أقر أنا المذكور أعلاه، ثائر أو هكذا أدعي دون دليل يذكر، وأنا في أكثر لحظاتي الثورية ثمالة، أبكي صور إخواني، أصدقاء الجامعة، رفاق الرحلة.”موتَى”، ابتلعتهم القبور أو شطبتهم الحياة عنوة من سجل إنجازاتهم، بأن القادم لا يعبر عن الثورة، ولا عن شعب مصر.

بل هو ارتجاع في المريء الثوري، لعلها أعراض حموضة ثورية على أعتاب 25 يناير ! قد تؤذيك رائحتها، لكنها تحمل بقايا ثورة عضوية كذلك.

في محاولة يائسة للقبض على بقايا الرذاذ الثوري من شرفة نافذتي على بعد أميال من أرض الوطن، تحمل لي نسمات الهواء لفحات جذوة ثورة غطاها الرماد.

أحدثكم وإياي عن سيكولوجية شعب ما زال يمكث هناك، وأبواق حمقى ظنوا لأنهم سرقوا أضواء الكاميرات أنهم – وفقط – “شعب مصر”، فلنبدأ.

موضوعنا الشائك اليوم هو عن سيكولوجية شعب ما، هذا الشعب يا سيدي لا يفيق إلا على كارثة، ثم بعدها يميل إلى التغيير!
ودولة تحت أنقاض الكارثة لن تستطيع إلا تغيير ملابسها، أو ربما يميل إلى مزيد من الكذب وإلقاء الاتهامات حتى ينسى أو يصدق أنه كان ضحية.

نحن شعب يبدع في تقمص دور الضحية، الفرعون لن تكتمل أدوات فرعنته بالتأكيد إلا إذا كان هناك بنو إسرائيل وشعب خانع لينكل بهم، ها نحن ذا إذًا، أوسكار أحسن ضحية.

كان الاحتلال يومًا ما شيطاننا الذي نصنع وقد كان شيطانًا بالفعل غير أنه كان طريقنا إلى الشهوات المبررة تحت وطأة وسوسته وضعف نفوسنا، فغنى الشعب على لسان صوته سيد درويش “ملكش حق تلوم عليا! وتلوم عليا إزاي يا سيدنا؟! وخير بلدنا مش في إيدنا”!

ثم ماذا بعدما ذهب الاحتلال بوجهه البغيض، هل أصبح “خير بلدنا في إيدنا” يا عم سيد؟!

كان طغمة الفاسدين يحفون بثورة يوليو المجيدة، هكذا لا تتعارض نظرية الفرعون مع نظرية الضحية، هكذا تصبح ثورة يوليو هي الأخرى الفرعون المهذب يحدق به طغمة بني إسرائيل الأوغاد ونبيهم.

ولم يخطر ببال أحدهم بالطبع أن تكون ثورة يوليو هي نفسها من طالها الفساد حتى غرقت فيه، يصيح محمد نجيب بالتغيير فينكل به، يأتي السادات ليغني لعبد الناصر “يا ولدي هذا عمك جمال” ثم بعدما يتقلد الحكم يلقي بناصر ومشروعه من النافذة!

تأتي نكسة يونيو لتكشف عورة يوليو! لكن ماذا عن دور الضحية؟ ما زلنا ضحايا يا هذا !

إذا فإسرائيل باغتتنا! الجيش لم يقاتل، القادة تمت خديعتهم، أو على الأرجح عبد الحكيم عامر السبب، هذه أكثر النكات سماجة، كأن تحتفظ بعملة ذات وجهين معتقدًا أن أحد وجهيها يحمل لك النحس والآخر يجلب لك الحظ، فإذا أصابك سيء فحتمًا لأنها في جيبك، وأما إن حالفك الحظ فأيضًا لأنها كذلك، وكان وجها عملة يوليو، ناصر وعامر، ولكن ماذا عن نظرية الفرعون؟! هل نسيتها؟!

لا بد أن يشعر الشعب أنه الضحية دون أن يخل ببرستيج الفرعون، معادلة صنعها المصريون !

إذًا فعامر السبب، وناصر يُحمل على الأعناق!

التاريخ يعيد نفسه، لكني أخاله شخصًا يمل مشاهدة حلقاته عن المصريين، لا إبداع يذكر، وليس ثمة ارتجال في النص، ثورة قامت على مبارك وفساده، كادت أن تخل بتعويذة الفرعون والضحية، لكن نفسية الشعب كانت لها بالمرصاد.

نظريات التخوين، لم تجد! يا إلهي أثورة حقيقية ونحن شعب يُحكَم!

ماذا إذًا، السيناريو البديل، فلنصدق بالأوهام، لا بد أن يمسك موسى بعصاه ليشق لنا البحر!

وحتى لو فعل، “ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض”، حلول سحرية لكل مشاكلهم عبر عقود من الفساد، هكذا كل شيء أو لا شيء على الإطلاق، هذا لأنك يا هذا الذي تحكمنا لا تشبه الفراعنة، فعلام نصبر عليك إذًا، وحتى وإن دعا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ما إن غاب موسى حتى عبدوا السامري! يا إلهي، لم يعبدوا عجله، بل عبدوه هو.

هكذا ظهر العسكر، عجل له خوار، ومن ذهب براق كذلك، بدل كاكية ونجوم نحاسية على الأكتاف تأخذ العقول. في كتاب قديم أكل عليه الزمن أقراصًا من الطعمية وشرب، قرأت أن ثمة جيوش تُصنَع لتحمي بلدانها من العدوان الخارجي لا لتقهر الشعوب وتحملها على الإذعان لفرعون جديد، هذا كان عبثًا حتمًا وهرطقات كافرة، أو ربما كتاب ساخر، دسته إلى قرطاس الطعمية يد الخيانة، الجيوش تحكم شعوبها يا هذا، والأسلحة توجه إلى صدور الشعب فهي بأموالهم، إعمالًا لنظرية منهم وإليهم!

الذهب ليس مكانه في الجيوب ولا في الخزانات إذا، ليس مكانه الحدود يحمي ويدافع، بل ليكن عجلًا يعبد!

تدور دوائر الزمن، تتبادر الكوارث إلى الأذهان، أطالع الأزمات كل يوم على صفحات الجرائد، ولست شامتًا ولا حاقدًا، فأنا مصري حتى النخاع، فقط أتململ ضجرًا من أكثر فصول التاريخ اعتيادية وملل يعاد، لا شغف لقراءته، فما بالك أن تكون أحد فصوله.

أطالع وأنا أكتب هذا المقال عنوانًا ملقى على جانب مكتبي يتحدث عن ثمة أمل، الحديث عن الأمل هنا يا سيدي مجرد وقاحة! على الرغم من هذا لا أكف عن مطالعة الأخبار، كمن يقف على قبر حبيبته كل يوم يحدثها ويعلم أنه لن يلقى جوابًا، فلربما تحدث المعجزة، “وتنهض”! لا بل ويتحدث القبر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست