التنمية الاقتصادية من منظور الاستقلال الوطنى (2)


كتبت هذه الدراسة في مايو 2014 ونحن نعيد نشرها تضامنا مع د.مجدي قرقر الأمين العام لحزب الاستقلال والذي يقبع في سجون الانقلاب رهن الحبس الاحتياطي رغم أن مدة حبسه القانونية قد انتهت ورغم أنه لم توجه اليه أية اتهامات حقيقية.

في قضية الاستقلال الوطني كتبنا مقالتين، الأولى بعنوان "الاستقلال الوطني قضية حزب الاستقلال المحورية ضمانا للحاضر والمستقبل" تعرضنا لرؤية حزب الاستقلال التي تخرجنا من دوائر التبعية للغرب المهيمن على العالم باستقلالنا الوطني وأنها قضية محورية في تاريخ الحزب بمراحله المختلفة منذ حزب "مصر الفتاة" و "حزب العمل" إلى "حزب الاستقلال" وأن حزب الاستقلال امتداد لتاريخ طويل من نضال تيار الوطنية والإسلام في مصر والذي بدأ بالثورة العرابية وزعيمها الوطني أحمد عرابي مرورا بزعيم مصر الوطني الشاب مصطفى كامل وخليفته الوطني الزاهد محمد فريد ثم الأب الروحي لحزب العمل والاستقلال الزعيم المصري "أحمد حسين" ونائبه المجاهد إبراهيم شكري ورفيق كفاحهما الدكتور محمد حلمي مراد - راهب الوطنية المصرية - ثم الزعيم المجدد "عادل حسين" وأخي المجاهد رئيس الحزب "مجدي أحمد حسين" وقيادات وكوادر الحزب التي لعبت دورا كبيرا في إرهاصات ثورة 25 يناير المجيدة. ثم أشرنا في المقال إلى أن "الحرية باب الاستقلال والعبودية باب التبعية" وأن حكامنا لم يذوقوا طعم العبودية لله ولم يعرفوا قيمتها فجعلوا من أنفسهم طواغيت يستعبدوننا، وعبيدا أذلاء أمام قوى الاستكبار العالمي، وأكدنا على رفض التبعية وأية علاقات خاصة مع أمريكا سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وخلصنا إلى أن مقاومة المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة فرض عين على كل عربي وأن الأمن المصري يتطلب تكاملا عربيا وإسلاميا وانتهينا إلى أن إستراتيجيتنا البديلة في الاقتصاد هي إستراتيجية الاعتماد على الذات.
وفي مقالنا الثاني بعنوان "التنمية الاقتصادية من منظور الاستقلال الوطني" تعرضنا للمحاور التالية:
أولا - مفهوم الاستقلال الوطني
ثانيا - الهدف من التنمية
ثالثا - مدخل إسلامي إلى التنمية ( مقياس التنمية - عناصر الاقتصاد )
رابعا - مفهوم التنمية الشاملة المستقلة المستدامة. من منظور إسلامي
ولتحديد مفهوم التنمية حاولنا الإجابة على بعض الأسئلة :-
1 – هل التنمية هي زيادة الإنتاج وهل مقياس التنمية بتعظيم العائد المادي هو المقياس الوحيد ؟
2 – هل التنمية هي استخدام التكنولوجيا المتقدمة ؟
3 – هل التنمية هي اللحاق بالدول المتقدمة ؟
4 – نطاق التنمية المطلوبة .. هل مطلوب تحقيقها على المستوى الوطني أم المستوى الإقليمي أو العربي أم المستوى الإسلامي؟
وتوقفنا عند السؤال الثاني.

ثم نأتي للسؤال الثاني: هل التنمية هي استخدام التكنولوجيا المتقدمة ؟
إن التكنولوجيا المطلوبة يجب أن تتناسب مع واقع المجتمع واحتياجاته، ولذا فإن محاولات التنمية كثيرا ما تبوء بالفشل خاصة وأنها لا تخرج عن إطار نقل النماذج الغربية المستوردة دون أن نراعي خصوصية مجتمعاتنا، فاستيراد التكنولوجيا كثيفة رأس المال قليلة العمالة لا تتناسب مع المجتمعات التي بها بطالة حيث أن الأصح هو الأخذ بالتكنولوجيا كثيفة العمالة والتي لا تتطلب رأس مال كبير ففي مصر مثلا قد يصل رقم البطالة إلى حوالي 6.00 مليون عاطل، فهل تتناسب التكنولوجيا كثيفة رأس المال قليلة العمالة مع ظروف المجتمع المصري ؟!. إن نمط التكنولوجيا الغربية تزيد البطالة وتستنزف الثروة.
ثم هل نستخدم الخامات المستوردة أم المحلية؟ هل نستخدم خيوط الغزل الصناعي المستوردة ونهمل زراعة القطن طويل التيلة المتميز عالميا ونهمل بالتبعية صناعة الغزل؟ هل نستورد "الحصير" البلاستيك ونهمل صناعة الحصير المحلي الذي يعتمد على المنتجات الزراعية؟ لماذ لا نتوسع في زراعة الكتان وجريد النخيل وغيرها من الزراعات التي كانت أساسا للصناعات المحلية الصغيرة في القرية المصرية المنتجة؟
تشير الورقة الإقتصادية للمؤتمر العام الخامس لحزب العمل عام 1989 إلى: "إلا أن الاستقلال الاقتصادي لا يرتكز على إنتاج الغذاء وحده، وإن مثل ذلك أولوية أولى.ولكن الاستقلال الاقتصادي يتطلب في عصرنا إلى جانب ذلك استقلالا تقنيا - تكنولوجيا - لقد أعلنا أننا نرفض عبادة الغربيين لمعدلات النمو في دون الله، وهذا الموقف لا يعني تجاهلا لأهمية تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وما نرفضه هو أن تصبح المعدلات هدفا في حد ذاته، وأن نذبح عند محرابها كل قيمنا ومثلنا، وإذا كنا نسعى إلى رفع معدلات التنمية فإن استمرار سيطرة الغرب على التفوق التقني التكنولوجي، واستمرار أمتنا في موقع التلميذ المتلقي، يفضي إلى تبعيتنا لهم رغم كل ما نعلنه من نوايا استقلالية نبيلة. والتخلص من التبعية التقنية يبدأ بالحذر واليقظة عند التعامل مع الشركات الدولية العملاقة التي تكاد تحتكر سوق التقنية، فهذا الحذر يؤدي إلى تحسين شروط التعامل مع هذه الشركات اقتصاديا وسياسيا، فلا نستورد إلا ما نقرر نحن أنه يلزمنا فعلا، وإذا استوردنا، حاولنا أن يكون الاستيراد لأفضل المعروض وبأنسب الأسعار".
وتضيف ورقة حزب العمل "ينبغي أن نعلم أن التكنولوجيا تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالتطوير التقني الذي يقع عليه الاختيار في بيئة طبيعية معينة قد يكون مرفوضا في بيئة أخرى.وكذلك فإن ما يقبل في أمة معينة قد لا يقبل في أمة أخرى تختلف عن الأولى في أهدافها وقيمها. إن بعض الآلات المخترعة وما يصاحبها من تنظيمات ملائمة للعمل قد تحدث إنتاجا كبيرا بتكلفة اقتصادية تبدو قليلة، ولكنها قد تؤدي إلى زيادة كبيرة في البطالة أ أو قد تؤدي إلى إهلاك أشجار أو تبوير أرض زراعية، وفي الغرب لم يكونوا يترددون أمام اختيار هذا النوع من الآلات، فالأصول الفكرية الدنيوية والمادية وما يتفرع عنها من نفعية مباشرة وقصر نظر، لا تهتم بالأجيال التالية وحقوقها، هذه الأصول وفروعها لا تدعهم يترددون في الاختيار، ولكن وفق قيمنا ومبادئنا لابد من أن نرفض هذا النمط من التقنية ونعتبره ضمن مفهوم : (الإفساد في الأرض )، و ( أكل مال اليتيم )، فالتقنية التي تختارها أمتنا ينبغي أن ترعى حرمة البيئة التي ائتمننا الله عليها ولا نشوه أو نستنزف الثروة التي استخلفنا بشأنها ( البترول المصري والعربي مثلا ) حتى وإن أدى ذلك إلى رفع التكلفة وتقليل حجم الناتج، لأن مفهوم التقنية الذي يتقيد بنظريتها الحضارية الإسلامية وبمثلها هو المضمون الأعمق لتخلصنا من التبعية للغرب في هذا المجال الحيوي".

