا.

وفي هذا التقرير نعرض بالسرد والتحليل أبرز التغيرات التي طرأت على كلٍّ من القوى الثورية ونظام مبارك خلال 5 سنوات مُنذ اندلاع الثورة:

(1) ما بعد ثورة 25 يناير

في 11 فبراير 2011، أعلن عمر سليمان تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن منصب رئيس الجمهورية وتفويض المجلس الأعلى للقوات المُسلحة بإدارة شئون البلاد، وبدأت قوى يناير التي كانت مُتحدة آنذاك بالاحتفال مُرددين هتافات “الشعب خلاص أسقط النظام!”، وبدأوا عقب ذلك في مغادرة الميادين وبدأت الخلافات الأيدولوجية تظهر على السطح.

فبعد أسابيع قليلة من تنحي مُبارك انقسمت القوى الثورية بشكل كبير حول تحديد خارطة الطريق، فالقوى الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المُسلمين دعت للتصويت بنعم على الاستفتاء لإجراء الانتخابات البرلمانية أولًا، ومن خلال البرلمان يتم اختيار لجنة وضع الدستور، بينما دعت القوى الليبرالية والعلمانية على رأسها حركة 6 أبريل للتصويت بلا حتى يتم وضع الدستور قبل الانتخابات، وفي النهاية اختار الشعب خيار “نعم” بنسبة تزيد عن 78%.

في هذه الأثناء كان الجيش يحظى بثقة كبيرة بسبب “انحيازه للشعب ضد مبارك وعدم استخدام القوة في قمع احتجاجات يناير”، أما عن “الشرطة فقد شهدت “انكسارًا” بدأ مُنذ 28 يناير بعد انسحابها أمام المُحتجين، وبدا بشكل ملحوظ في حالة “الانفلات الأمني” فيما رآه محللون آنذاك بأن ذلك تصديق لمقولة مبارك “أنا أو الفوضى”.

أما عن رجال الأعمال ومنهم من ارتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بنظام مبارك فقد اتجهوا لإعادة سيطرتهم ونفوذهم وتأثيرهم في القرار السياسي عبر امتلاك منصات إعلامية جديدة تحدثت باسم الثورة، وازداد نفوذها وتأثيرها بمرور الوقت، بالرغم من أن كثيرًا من الإعلاميين الذين ظهروا على القنوات الخاصة كانوا قبل ذلك ضمن صفوف القنوات الحكومية الموالية للنظام.

بمرور الوقت زادت شكوك القوى الثورية في مدى مصداقية المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين، وأصدر علي السلمي ما يُسمى بوثيقة المبادئ الدستورية التي تعطي مميزات للمجلس العسكري، ورأى كثيرون أنها تُمثل نوعًا من الوصاية العسكرية على الدستور قبل البدء في وضعه، الأمر برمته أعاد توحيد القوى الثورية في جمعة “تسليم السلطة” في 18 نوفمبر 2011، تلك الجمعة التي استهدفت إسقاط وثيقة السلمي ومطالبة المجلس العسكري بوضع تاريخ مُحدد لتسليم السلطة، ولكن يوم 18 نوفمبر الذي كان سببًا في توحد القوى الثورية في بدايته قد انتهى بأحداث أعادت تأجيج الخلافات من جديد.

فبعد مغادرة الكثير من المتظاهرين مع نهاية ساعات النهار، أقدمت قوات الأمن على فض اعتصام لمصابي “الثورة” بالقوة، مما دفع بالقوى الليبرالية والعلمانية إلى النزول مرة أخرى إلى التحرير مُرددين هتافات مُعادية لـ”المجلس العسكري” فيما عُرف بـ”أحداث محمد محمود”، في الوقت الذي رفضت جماعة الإخوان المسلمين رسميًّا النزول، حيث رأت الجماعة آنذاك أن ما يحدث يهدف إلى تعطيل الانتخابات البرلمانية التي كانت على الأبواب، وتأجج الخلاف بين القوى العلمانية، والإخوان المُسلمين وزادت نبرة التخوين باعتبار أن هناك “صفقة” يعقدها الإخوان مع المجلس العسكري، ومثلت تلك الأحداث بداية الانشقاق بين الإسلاميين والعلمانيين ميدانيًّا بعدما اختلفوا انتخابيًّا في استفتاء مارس. وهو خلاف استمر في أحداث سياسية أخرى من أبرزها أحداث مجلس الوزراء التي جاءت احتجاجًا على تعيين كمال الجنزوري رئيسًا للوزراء، باعتباره أحد رموز مبارك، وواجهته قوات الأمن من “الجيش” والشرطة بعنف، ولم يشارك فيه الإخوان بعدما حازوا على الأكثرية البرلمانية بنسبة 48%.

