مشى الطـاووسُ يومـًا باعْـوجاجٍ ***  فـقـلدَ شكـلَ مَشيتـهِ بنـوهُ

فقـالَ: عـلامَ تختـالونَ؟ فقالـوا: *** بـدأْتَ بـه، ونحـنُ مقلـِـدوهُ

فخـالِفْ سـيركَ المعـوجَّ واعـدلْ *** فـإنـا إن عـدلـْتَ معـدلـوه

أمـَا تـدري أبـانـا كـلُّ فـرع ٍ *** يجـاري بالخـُطـى مـن أدبـوه؟!

وينشَــأُ ناشـئُ الفتيــانِ منـا *** علـى ما كـان عـوَّدَه أبـــوه

كلنا نعلم من هو محدث النعمة، هو من شبع بعد جوع، من أصابته النعمة بعد حرمان فأطبق عليها وصارت هي سيفه وعقيدته، وميزان الناس لديه، يشتري بها ذمم الخلق ويجندهم لخدمته، خشية العودة لما كان عليه من فقر وعوز، يستوي عنده العالم والجاهل، فلا قيمة لشيء إلا بالمال، محدث النعمة غني بماله فقير لكل التقاليد العريقة مثل الكرم وعفة النفس واحترام الإنسان لنفسه، هو كالأرض الجدباء أصابها مطر فأنبتت ولكنها أنبتت غرقدا وصبارا.

ومحدث النعمة له صفات تميزه كأنها الوشم، متكبر يتفاخر بماله بصلف، ثقيل الظل وليس لديه جديد مستظرف، بخيل ويده مغلولة بحيث يستكثر القليل الذي ينفقه حتى لو كان رئاء الناس، يعتبر نفسه ثمينا ومتميزا أناني، ينتظر من الآخرين أن يقدموا له وهو لا يقدم شيئا، يتخير صحبته ممن هم على شاكلته.

ولكن بمجتمعنا لم نكتف  بذلك بل استحدثنا صفات أخرى، فنحن نملك وحصريا صفة «محدث السياسة» هي آفة أشد خطرًا على المجتمع من محدث النعمة، رغم أنه يمتلك نفس الصفات الذميمة.

فعلى مدار أكثر من ستين سنة استولى فيها العسكر على حكم مصر، صاروا يغرسون في ذاك المجتمع المسكين كل دنية، وكل آفة تفسد تربة ذاك الوطن لعقود لا يعلم مداها إلا الله، فقبل انقلاب 1952 كان بمصر حياة سياسية حقة، وأحزاب رغم الاحتلال وبالرغم من قلتها إلا أنها كانت تمارس دورها السياسي باحترافية  افتقدناها بتولي العسكر لشؤون الحكم، لأن أول خطواتهم المعوجة كمشية الطاووس سالفة الذكر، كانت تدجين تلك الأحزاب، وليست الأحزاب وحدها بل الشعب كله، والقضاء على معنى الحياة السياسية، وخلق نوع جديد من الساسة يتصف بنفس صفات الحكام العسكريين محدثي النعمة.

انقلاب 1952

هنا نقطة تحول بين مصر أم الدنيا حقا أجمل مدن العالم، وبين مصر التي جردها العسكر من كل ما تملك بل وعلى مدار حكمهم المشؤوم صاروا يتاجرون بأعضائها، من الدولة ذات الأحزاب المتعددة التي كانت تشكل حكومات قوية، تقف بوجه الملك والقصر أحيانا، وأحيانا أخرى تقف بوجه الإنجليز المحتلين، إلى مصر ذات التنظيم الواحد الذي يقوده ديكتاتور العسكر جمال عبد الناصر كاره الحريات.

لقد جمد عبد الناصر تقدم مصر بل وأرجعها هو ومتبعو خطاه من العسكر لمئات السنين للخلف، زعم هو ومن معه أنهم يثورون على حكم وراثي استبدادي، ليستبدلوه بنظام جمهوري يقوم علي نقل السلطة إلى الشعب، في حين حرم الشعب من أي مشاركة في الحكم سوى بالموافقة على الاستفتاء لمد فترة الرئاسة مرة تلو الأخرى، الأمر الذي قتل طموح الشعب وأورثه عدم المبالاة والرضوخ، فتحت حكم العسكر أنت حر ما دمت تسبح بحمد القائد، وإلا ففي السجون والمعتقلات متسع لكل معارض أو محتج أو حالم بالحرية، بل و وصلت الأمور إلى الاغتيالات الجسدية والمعنوية للمعارضين.