السؤال ثالث حول مفهوم التنمية- هل التنمية هي اللحاق بالدول المتقدمة ؟
وقد أجاب على هذا السؤال أستاذنا الفاضل دكتور / سيد دسوقي – رئيس قسم هندسة الطيران الأسبق بكلية الهندسة - جامعة القاهرة والذي قسم مستويات التنمية إلى ثلاثة مستويات ( تنمية البقاء – تنمية النماء – تنمية السبق )
أمتنا الإسلامية يستهدف اقتلاعها من جذورها، أعدائها يستهدفون القضاء عليها وفناءها، إذن فقضيتنا الأولى هي البقاء ولكي نبقى.علينا أن نتشبث بأرضنا وبجذورها كما تشبث "محمود أبو سويلم - محمود المليجي" بالأرض حتى سالت الدماء من يداه ووجهه وجسده في فيلم يوسف شاهين "الأرض"، إنه نموذج الشعب الفلسطيني الصامد المتشبث بأرضه في مواجهة الاحتلال الصهيوني والآلة العسكرية الأمريكية، نموذج كل القوى المقاومة التي ترفض التفريط في أرضها ووطنها.
هل نضع مقدراتنا في يد أعدائنا ؟ هذه هي التبعية بعينها، حرية اتخاذ القرار أو الإرادة التي أشرنا إليها في بداية الدراسة وهي قرين الاستقلال كأهم عامل من عوامل الأمة في التنمية المستقلة.
إن علينا أن نوفر غذائنا لكي نبقى "استراتيجية البقاء" وفي هذا يجب أن تعمل التنمية، أما أن نستورد غذائنا من قمح وأرز ولحوم وخلافه فإن هذا يجعل قرارنا في يد غيرنا … وبعد أن نحقق تنمية البقاء يمكن أن نعمل لتنمية النماء التي تنمي مواردنا تمهيدا للحاق بالدول المتقدمة وتمهيدا لتنمية السبق لتعود حضارتنا الإسلامية إلى سابق مجدها أيام كان الغرب في عصوره الوسطى المظلمة. أما تنمية السبق كحرب النجوم - على سبيل المثال - فهذا نوع من الترف والفانتازيا الساخرة.
يحضرني هنا في نموذج تنمية البقاء موقف الملك فيصل - عاهل المملكة السعودية - من الولايات المتحدة، فعندما قاد الملك فيصل معركة النفط بقطع البترول عن أوربا وأمريكا إبان حرب أكتوبر 1973 كانت هناك محاولات أمريكية لثني الملك عن قراره الجرئ والشجاع. يقول وزير الخارجيه الأمريكي الصهيوني الأسبق هنري كسينجر في مذكراته أنه عندما إلتقى الملك فيصل في جدّه , عام 1973 م في محاوله لإثنائه عن وقف ضخ البترول , رآه متجهما ً , فأراد أن يستفتح الحديث معه بمداعبة فقال ”إن طائرتي تقف هامده في المطار بسبب نفاد الوقود, فهل تأمرون جلالتكم بتموينها وأنا مستعد للدفع بالأسعار الحره ؟! يقول كيسنجر : ” فلم يبتسم الملك , بل رفع رأسه نحوي , وقال :وأنا رجل طاعن في السن ,وأمنيتي أن اصلي ركعتين في المسجد الاقصى قبل أن أموت فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنيه؟ وقتها أدرك كيسنجر أن أسلوب الجزرة لم ينفع فلجأ إلى العصا وإلى الأضرار التي ستلحق بالمملكة نتيجة قطعها لإمدادات البترول، هنا أفحمه الملك فيصل برده الذي يعكس رؤيته لاستراتيجية البقاء كأفضل ما يكون بقوله: "ألا تعرف أننا بدو نعيش في الخيام على الأسودين التمر واللبن؟" هنا أفحم كيسنجر وحمل عصاه وجزره عائدا إلى بلاده بعد أن لقنه الشيخ الكبير درسا لا ينساه في الاستقلال الوطني وفي التنمية.