بعد جمعة تسليم السلطة وأحداث محمد محمود أعلن المجلس العسكري تسليم السلطة خلال 6 أشهر بعد إجراء الانتخابات الرئاسية التي بدأت الجولة الأولى منها في نهاية مايو على أن تتم جولة الإعادة في يومي 16 و17 يونيو، تلك الجولة التي وصل إليها كلٌّ من الدكتور محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، والفريق أحمد شفيق أحد رموز نظام مبارك، وأعلنت معظم القوى العلمانية والثورية دعمها لمرسي في جولة الإعادة من خلال مؤتمر فيرمونت الذي تعهد فيه مرسي بتنفيذ عدة مطالب للقوى التي دعمته.

وفي هذا الوقت قبل جولة الإعادة أصدر المجلس العسكري قرارًا بحل البرلمان استنادًا إلى حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان قانون الثلث المخصص للمقاعد الفردية، بالرغم من أن أعضاءً من المحكمة كانوا قد وافقوا عليه قبل إجراء الانتخابات، وأعلن المجلس العسكري إعلانًا دستوريًّا مكملًا يُعطي من خلاله نفسه صلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة تُقيد من صلاحيات الرئيس القادم، مما دفع القوى الثورية للنزول مرة أخرى إلى ميدان التحرير مُتحدين على مطلب إلغاء “الإعلان الدستوري المُكبل لسلطات الرئيس القادم” على حد وصفهم آنذاك، بعدما توحد معظمهم انتخابيًّا لدعم مرسي “حتى لا ينجح شفيق”.

(2) فترة حكم مرسي

GERMANY-EGYPT-POLITICS-UNREST-DIPLOMACY-MORSIبعدما فاز مرسي بمنصب رئيس الجمهورية، رد على قرارات المجلس العسكري بقرار جمهوري في 8 يوليو 2012 بإلغاء قرار المشير محمد حسين طنطاوي بحل مجلس الشعب، ودعا المجلس للانعقاد في 15 يوليو على أن يتم إجراء انتخابات برلمانية مبكرة بعد إقرار الدستور الجديد بـ60 يومًا.

وفي 12 أغسطس أصدر مرسي عددًا من القرارات ألغى من خلالها الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره طنطاوي، مُحيلًا الأخير إلى التقاعد مع إعفائه من منصبه كوزير للدفاع، وتعيين اللواء عبد الفتاح السيسي -الذي كان رئيسًا للمخابرات الحربية في عهد مبارك- مكانه بعد ترقيته إلى رتبة فريق.

لاقت القرارات الأخيرة بعض الترحيب من القوى العلمانية، ولكن اشتمال القرارات على تكريم كل من طنطاوي والفريق سامي عنان بمنحهم قلادة النيل وتعيينهم مستشارين للرئيس ،أثارت تحفظ تلك القوى التي أكدت على ضرورة محاكمتهما على الأحداث الدموية التي شهدها فترة حكم المجلس العسكري، كأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو وأحداث بورسعيد، وأسفرت تلك الأحداث مجتمعة عن مئات القتلى.

وفي 2 سبتمبر أصدر مرسي قرارًا جمهوريًّا بإقالة محمد فريد التهامي من رئاسة هيئة الرقابة الإدارية، وتعيين أحد أبناء الهيئة وهو “محمد عمر وهبي هيبة” رئيسًا لهيئة الرقابة الإدارية، ذلك لأن التهامي – الذي كان رئيسًا للمخابرات الحربية في عهد مبارك- تواطأ مع رموز دولة مبارك الفاسدين ولم يقدم معظم تقارير فسادهم للنيابة بحسب ضابط الرقابة الإدارية مُعتصم فتحي، صاحب بلاغ قضية قصور الرئاسة الذي أُدين فيها مبارك.

