في السادسة صباحًا تزدحم محطة القطار بالمسافرين، موظفون وطلاب وعاملون بالقطاع الخاص، يقطعون مسافة تتفاوت يوميًا، كلٌ على حسب بلدته، لكنها لن تقل عن ستين كيلو مترًا وتصل إلى مائتي وعشرة كيلو مترات.

 

رجل خمسيني، وسيدة في عقدها الرابع، وشاب شارف على العشرين من عمره، الكل هنا ينتظر القطار ولمّا يأتِ بعد!، بدا القلق والترقب يظهران على وجههم، ويتساءل آخرون عن سبب تأخره، وجدل وتكهنات وتوقعات تبقى كلها خارج الصندوق.

 

أحمد شكري، شاب عشريني، اخترق صفوف الواقفين انتظارًا للقطار، متجهًا إلى ناظر محطة طنطا، ليقطع الشك باليقين، ويعرف سببًا واضحًا لتأخر القطارات المتجهة إلى القاهرة، ليرد عليه «المشرف» قائلا: "القطارات متأخرة ومفيش أخبار عنها، لو مستعجل اركب ميكروباص".

 

يلتقط مشرف الإذاعة الداخلية للمحطة، الميكريفون، معلنا: "قطار 948 قطار المنصورة المتجهة للقاهرة متأخر، وجميع قطارات الاسكندرية المتجهة للقاهرة متأخرة".

 

علامات الغضب تبدو على وجوه المسافرين، معلنين استياءهم الشديد من منظومة السكك الحديدية، واصفينها بالفاشلة، لكنها على أي حال من الأحوال أفضل من ركوب الميكروباص، فالقطار أرخص ثمنًا رغم المعاناة اليومية التي يشهدونها بحد تعبيرهم.

 

يقول عبد الرحمن لطفى، 52 عامًا، موظف حكومي، "بقالي 30 سنة بركب القطار، وكل سنة أسوأ من اللي قبليها، منظومة فاشلة وفيها فساد، ومهما حصل مش هتتظبط أبدا، بتغرق في شبر ميه".

 

وأضاف، "كل ما نسأل عن سبب التأخير، الكل يقول حادثة اسكندرية، اللي بقالها أيام ولسة مؤثرة، ليه اللي غلط مش بيتحاسب، كل يوم بنتأخر بالـ 5 ساعات عشان نروح شغلنا ونفس المعاناة وإحنا راجعين، نشوف مصالحنا إمتى؟.

 

وأوضحت سميحة بكري، 43 عامًا، موظفة، أن القطار وسيلة نقل ومرفق مهم بالدولة، ورغم ذلك لا تهتم به، ونعاني يوميًا منها بسبب الزحام والتأخيرات، معلقة: "إحنا بنركب في القطار وكأننا في يوم الحشر، بنبقى محشورين، ومفيش مراعاة للأدمية دا في الحالة العادية، اما دلوقتي القطارات متأخرة، فتخيل إن ركاب 3 قطارات بيركبوا قطار واحد، الناس بتركب فوق بعضها.

 

وتابعت: "لو ركبنا ميكروباص مش هنلاقي مرتب نصرفه في البيت، الحياة بقت غالية، وسامعين إن التذاكر في القطارات هتغلى هي كمان، يبقى نقعد في البيوت أحسن من البهدلة".

 

وأشار إسلام الرفاعي، 32 عامًا، موظف بالقطاع الخاص، إلى أنه معرض للفصل من عمله بسبب تأخره كل يوم نتيجة تأخر القطارات، قائلا: "كل يوم بعتذر في الشغل عن التأخير، خلاص الأغذار خلصت هقول إيه تاني لمديري".

 

واستطرد "الرفاعي"، قائلا: "أصحاب العمل والمدير ما يعرفشي مشاكلنا في السفر كل يوم، وبيقول وأنا مالي! وكل يوم بيخصم لينا بسبب القطار، ومحدش بيقدر اللي إحنا فيه".

 

 

صوت صفير القطار

ساعتان مرا على المسافرين بمحطة طنطا، والقطار متأخر، لكن أملا جدده مشرف الإذاعة الداخلية معلنا تحرك قطار 1904 اكسبريس مراكز للقاهرة.

 

يتأهب الجميع ليظفر بموضع قدم في القطار، بعد أن اكتظت المحطة بالركاب، يصل القطار ويتزاحم الجميع على الأبواب وبين العربات وعلى الجرار.

 

تصريحات وزير النقل تثير سخط الركاب

 

أثارت تصريحات وزير النقل المهندس هشام عرفات، بشأن تأخر القطارات عقب حادث قطاري خورشيد بالإسكندرية، بأن السبب في ذلك "نفسية سائقي القطارات السيئة".