فإذا أتينا للسؤال الأخير في مفهوم التنمية وعن نطاق التنمية وهل تكون على المستوى المحلي أم على مستوى الدائرة العربية أم الدائرة الإسلامية.
نجد أن التنسيق في خطط التنمية الاقتصادية على المستوين العربي والإسلامي هو المخرج الوحيد لحل المشكلات التي تواجه عالمنا الإسلامي ذلك أن ما تفتقده إحدى الدول من عناصر القوة أو التنمية يتوافر لدى الدول الأخرى، لماذا نضيق واسعا ؛ إن الدوائر المحلية والعربية والإسلامية يجب ألا تتعارض أو تتقاطع ولكن الواجب هو أن تتكامل هذه الدوائر، فإذا تعارضت المصلحة المحلية مع صالح الأمة الإسلامية يجب أن تكون الغاية هي صالح المجموع ممثلا في الأمة الإسلامية.
وفي عجالة أشير هنا إلى مشروع "الدول الثماني الإسلامية" الذي تبناه البروفسير نجم الدين أرابيكان - رئيس وزراء تركيا الأسبق رحمه الله - والذي وئد بوفاته وبضعف مصر التي كانت مؤهلة لقيادة هذه المجموعة بعد وفاته.
كما أشير هنا إلى مشروع حزب الاستقلال ومن قبله حزب العمل والخاص بالمثلث الذهبي ( مصر - ليبيا - السودان ) حيث ( القوة البشرية والخبرة – القوة المادية والطاقة – وحيث الأرض والمياه ) هذا المشروع لو تم لما ضاع السودان منا والذي ضيعه نظام مبارك والذي وجه وجهه جهة الشمال والغرب حيث أوربا وأمريكا وجهة الشمال الشرقي حيث الكيان الصهيوني، وأعطى ظهره للجنوب والشرق حيث السودان ودول حوض النيل وإفريقيا وحيث أسيا.
لو أنجز مشروع المثلث الذهبي الذي نادت به مصر الفتاة ومن بعدها حزبي العمل والاستقلال لتحقق التكامل الحقيقي بين مصر والسودان، ولتم تأمين مياه نهر النيل، ولرفع الحصار المفروض على السودان وحافظنا عليه موحدا، ولحلت مشكلة عدم توفر البنية الأساسية والتي تشكل معوقا كبيرا من معوقات التنمية، ولتم أيضا تأمين الحدود الليبية الجنوبية، بل ولتم توظيف جزء من أموال الخليج التي تستثمر في الغرب.