الخلاف بين الإخوان ومرسي من ناحية، وبين القوى العلمانية من ناحية أخرى لم يكن قد تعمق خلال تلك الفترة، وبالأخص أن مرسي أعطى قدرًا كبيرًا من حرية التعبير خلال فترة حكمه، ولكن الخلاف أخذ منحى مختلفًا وشديدًا عندما أقدم مرسي على إصدار إعلانًا دستوريًّا في 21 نوفمبر 2012، حصن فيه قراراته الرئاسية، ومنع حل مجلس الشورى واللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وقرر إعادة محاكمة مبارك ورموزه، وإقالة النائب العام عبد المجيد محمود، وتعيين طلعت عبد الله نائبًا بدلًا منه، جاء ذلك عقب عدة اجتماعات مع شخصيات عامة ومرشحين سابقين للرئاسة، ولكن يبدو أن مرسي لم يستشرهم في تلك القرارات.

ووصفت القوى الليبرالية والعلمانية إعلان مرسي بـ”الديكتاتوري” وكونوا بعد يوم واحد من إصداره جبهة تسمى جبهة “الإنقاذ الوطني”، التي لم تخل من شخصيات محسوبة على نظام مبارك، وفي المقابل احتشدت القوى الإسلامية دعمًا لتلك القرارات في ميدان النهضة في مستهل ديسمبر، فيما سُمي بجمعة “الشريعة والشرعية” التي شهدت حضورًا كثيفًا، وبدأ مسلسل الحشد والحشد المضاد إذ أقدم معارضو مرسي على التظاهر أمام قصر الاتحادية والاعتصام أمامه، وهو ما حسبته جماعة الإخوان محاولة لـ”الانقلاب” على مرسي، وبدأت في حشد أعضائها للتوجه أمام قصر الاتحادية في 4 ديسمبر 2012، وفضت خيم بعض المعتصمين هناك نهارًا ليعود المعارضون ليلًا بأعداد أكبر، وتبدأ الاشتباكات التي راح ضحيتها 10 أشخاص بينهم الصحفي المعارض الحسيني أبو ضيف، و8 من جماعة الإخوان، وشخص آخر تزامن وجوده في الأحداث يُدعى محمد محمد السنوسي.

وقد استقال عدد من مستشاري مرسي من مؤسسة الرئاسة عقب تلك الأحداث الدموية، وفي 9 ديسمبر 2012 عدل مرسي بعض مواد الإعلان الدستوري بعد اجتماع عقدته الرئاسة مع قوى السياسية غاب عنه أبرز معارضي مرسي.

وفي منتصف ديسمبر 2012، عرض مشروع الدستور للاستفتاء الشعبي عقب انسحاب معظم القوى العلمانية من جلسة التصويت النهائية للجنة وضع الدستور؛ اعتراضًا على عدد من مواد الدستور ودعوا للتصويت بـ”لا”، ولكن تم إقرار الدستور بعد موافقة بلغت نسبتها 63.8%.

وبعد تلك الأحداث المتلاحقة انسدت سبل الحوار بين الرئاسة والقوى المعارضة على رأسها جبهة الإنقاذ الوطني، بالرغم من تكرار محاولات الرئاسة لدعوتهم للحوار.

في هذه الفترة يبدو أن مرسي لم يكن على هوى كبار رجال الأعمال في مصر؛ إذ شنت وسائل الإعلام المملوكة لهم حملات انتقاد واسعة لحكم مرسي ساعدت بشكل كبير في حشد الجماهير ضده في 30 يونيو 2013، أما عن جهاز الشرطة بدا أنهم لم يكونوا بالحماس الكافي من أجل “العمل” بكفاءة أثناء فترة حكم مرسي، بالرغم من أن الأخير زود من قوة وعتاد الجهاز. وأصبحت مشاهد قطع الطرق وحرق المقرات الحزبية واقتحام مؤسسات الدولة مُعتادة في غياب ملحوظ لدور الشرطة، الأمر الذي امتد لانسحاب قوات الشرطة من أمام قصر الاتحادية إبان الأحداث الشهيرة.

بدا في هذه الفترة أن مرسي كان يثق في دعم القوات المسلحة لشرعيته أكثر مما ينبغي، حتى جاء بيان القوات المسلحة في 3 يوليو 2013 الذي عُزل فيه مرسي. وقد أظهرت التسريبات التي أفصح عنها فيما بعد مدى ارتباط الجيش بحملة “تمرد” التي دعت لإسقاط حكم مرسي من خلال التظاهر في 30 يونيو.