عندما ترك الجيش مهنته الأساسية وهي حماية الحدود، وعاث فسادا في السياسة، أصبح يدير البلاد على أنها ثكنة عسكرية، وشعبها على أنهم جنود عليهم السمع والطاعة دون نقاش، فكان الحزب الواحد، والرأي الواحد الذي يتردد صداه ليل نهار داخل الإعلام وأروقة المؤسسات، وهذا كان سببًا في عدم وجود قيادات بديلة أو تداول للسلطة.

فكانت سياسة التنظيم الواحد سببًا في تكريس السلطة في يد شخص واحد، كما كانت سببًا في توزيع السلطة على مجموعة من الموالين، الأمر الذي جعل معيار اختيار القيادات على أساس الولاء وليس الكفاءة «يولون الأمور لمن يشبههم».

كما وأدت أي فكر معارض والقضاء على أي مبادئ للديمقراطية في سبيل تأمين نظام الحكم الثوري المطلق مما أدى إلى سحق المعارضة وخلق اتجاه أحادي منفرد أبعد الشعب عن الإمساك بزمام أمره، أو المشاركة في تقرير مصيره أو إعداد كوادر يمكن أن تتولى أمور الحكم ذات يوم.

فوبيا إسقاط الدولة

يبدوا أن أفكار العسكر لا تعترف بمرور الزمن فمازالت فكرة إصابة الشعب بفوبيا تسيطر على أدمغة العسكر رغم مرور أكثر من نصف قرن، فلقد كرس عبد الناصر في مصر «فوبيا إسقاط دولة العسكر لدى الشعب» وجعل الأحزاب السياسية هي تلك الفزاعة التي يمكنها أن تسقط دولتهم الوليدة، فكان لديكتاتور 52 مقولة مشهورة بهذا الشأن وهي – على حسب ما ذكره القيادي بحزب التجمع حسين عبد الرازق – أن عبدالناصر قال: «لو عملنا حزب رأسمالي يطلع تابع لأمريكا ولو عملنا حزب شيوعي يطلع تابع للاتحاد السوفيتي». وتساءل عبدالرازق: وما المانع أن يكون حزبًا شيوعيًا أو رأسماليًا مصريًا وهل المصريون عملاء؟

هكذا وبالتدريج امتلأت الساحة السياسية الهشة المهمشة في مصر والتي صنعها العسكر ببراعة، برجال موالين للعسكر وليس للبلاد، هكذا انعدمت الكفاءة السياسية فيمن يفترض بهم أن يقودوا المسيرة السياسية بمصر، ولأن معظم هؤلاء الضباط الذين حولوا أنفسهم لملوك على عرش مصر، كانوا من بيئات فقيرة، كان لابد أن يأتوا بمن هم مثلهم أو أقل منهم ليكونوا حاشيتهم السياسية والإعلامية، لذا أصبحت السياسة هي «سبوبة» لمن يعمل بها يحاول أن يجمع من ورائها أكبر قدر من المال ليغطي ما ينقصهم من كفاءة ومكانة اجتماعية،  فأصبح من يتولى أمر السياسة بمصر «محدثي نعمة وسياسة».

نعم فالساسة عندنا يختلفون عن باقي ساسة العالم، حيث أن كل سياسي بأي دولة يكون هدفه عمل تاريخ ومجد سياسي له يذكر بتاريخ بلاده، ويكون رصيد فخر له ولأبنائه، أما بمصر فالسياسي لا يسعى إلا لشيء واحد عمل رصيد بنكي ضخم له، يكفيه شر الرجوع للفقر والعوز، وإن كان الثمن هو بيع البلاد والعباد.

هكذا أصبحت الأحزاب بمصر المعارضة منها والمؤيدة تُصنع على عين النظام، بينما الأحزاب الحقيقية ذات الرؤى والمشاريع الهادفة لتقدم البلاد، ما كان من النظام إلا أن أمر بحلها ومطاردة أعضائها مثل حزب الحرية والعدالة وحزب الوسط، وذلك لمجرد أنها أحزاب تغرد خارج السرب، تتجاوز الخطوط الحمراء التي يفرضها النظام على أي حزب يريد أن يكون له وجود.

وبناء عليه فإن كل الأحزاب الموجودة حاليا والتي لا أستثني منها أحدًا ما هم إلا جزء أصيل من نكبتنا كوطن، ديكور لاستكمال الشكل الطبيعي للنظام الحالي يستر قبح منظره، هم أبناء الطاووس الذين يسيرون باعوجاج كمن رباهم، هم أحزاب النظام وليس الوطن.

وهكذا على خطى الطاووس المعوجة زحف جنرالات الجيش بمصر على الحياة المدنية والسياسة بخلل لا بخيلاء، فأوردوا البلاد مود الهلاك، فمتى يثور أبناء ذاك الوطن ويجبروا الطاووس العجوز على أن يسير معتدلا عائدا لثكناته.