خامسا- الاستقلال الاقتصادي صنو الاستقلال السياسي ويتبنى منهج التنمية المستقلة الشاملة المستدامة
وعملية التنمية عندنا لابد أن تكون مستقلة – كما سبق أن أوضحنا – أي نحن الذين نقرر محتوياتها وتخطيطها ومع معتقداتنا ومثلنا، ولا نترك هذه المهمة للبنك الدولي أو لوكالة التنمية الأمريكية أو الشركات الأجنبية، كما يحدث الآن.
والاستقلال الاقتصادي يعني تحقيق التوازن وأن تقوم العلاقة بيننا وبين الآخرين على أساس الاعتماد المتبادل والمصالح المشتركة في تكافؤ واحترام وندية واحترام خصوصية الآخر وعدم التدخل في شئونه الداخلية وأن تتعدد مصادر التعاون حتى يمكننا تحقيق هذا التوازن، والحديث النبوي الشريف يشجعنا على هذا "اليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلى"
تشير الورقة الإقتصادية للمؤتمر العام الخامس لحزب العمل عام 1989 إلى أن قضية الاستقلال الاقتصادي لم تكن واردة في الأمم القديمة، فحيث كان انتقال السلع بين مجتمعات محدودا، ولم يكن ممكنا أن يعتمد مجتمع في رغيف خبزه على قمح أو ذرة مستوردة من بلاد بعيدة، ولكن في عصرنا الحالي أصبح هذا ممكنا، إذ أصبح بوسع البلد المستورد أن يعرف ما إذا كان البلد الذي سيشتري منه القمح يملك فائضا للتصدير أم لا، وهو يعرف بالدقة وفي الوقت المناسب متى سيصل القمح وبأي كمية، ومع وسائل النقل والمواصلات الحديثة أصبح بوسعه أن يتأكد من تنفيذ ما اتفق عليه، ومن أنه سيعلم إذا طرأ ما يدعو لتأخير التنفيذ. كل هذه الظروف لم تكن قائمة في الماضي، ولذا كان على كل مجتمع بشري أن يحقق اكتفاءا ذاتيا في المنتجات الأساسية، وإذا لم تساعده البيئة المحيطة على تحقيق ذلك كان انتقال البشر في هذه الحالة أسهل من انتقال المنتجات، فكانت هجرات البشر تنتقل بهم من بيئة أخرى تملك مصادر أفضل للحياة والاستقرار.
وتضيف الورقة: إن هذا الأمر، أي حمل رسالة الإسلام والجهاد في سبيلها، يتطلب من الناحية الاقتصادية أن نملك القدرة على أن نعتمد على أنفسنا، ويجب ألا نترك لأعدائنا فرصة أن يذلونا ويجوعوننا. والاستقلال هو أول الأهداف التي يحرص الاقتصاد الإسلامي على تحقيقها، ثم تتوالى بعد ذلك الأهداف الإسلامية الأخرى. وغني عن البيان أن نظم الحكم الحالية أورثتنا أوضاعا اقتصادية متدنية، فالثروات تبدد بشراسة وبلاهة تفوق الخيال، وما يبقى بعد كل أشكال التبديد يتصرفون فيه على نحو يزيد المشاكل تفاقما، والحل الإسلامي الذي يتبناه حزب العمل لا يمكن أن يكون عصا سحرية تخرج البلاد من كل هذه الأزمات في لحظة واحدة أو في إجراء واحد.وكذلك فإن مشاكل البطالة والغلاء والإسكان وانخفاض الإنتاجية والتفاوت الواسع في مستويات الدخول والاستهلاك، إلخ كلها متشابكة، ولا يمكن أن تحل إحداها بمعزل عن معالجتنا للمشاكل الأخرى. وعلى هذا فإن الحل الإسلامي لمشاكل الاقتصاد يتطلب فترة زمنية ممتدة، وكذلك فإن الحل لابد أن يكون شاملا لكل عناصر الموقف الاقتصادي، بل لابد أن يصل إلى كل حياة المجتمع.( المؤتمر الخامس لحزب العمل 1989).
ثم تضيف ورقة حزب العمل: " وفي حين أن التبعية السياسية ( الإمبراطوريات ) كانت قائمة منذ أزمان سحيقة، فإن التبعية الاقتصادية لم تظهر إلا في عالمنا المعاصر ذي العلاقات المتشابكة، وأصبح هناك خطر الوقوع في براثن الاستغلال بسبب الخضوع والتبعية لطواغيت هذا العالم المعاصر، ويهدف جهادنا لتحقيق الاستقلال إلى منع هؤلاء الطواغيت والشياطين الكبار من استخدام الغذاء وما أشبه، وسيلة للضغط والابتزاز - كما يحدث في مصر اليوم - فيهددوننا بالتجويع إذ نحن عارضنا مخططاتهم، ونحن لا يمكن أن نحقق أمر الله فينا، ولا يمكن أن نعلي كلمة الله، إذا كنا أصحاب يد سفلى في العلاقات الاقتصادية الدولية".
إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة لن يتم تجاوزها جذريا إلا عبر تغيير جوهري في السياسات الاقتصادية العامة، ذلك أن سياسات الحكومات المصرية المتعاقبة اعتمدت بشكل أساسي على الاقتراض من الداخل والخارج حتى بلغ الدين قرابة 2000 مليار جنيه أي حوالي 300 مليار دولار ( ربعها دين خارجي والباقي دين داخلي) ، وكذلك الاعتماد على موارد إنتاجية غير مستقرة (السياحة- قناة السويس- تحويلات المصريين بالخارج) وهي القطاعات التي ضربت نتيجة للانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013.
ولن ينطلق اقتصاد البلاد ولن يتم تجاوز حالة التردي هذه إلا من خلال سياسات تعتمد على تشجيع الإنتاج والمشروعات الإنتاجية الوطنية في مختلف المجالات الزراعية والصناعية بدلا من الاعتماد على التوكيلات الأجنبية.
يقول أخي الأكبر الأستاذ مجدي حسين رئيس الحزب: إن التجارب الأسيوية الناجحة اعتمدت على التدخل النشيط للدولة في توجيه عملية التنمية حتى في ظل انتشار القطاع الخاص، واعتمدت على الإصلاح الجذري لنظام التعليم، والتركيز على تطوير أجهزة البحث العلمي، والاستفادة من الاستثمار الأجنبي باكتساب الخبرة منه ونقلها للقطاع الوطني، دون الاعتماد الأبدي أو التواكل على الاستثمار الأجنبي. وهذا هو جوهر الكارثة المصرية فالسياسات الرسمية عملت في بلادنا على خط مستقيم عكس ذلك، فرفعت الدولة يدها عن توجيه العملية الاقتصادية وتركت أحوال الاقتصاد لعصابات السلب والنهب والاحتكار، وتدهورت العملية التعليمية وانقطعت صلتها بمتطلبات التنمية، بينما تكاد تصل ميزانية البحث العلمي إلى صفر كبير (0.2%)، وجعلنا الاستثمار الأجنبي بديلا لانطلاق الاستثمار الوطني، بينما لم يهتم الأجنبي إلا بالصناعات الاستهلاكية، والتي تكفلت بضرب الصناعات الاستهلاكية الوطنية. بل وأكثر من ذلك بلغ سفه الحكام في تبديد الموارد المصرية في مشروعات استعراضية لم تفض إلا إلى تبديد المليارات بلا طائل فيما يسمى المشروعات القومية التي ثبت فشلها جميعا: توشكي - شرق التفريعة - ترعة السلام - حديد أسوان.. الخ الخ، إننا نرى أن التنمية الاقتصادية لا تتم بدون الاعتماد على الذات
ويضيف مجدي حسين: إننا نرى في حزب الاستقلال أن أي حديث عن النهضة الإسلامية يكون بلا معنى حقيقي ما لم يشمل مشروعنا اقتصادا وطنيا مستقلا ناميا يغنينا عن سؤال أعدائنا، وتأسيسا على ذلك يكون برنامجنا للإصلاح الاقتصادي وفق مبدأ الاعتماد على الذات في الإنتاج في المجالات كافة حسب الأولويات الإسلامية: الضروريات ثم الحاجيات بما يعنى التركيز على مشروعات الإنتاج الغذائي والسلاح والمساكن والملابس الشعبية ومستلزمات الإنتاج المختلفة وكافة المشروعات الضرورية لحاجات الإنسان الأساسية.
هذا الحديث عن تنويع هيكل الإنتاج المحلي – بحيث يسد حاجتنا الأساسية – وما أضفناه من تطور تكنولوجي مستقل، يذكرنا بأهمية توسيع دائرة الإمكانات المادية والبشرية التي ستند إليها مشروع الاستقلال، وبالتالي أهمية التحرك التعاوني والوحدوي في المنطقة العربية، فالمهام الاقتصادية المقترحة تتطلب ذلك بالضرورة، وهذه التوجيهات وغيرها تتطلب إدارة مستقلة وعلى مستوى عال من الإخلاص والكفاءة.