(3) ما بعد 3 يوليو 2013

عقب بيان 3يوليو 2013، تولى محمد فريد التهامي رئاسة جهاز المخابرات العامة قبل أن يُقال لأسباب صحية في ديسمبر 2014. منذ بيان 3 يوليو شنت الأجهزة الأمنية في مصر حملة قمعية شديدة ضد معارضي النظام، وحاز كلٌّ من الجيش والشرطة على امتيازات كبيرة، وزيادة في المرتبات، وزيادة في القوة والعتاد، واستخدموا قوتهم في قمع المعارضين دون محاسبة قانونية. كما سارعت وسائل الإعلام المملوكة لرجال الأعمال في دعم حملات الأجهزة الأمنية، وبرأت المحاكم المصرية مبارك ورموز نظامه في أغلبية القضايا الموجهة إليه قبل إدانة مبارك في قضية قصور الرئاسة، وفي المقابل تشكلت جماعات انتهجت العنف سبيلًا لمواجهة قوات الأمن، وزاد نشاط جماعة أنصار بيت المقدس التي أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة في نوفمبر 2014 في سيناء وخارجها، وأدى عدد من تلك العمليات إلى مقتل العشرات من أفراد الأمن من الشرطة والجيش.

تحول المشهد إلى ما هو أشبه بمعادلة صفرية بين السيسي ونظامه، وبين جماعة الإخوان المسلمين وبالأخص بعد فض الاعتصامات المؤيدة لمرسي في رابعة والنهضة، والأحداث الدموية التي تلته والتي أسفرت عن وقوع آلاف القتلى.

أيدت أغلب القوى العلمانية احتجاجات 30 يونيو وبيان 3 يوليو، كما احتل عدد من قيادات جبهة الإنقاذ مناصب تنفيذية واستشارية في النظام الجديد، ولكن بمرور الوقت بدأ تحالف 30 يونيو في التفكك، وبدأت قوى يناير الداعمة للنظام في التخلي عنه بشكل كبير.

بدا النظام موحدًا في مواجهة معارضيه بأجهزته المختلفة، من شرطة وجيش وإعلام ومع حتى رجال الأعمال. إلا أن بعض الحوادث التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة قد عكست وجود تباينات داخل النظام نفسه. منها واقعة القبض على صلاح دياب مالك جريدة المصري اليوم ونجله، وتصويره ونشر الصور في الصحافة، وقد ربط البعض بين تلك الواقعة وسياسة جريدة المصري اليوم التي تهاجم بعض أجهزة الدولة، وأفردت تحقيقًا عن انتهاكاتهم عُرف باسم “ثقوب البدلة الميري”، ولكن بعد ذلك خرج دياب ولم تخرج بعدها الصحيفة عن النص.

أما عن المعارضة فقد استمرت الاحتجاجات الميدانية المعارضة التي يدعو لها الإخوان منذ بيان 3 يوليو 2013 إلى الآن مع تفاوت في أعداد المحتجين الذي تقلص تدريجيًّا بفعل القبضة الأمنية.

وبالنسبة لمعظم القوى المرتبطة بالثورة وعلى رأسها حركة شباب 6 أبريل فقد تحول مواقفها تدريجيًّا إلى المعارضة الكاملة للنظام، وبالأخص بعدما طالت حملة قمع النظام معارضيه باختلاف تياراتهم، واعتقلت قوات الأمن مؤسس الحركة وعدد من قياداتها بالإضافة إلى اعتقال عدد من الوجوه الشبابية المرتبطة بثورة 25 يناير. ورغم ذلك فإن الحركة قد فضلت عدم الدعوة للتظاهر في الذكرى الخامسة للثورة مكتفية بالاتشاح بـ”السواد” تعبيرًا عن “رفض الحالة التي وصلت لها البلاد”.

بينما تتفق قوى يناير الآن على معارضتها للنظام الحالي، تظل الاختلافات فيما بينها على حقائق السنوات الخمسة ومستقبل ما بعد نظام 3 يوليو عوائق قوية أمام تكرار مشهد يناير من جديد في الذكرى الخامسة للثورة المصرية.