 

وقال وائل شعبان، أحد ركاب قطار الإسكندرية من محطة قويسنا بالمنوفية، إنه تفاجئ بتصريحات الوزير عن تأخير القطارات، متسائلا: "لما وزير يقولك نفسية السائق، مين يراعي نفسية المواطن".

 

وأضاف سامح وصفي، موظف، إنه يعاني كل يوم من تأخر القطارات، وأن الوزير بدلا من أن يحل المشكلة، أصدر تصريحات هزلية بحد تعبيره، معلقًا: "إحنا شرابين الطين كل يوم مين بيراعي نفسية الناس في الشارع، بنوصل كل يوم متأخرين ومحدش بيتحمل مسؤولية التأخير دا حتى الوزير نفسه".

 

تساءل أشرف عبد المرضي، طالب جامعي، قائلا: "إزاي وزير قاعد في تكييف هيحس بمواطن بسيط بيركب قطار درجة تالتة، إيه يعني الناس بتتأخر كل يوم أهم حاجة نفسية السواق، وأهم منها نفسية الوزير، ساخرًا: "مش عايزين نعكنن على الوزير بمشاكلنا".

وبلهجة غضب شديدة، أوضح سميح حنا، موظف قطاع خاص، أن الحكومة لا تشعر بالمواطن، معلقًا: "المواطن هو اللي رخيص، السكة الحديد بقت موت وخراب ديار، الناس بتموت كل يوم، في الآخر يرملهم كام ألف، وإحنا بيوتنا بتتخرب كل يوم بالتأخيرات".

 

 

سائقو القطارات: التأخير أحسن من الحبس

 

«أتأخر بدل ما أتحِبس»، هذا هو «المبرر» أو الشعار الذى يرفعه قائدو قطارات السكة الحديد في - تصريحات صحفية - تعليقا منهم على أسباب تأخر الرحلات بالساعات، واضطراب جدول التشغيل طوال الأيام الماضية، بسبب الأعطال الفنية فى أجهزة التحكم، واعتراضا منهم على حبس سائقى قطارى حادث خورشيد بالإسكندرية.


معدلات التأخير فى حركة القطارات ارتفعت بشكل كبير خلال الأيام الأخيرة، حيث تأخر القطار رقم 934 لمدة 9 ساعات عن الموعد المحدد لوصوله، وتأخر القطار 983 من أسوان ليبدأ رحلته الساعة 2 ظهرا بدلا من 7.30 صباحا، وينصرف ذلك على غالبية رحلات القطارات، ما تسبب فى تزايد غضب الركاب بعد تكدسهم على أرصفة المحطات، مصرين على استعادة ثمن التذاكر لعدم التزام الهيئة السكك الحديدية بالمواعيد المحددة.

 

 

نفى سائق القطار س.ع رفض ذكر اسمه، الحديث عن وجود إضراب، قائلا: «الكل خايف على نفسه، ونتبع حاليا تعليمات اللائحة والأمن والسلامة رغم تهالك منظومة القطارات، زمان كنا بنمشى على مسئوليتنا وبنتحاسب لوحدنا مع كل حادثة، لكن دلوقتى هنمشى بالتعليمات دون النظر للمواعيد».


واتفق معه سائق القطار (ش.ف)، موضحا أن السائق هو أول المصابين وأول المتوفين، وإن نجا فهو من المحبوسين، وهو من يتحمل أخطاء وعدم كفاءة المسئولين، ولولاه لانهارت الهيئة منذ 10 سنوات، متسائلا: «هل أسطول الجرارات الذى تملكه الهيئة صالح للمسير، علما بأن الشركات المنتجة له توقفت عن إنتاج هذه الطرازات وكذلك قطع غيارها، وهل يوجد نظام إشارات كهربائى أو ميكانيكى على الخطوط يصلح للسير عليه، وهل وفرتم أجهزة أمان بأقسام التشغيل المختلفة؟».


وأشار السائق (ع.ع) إلى أن التزام السائقين باللائحة هو السبب فى التأخير خلال الأيام الماضية، وأن أقدم السائقين الموجودين حاليا معين منذ فترة الثمانينيات، أى إن مشاكل الجرارات والـATC والكشافات ليست جديدة، فالقطار ما يزال يعتمد على العنصر البشرى، والـATC يعمل فى حالة الطوارئ فقط.

 

فيما لفت السائق (م.ص) إلى أن لوائح السكة الحديد تُفضل السلامة أولا ثم ميعاد الوصول، فلائحة 1908 و1962 لم تضع المواعيد قبل السلامة، معتبرا أن قائد القطار المسجون ضحية لـ«منظومة الفشل والفساد»، حسب تعبيره.