إنهاء السيطرة الأجنبية على اقتصادنا
إذا كان طريقنا في التنمية المستقلة يهدف إلى تأكيد البعث الحضاري الإسلامي، فإن نصائح الخبراء الأجانب في مجال تحديد المعالم الاستراتيجية لهذا الطريق تصبح لغوا لا محل له.
قد نحتاج خبرة أجنبية في بعض نواحي الإنشاء والتركيب والإدارة لهذه الوحدة الإنتاجية أو تلك ولكن معالم التخطيط الإستراتيجي للتنمية المستقلة ومراحله، لا يحددها إلا رجال العلم المرتبطون قلبا وقالبا بأهداف المشروع الإسلامي.إلا أن هذه الإدارة الوطنية للاقتصاد يستحيل عليها أن تحقق نتائجها بل يستحيل عليها أن تحصل على المعلومات المطلوبة عن المشروعات الاقتصادية المختلفة إذا كانت مفاتيح هذا الاقتصاد ومفاتيح معلوماته بيد الدوائر الأجنبية.
مصادر الثروة والدخل لابد أن تكون في يد وطنية خاضعة فعلا ( وليس شكلا فقط ) للإدارة المصرية ولقوانينها وسياستها.وليس مطلوبا أن تكون كل مصادر الثروة والدخل في يد الدولة، بل هذا مرفوض نقلا وعقلا ولكن ما نطلبه هو إبعاد الدوائر الأجنبية عن المشاركة في ملكية هذه المصادر ( إلا ما كان على سبيل الاستثناء ) ثم تقسيم الأدوار وفق قواعد واضحة بين القطاع العام الوطني والقطاع الخاص الوطني.
وقد خرجنا في مصر عن هذا المبدأ حيث توسعنا في الاستعانة بالقروض الخارجية، وفرض علينا مع هذا كله الامتثال لتعليمات الخبراء الأجانب من كل صنف، وكل هذا ابتعاد واضح عن احتمالات المسار المستقل ويعرضنا للهلاك والبوار.وإذا كان ابتعاد الأجانب عن المواقع المختلفة أمرا مطلوبا، فهو في مجالات البنوك والتجارة الخارجية أوجب، إن الأجانب لا يديرون التجارة الخارجية حاليا بشكل مباشر ولكن تدخلهم غير المباشر كثيف ومؤثر.
وبالنسبة للبنوك المصرية فإن تقييد علاقاتها المتنوعة بشبكة البنوك الدولية أمر ضروري وملح ومع استقلالية هذا الجهاز المصرفي وخضوعه لإشراف البنك المركزي يمكننا بالفعل توجيه مجهودات التنمية الشاملة ويمكننا بالتالي أن نعبئ المدخرات القومية المبددة والمبعثرة ويمكننا أن نستعيد القسم الأكبر مما هرب ويمكن توجيه ذلك إلى مشروعات مفيدة للأفراد من أصحابها وللمجتمع، وهذه الحالة الديناميكية التي يتدافع فيها الأفراد للمشاركة النشطة في العملية الاقتصادية هي السبيل لإنهاء الربا فيبارك الله في دخلنا ويحقق الجميع دخلا متزايدا حلالا.

وما زال للحديث بقية
والحمد لله رب العالمين

التنمية الاقتصادية من منظور الاستقلال الوطنى(1)

لا مجال للحديث عن الاستقلال والتنمية المستقلة إذا لم يكن ذلك مشفوعًا بالقدرة على التفكير المستقل.. أى على التفكير بأنفسنا لأنفسنا

الغرب يظلم ابن خلدون بوصفه «أبو علم الاجتماع» وهو مؤسس «علم العمران البشرى» الأكبر كثيرًا من علم الاجتماع

اليابان لا تعتمد فى التنمية إلا على مواطنيها (127.5 مليون نسمة) لأن الطبيعة تعمل ضدهم فلا يوجد سوى الزلازل والبراكين والتضاريس المرتفعة

علينا الأخذ بالتكنولوجيا كثيفة العمالة قليلة رأس المال
 
فى مقالنا السابق بعنوان «الاستقلال الوطنى قضية حزب الاستقلال المحورية ضمانا للحاضر والمستقبل» تعرضنا لرؤية حزب الاستقلال التى تخرجنا من دوائر التبعية للغرب المهيمن على العالم باستقلالنا الوطنى، ثم تعرضنا لقضية الاستقلال الوطنى كقضية محورية فى تاريخ الحزب بمراحله المختلفة منذ حزب «مصر الفتاة» و«حزب العمل» إلى «حزب الاستقلال»، وأن حزب الاستقلال يعتبر امتدادا لتاريخ طويل من نضال تيار الوطنية والإسلام فى مصر الذى بدأ بالثورة العرابية وزعيمها الوطنى أحمد عرابى، مرورا بزعيم مصر الوطنى الشاب مصطفى كامل وخليفته الوطنى الزاهد محمد فريد، ثم الأب الروحى لحزب «العمل» (الاستقلال) الزعيم المصرى «أحمد حسين» ونائبه المجاهد إبراهيم شكرى ورفيق كفاحهما الدكتور محمد حلمى مراد (راهب الوطنية المصرية) ثم الزعيم المجدد «عادل حسين» وأخى المجاهد رئيس الحزب «مجدى أحمد حسين» وقيادات وكوادر الحزب التى لعبت دورا كبيرا فى إرهاصات ثورة 25 يناير المجيدة.
ثم أشرنا فى المقال إلى أن «الحرية باب الاستقلال والعبودية باب التبعية» وأن حكامنا لم يذوقوا طعم العبودية لله ولم يعرفوا قيمتها، فجعلوا من أنفسهم طواغيت يستعبدوننا، وعبيدا أذلاء أمام قوى الاستكبار العالمى، وأكدنا رفض التبعية وأية علاقات خاصة مع أمريكا سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وخلصنا إلى أن مقاومة المشروع الصهيونى-الأمريكى فى المنطقة فرض عين على كل عربى، وأن الأمن المصرى يتطلب تكاملا عربيا وإسلاميا، وانتهينا إلى أن استراتيجيتنا البديلة فى الاقتصاد هى استراتيجية الاعتماد على الذات، ومن هنا نستكمل مقالنا اليوم. وموضوعنا -مثل أى مشروع حضارى- له أهداف، ومدخل، ووسائل للتحقيق، وتطبيقات.

أولاً- مفهوم الاستقلال الوطنى

إن مفهوم الاستقلال عند «مصر الفتاة» وعند حزب «العمل»، لا يقتصر على إخراج جيوش الاحتلال وطردها من الوطن، بل يتعدى ذلك إلى آفاق أوسع وأكثر تركيبا.
يشير الأستاذ عادل حسين فى آخر دراسة له بعنوان «الاستقلال الوطنى والقومى» -والتى قدمها فى ندوة عقدت فى المغرب العربى عام 2000 وأصدرها المركز العربى للدراسات فى كتيب يحمل الاسم نفسه عام 2004- إلى أنه إذا كان فرض السيطرة الغربية الصهيونية على مقدراتنا عملية مركبة، أسهم فى إنتاجها ما هو أيدولوجى وما هو سياسى واقتصادى وعسكرى؛ فكذلك حال النهضة، ومدخلها استعادة الاستقلال؛ فالاستقلال عملية مركبة فى الاتجاه المضاد تضم ما هو أيدولوجى وما هو سياسى واقتصادى وعسكرى. وأضيف: وما هو ثقافى. ويضيف عادل حسين فى دراسته: «إن التنمية الجادة المستقلة لا بد أن تبدأ بكسر حلقة التبعية وتسعى إلى تحقيق تنمية متمحورة حول ذاتها وتتجه إلى سوقها الداخلية بالأساس». وستكون لنا عودة مع هذه الدراسة المهمة فى مقال قادم.
ولقد ربط الأستاذ مجدى حسين فى ندوة أخيرة له بين الاستقلال والإرادة. وهذا صحيح؛ فالاستقلال لا يتحقق بدون إرادة. وأضيف: «الاستقلال يحتاج إلى إرادة وإمكانات. والإمكانات تأتى ترجمة للأمر القرآنى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم) فالله لم يأمرنا بأكثر من الاستطاعة، إرادة وإمكانات. والإرادة بدون إمكانات انتحار، والإمكانات بدون إرادة إهدار للثروة الوطنية.

ثانيًا - الهدف من التنمية

فى قضية التنمية أربعة سيناريوهات: (الانكماش - التطوير أو التحسين - الاستقرار أو الثبات فى حالة عدم القابلية للنمو - النمو أو الزيادة).
وكما يقول المفكر والمجاهد عادل حسين فى كتيبه «الإسلام دين وحضارة» الذى أصدره حزب «العمل» عام 1987، فالهدف من التنمية فى النظريات الغربية هو تحقيق أكبر قدر من المتع الحسية والدنيوية للفرد. أما الهدف من التنمية فى المجتمع الإسلامى فهو تحقيق حياة كريمة للفرد فى دنياه مع ابتغاء مرضاة الله، أى تحقيق الحياة الكريمة دون أن نغضب الله سبحانه وتعالى، أو بمعنى آخر أن نعمل لآخرتنا دون أن ننسى نصيبنا من الدنيا.
ووفقا لهذا الهدف، يتبنى حزب «الاستقلال» رؤية اقتصادية من منظور إسلامى، وهى رؤية وسطية تبارك المجهودات الفردية دون احتكار أو استغلال، وبما لا يتعارض مع مصلحة الوطن والمواطن تأكيدا لمبدأ «التكافل الاجتماعى» ومبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، كما تبارك دور الدولة دون أن تجعل البشر تروسا فى ماكينات الإنتاج؛ أى أن القطاعَيْن الخاص والعام هما جناحا التنمية، وهو مع الأسف بُعد غائب فى دستور مصر.

ثالثًا- مدخل إسلامى إلى التنمية

وما دام الهدف من التنمية قد وضح فكيف يكون المدخل لتحقيق هذا الهدف؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال ربما يكون مفيدا أن نجيب على سؤال آخر: لماذا فشلت تجاربنا الاقتصادية السابقة فى مجتمعاتنا الإسلامية، سواء كانت هذه التجارب اشتراكية أو رأسمالية؟
القضية هى أننا استوردنا هذه النظريات دون أن نفكر لأنفسنا بأنفسنا، وأن المدخل للتنمية يجب أن يختلف باختلاف أصولنا الدينية والحضارية ونحن لم نأخذ هذا فى الاعتبار. نحن نؤمن بأن الحياة الدنيا متاع، وأنها مجرد وسيلة أو طريق إلى آخرتنا.. نؤمن بالآخرة.. نؤمن بالحساب.. نؤمن بالجنة والنار. أما النظريات الاقتصادية والاجتماعية الغربية فترتكز على الأصول الدنيوية والدينية لهذه الحضارة (إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). حتى إن آمنوا بالآخرة فهو إيمان يشوبه كثير من الضلال.
وما دامت جذورنا الدينية والحضارية تختلف عن جذورهم، فإن ما يتفرع عنها من نظريات يجب أن يختلف بالضرورة، وهو ما ينقلنا إلى قضية الاستقلال الوطنى. هذه نقطة هامة يجب أن نأخذها فى الاعتبار ونحن نتحدث عن التنمية من منظور إسلامى ينشد الاستقلال.
وكما قلنا، فإن أية نظرية إسلامية فى الإصلاح الاقتصادى الشامل تبدأ بتأكيد استقلالنا، ولا مجال للحديث عن الاستقلال والتنمية المستقلة إذا لم يكن ذلك مشفوعا بالقدرة على التفكير المستقل؛ أى على التفكير بأنفسنا لأنفسنا، انطلاقا من أصولنا الدينية المتميزة. وبتعبير آخر لا بد من اجتهاد (محاور إسلامية للإصلاح الاقتصادى، الحلول القريبة والحلول البعيدة - المؤتمر العام الخامس لحزب العمل 1989).

مقياس التنمية
النقطة الثانية التى تحكم المدخل الإسلامى إلى التنمية هى أن مقياس التنمية فى النظريات الغربية (رأسمالية أو ماركسية أو ما بينهما) هو مقدار ما يتحقق للفرد من متع حسية ودنيوية، أو ما قد يسميه البعض (متوسط دخل الفرد). حتى قضية العقيدة يربطونها بمقدار ما يتحقق لهم من متع؛ فإذا كان الكفر بوجود الإله يحقق لهم المتعة الحسية أو الروحية فليكفروا بالله، وإذا كان تعدد الآلهة يحقق لهم هذه المتعة فليشركوا (عقيدة عبثية).
إن الارتفاع بمستوى الدخل والإنتاج وفقا للمعايير الغربية، هو الطريق إلى السعادة فى نظرهم. ورغم هذا فإن المجتمع الأمريكى -على سبيل المثال- ملىء بالعنف والاستضعاف والتحلل الأسرى والمخدرات. ونحن لا ننكر أهمية العمل على زيادة معدلات الاستثمار والإنتاج، لكن معاييرنا الإسلامية تخرج فى تقييمها للتقدم بين الجوانب المادية والجوانب الروحية وتحقيق التوازن بين دنيانا وآخرتنا.

عناصر الاقتصاد

النقطة الثالثة التى تحكم المدخل الإسلامى إلى التنمية هى عناصر الاقتصاد. علماء الاقتصاد حددوا عناصره فى الآتى:
يتفق الاقتصاديون المعاصرون على تقسيم عناصر الإنتاج إلى أربعة أقسام؛ هى: الأرض (الطبيعة)، والعمل، ورأس المال، والتنظيم (الإدارة)، إلا أنهم اختصروها مؤخرا فى الأرض والبشر.
وهذه الرؤية الأخيرة للعلماء المحدثين تطابق الرؤية الاقتصادية فى الإسلام، إلا أن الأستاذ عادل حسين رحمه الله أضاف عنصرا ثالثا لتكون (الله - الأرض - البشر). والله هنا تعنى بعدين: تقوى الله ومعية الله. ويأتى ذلك ترجمة للآية القرآنية (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: ٦١)، هو -أى الله سبحانه وتعالى- أنشأكم.. أنشأ من؟.. البشر، من الأرض بهدف تعميرها، ثلاثة عناصر: (الله - الأرض - البشر).
ومن هذه الأية الكريمة (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) اشتق شيخنا الفقيه العبقرى «ابن خلدون» مصطلحه وأسس نظريته فى العمران البشرى. وابن خلدون يظلمه علماء الغرب عندما ينعتونه بـ«أبو علم الاجتماع» وفى هذا ظلم كبير له؛ فعلم العمران البشرى أكبر كثيرا من علم الاجتماع؛ حيث إنه يشمل علوم السياسة والتاريخ والاقتصاد والاجتماع.
نعود للآية الكريمة: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: ٦١) التى تؤكد أن الإنسان هو العنصر الفاعل فى التنمية وهو الذى يحدد بواعثها وهو غايتها التى تعود آثارها عليه.
ومن هنا ينشأ الخلاف فى المدخل فى التنمية بيننا وبين النظريات الغربية؛ ففيما تعتبر النظريات الماركسية الإنسان ترسا من تروس الإنتاج، وفيما تسمح النظريات الرأسمالية باحتكار الإنسان مجهود أخيه الإنسان؛ فإن الإسلام يعلى شأن الإنسان ويعتبره الأساس والعامل المهم لإعمار الأرض، أى التنمية بمفهومها الشامل.
إن عناصر الإنتاج المادية مسخرة أساسا للإنسان واستخداماته فى إعمار الأرض، أى أن الإنسان هو القوة الفاعلة بل هو مأمور بالبحث والتنقيب عن عناصر الإنتاج ومصادر الثروة (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ) (لقمان: 11)، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ) (إبراهيم: 32)، (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) (النحل: 41). الإنسان مأمور بالسير فى الأرض والبحث فى مناكبها، وتأمل حكمة الله فى الخلق والأخذ بالأسباب وقهر الفقر والاحتياط لظروف الطبيعة.
ورغم هذا نجد أن حكامنا التابعين لسياسات الغرب يعتبرون المواطنين عبئا لأنهم يأكلون كثيرا وينجبون كثيرا. وكما قال مبارك فى التسعينيات فى حديث لطلبة الجامعات: «هذه السنة سوداء والسنة القادمة أكثر سوادا». ويضيف فى حديث آخر مخاطبا الشعب: «مشكلتنا أنكم تأكلون كثيرا وتنجبون كثيرا»، ولهذا فعليهم تحديد النسل للتخلص من هذا العبء.
ليست القضية فى عدم إدراك قيمة الإنسان فقط، بل فى غياب البعد الإيمانى (معية الله) التى تحدثنا عنها (وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذاريات: 22-23).
وفى مقابل عدم إدراك حكامنا قيمة الإنسان نجد كثيرا من الدول الأوروبية تشجع الإنجاب؛ لأن الإنسان هو القوة الفاعلة فى الإنتاج، ونجد الزعيم الصينى «ماوتسى تونج» رغم شيوعيته يقول إدراكا لقيمة الإنسان: «أمام كل فم يأكل يدان تعملان». ولنعاود النظر فى النموذج اليابانى الذى لا يملك أى مصادر طبيعية أو أى أداة من أدوات الإنتاج سوى البشر، بل إن الطبيعة تعمل ضدهم، فلا يوجد سوى الزلازل والبراكين والتضاريس المرتفعة. اليابان لا تملك سوى 127.5 مليون نسمة؛ هذه هى ثروتها، ولكن أمراض أوروبا الاجتماعية قد طالتها؛ إذ انخفض عدد سكان اليابان عام 2014 بمقدار 244 ألف نسمة، وهو الانخفاض الأكبر على الإطلاق، وفقا لبيانات وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية التى نوهت أن عدد السكان ينخفض سنويا منذ عام 2005. المهم أن اليابانيين لا يؤمنون بالله والأرض تعمل ضدهم، فلا يملكون من أدوات الإنتاج أو الاقتصاد سوى المائة وسبعة وعشرين مليونا من اليابانيين.. هذه كل ثروتها.
فى المقابل نحن نؤمن بالله وبمعيته ونتقيه، ولدينا ثروات أرضية (فوقها وتحتها)، ولدينا البشر. ولكننا لا نؤمن بأهمية البشر كما أشرنا ونسىء توظيفهم؛ فالقوى العاملة فى مجال الخدمات يبلغون 40% (موظفين لخدمة الموظفين). إننا لا نحسن التعامل مع القوى البشرية وفقا لنسب عملهم التالية (زراعة 42%، صناعة وتعدين وكهرباء 13%، بناء وتشييد 6%، خدمات 39%).

رابعا- مفهوم التنمية الشاملة المستقلة المستدامة من منظور إسلامى

إن المفهوم الذى ندعو إليه هو مفهوم التنمية الشاملة التى تقوم على تطوير كل أنحاء المجتمع بطريقة متوازنة ومتسقة، لا تعلى شأن الاقتصاد على كل النواحى الأخرى.
هذه التنمية هى التى تسعى إلى تطوير المجتمع فى شتى المناحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بطريقة متسقة ومتوازنة تنبع من أصولنا الإسلامية والحضارية.
إن التنمية الشاملة يجب أن تشمل كل المجالات.. علينا أن نعترف بلغتنا العربية.. بتاريخنا.. بجذورنا الحضارية.. ويجب أن يتسق كل هذا مع نظمنا السياسية والاقتصادية.

ولتحديد مفهوم التنمية نحاول الإجابة على بعض الأسئلة:

1- هل التنمية هى زيادة الإنتاج؟ وهل مقياس التنمية بتعظيم العائد المادى هو المقياس الوحيد؟
2- هل التنمية هى استخدام التكنولوجيا المتقدمة؟
3- هل التنمية هى اللحاق بالدول المتقدمة؟
4- نطاق التنمية المطلوبة.. هل مطلوب تحقيقها على المستوى الوطنى أم المستوى الإقليمى أو العربى أم المستوى الإسلامى؟

الإجابة على هذه الأسئلة تحدد مفهوم التنمية بوضوح:
أعتقد أننا أجبنا عن السؤال الأول: تعظيم العائد المادى ليس هو المقياس الوحيد للتنمية؛ لأن التنمية الاقتصادية يجب أن تستهدف عدالة التوزيع وتحقيق الحياة الكريمة دون أن نغضب الله سبحانه وتعالى، إضافة إلى زيادة الإنتاج، كما أن التنمية يجب أن تعلى المصالح الوطنية العليا على معدل زيادة الإنتاج أو تنميته (تنمية البقاء وفقا لتعبير الدكتور سيد دسوقى أستاذ هندسة الطيران فى جامعة القاهرة). كما أن وفرة الإنتاج مع سوء التوزيع هو احتكار لا يقره الإسلام ويولد كثيرا من الأحقاد الاجتماعية وهذا ما يتفشى فى الغرب الرأسمالى. وعدالة التوزيع دون زيادة الإنتاج هى توزيع للفقر والبؤس يرفضه الإسلام.
ومع الأسف، فإن هذا المفهوم القاصر للتنمية بالربط بينها وبين معدلات زيادة الإنتاج وارتفاع مستوى معيشة الفرد وما يتحقق له من متع حسية ودنيوية أصبح سائدا عند أهل الحكم عندنا، فأصبحت بياناتهم تمتلئ بالأرقام الملفقة الكاذب.. ولكن ما العائد على الإنسان؟ حتى هذا المفهوم القاصر للتنمية عجزوا عن محاكاة الغرب فيه.
إن التنمية الرأسمالية بمفهومها الشامل قد تضمن حرية التعبير، لكنها لا تضمن الحياة الكريمة لجميع أبناء الأمة، كما أنها لا تمنع احتكار الإنسان للإنسان، سواء كان هذا الإنسان المستضعف من أبناء المجتمع أو كان ممثلا فى الدول المنهوبة والمستضعفة.
كما أن التنمية فى المفهوم الماركسى قد تضمن رغيف الخبز لكنها فى المقابل تلغى حرية التعبير.
مرة أخرى.. لسنا ضد تعظيم العائد، أو تعظيم معدل التنمية كأحد مقاييس التنمية، لكن لا يجب أن نأخذه مقياسا وحيدا للتنمية؛ لأن هذا ليس هو المحدد الوحيد فى منظومة التنمية؛ لأننا -كما اتفقنا- يجب أن نتساءل: هل حققت التنمية غايتها فى حياة كريمة للإنسان بالمعنى الشامل للحياة الكريمة؟ هل عادت التنمية بالخير على الإنسان دون أن يضر باقى المجتمع؟ ثم هل عادت التنمية بالخير على المجتمع كله دون أن يظلم الإنسان كما يحدث فى المجتمعات الاشتراكية؟ ثم -وهو الأهم- هل تحققت التنمية دون أن نغضب الله سبحانه وتعالى؟ هل التنمية الأمريكية التى أصلحت عجز الميزانية وميزان المدفوعات فى التسعينيات وفى الألفية الجديدة باستنزاف الخليج، تتفق مع المفهوم الإسلامى؟ بالقطع فإن الإجابة على كل هذه الأسئلة تكون بالنفى.
هل التنمية فى المجتمع الأمريكى الملىء بالعنف والاستضعاف والتحلل الأسرى هى النموذج المطلوب فى مجتمعاتنا الإسلامية؟ هل التنمية فى المجتمعات الشيوعية التى تستعبد الإنسان هى النموذج المطلوب؟

ثم نأتى للسؤال الثاني: هل التنمية هى استخدام التكنولوجيا المتقدمة؟
إن التكنولوجيا المطلوبة يجب أن تتناسب مع واقع المجتمع واحتياجاته، ولذا فإن محاولات التنمية كثيرا ما تبوء بالفشل، خاصة أنها لا تخرج عن إطار نقل النماذج الغربية المستوردة دون أن نراعى خصوصية مجتمعاتنا؛ فاستيراد التكنولوجيا كثيفة رأس المال قليلة العمالة لا تتناسب مع المجتمعات التى بها بطالة؛ حيث إن الأصح هو الأخذ بالتكنولوجيا كثيفة العمالة التى لا تتطلب رأس مال كبيرا؛ ففى مصر مثلا قد يصل رقم البطالة إلى نحو 4 ملايين عاطل؛ فهل تتناسب التكنولوجيا كثيفة رأس المال قليلة العمالة مع ظروف المجتمع المصرى؟!
ثم هل نستخدم الخامات المستوردة أم المحلية؟ هل نستخدم خيوط الغزل الصناعى المستوردة ونهمل زراعة القطن طويل التيلة المتميز عالميا ونهمل بالتبعية صناعة الغزل؟ هل نستورد «الحصير» البلاستيك ونهمل صناعة الحصير المحلى الذى يعتمد على المنتجات الزراعية؟ لماذا لا نتوسع فى زراعة الكتان وجريد النخيل وغيرهما من الزراعات التى كانت أساسا للصناعات المحلية الصغيرة فى القرية المصرية المنتجة؟
ولا يزال للحديث بقية
ولله الأمر من قبل ومن بعد