نعم أطالب بمحاسبة المسيء لمؤسسات الدولة ورجالها ورموزها، نعم أطالب بإجراءات قانونية رادعة ضد الساخرين والمستهزئين بأفراد الأمن، نعم لضبط الممارسات المشينة والأفعال المنبوذة والسلوكيات البعيدة عن قيم وتقاليد المجتمع.

لكن قبل أن يساء فهم تلك العبارات وتوظيفها في غير محلها، لابد أن نتفق ابتداءً على معنى “هيبة الدولة”.

منذ عامين تقريبًا قامت فتاتان من فريق لكرة سلة كان يكرمه البيت الأبيض لفوزه بلقب الدوري الأمريكي، بوضع “قرنين” بأصابعهما فوق رأس الرئيس الأمريكي أوباما، وذلك أثناء التقاط صورة لهن معه.

في اليوم التالي انتشرت تلك الصورة في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود أفعال واسعة، وتباينت الآراء بين مؤيد ومعارض ومعجب ومنتقد، مما دفع فريق السلة بتفسير تلك القرون التي نالها باراك أوباما بأنها لا تتعدى المزاح والدعابة ولا تحمل أي إشارات أو دلالات أخرى، وانتهت القضية دون أن يقدم أحد للمساءلة القانونية.
الملفت للانتباه أن أحدًا لم يتقدم ببلاغ لأجهزة التحقيق ضد الفريق بتهمة الإساءة لرئيس الدولة أو الانتقاص من هيبته أو الإساءة لذاته.

لم تشن وسائل الإعلام حربًا ضد الفتاتين وتتهم أسرتيهما بسوء التربية والإخفاق في تهذيب سلوكهما وتقويم أخلاقهما، لم تتوعدهم الشرطة بالملاحقات الأمنية أو القضائية دفاعًا عن هيبة الدولة وسلطانها.

كل هذا لم يحدث لأنهم يدركون أن الدولة تستمد هيبتها من احترام مواطنيها ومراعاة حقوقهم الأساسية في الأمن والصحة والتعليم… إلخ.

يدركون أن الدولة تستمد هيبتها من محاربة الجريمة والفساد وإنفاذ القانون على الجميع، يدركون أن الدولة تستمد مقومات بقائها بترسيخ قيم الكرامة والحرية والعدالة دون تمييز بين فئات المجتمع.

ولذلك لم يشعر أحد بالإهانة حين قامت فتاتان بوضع قرنين لرئيس الدولة، ولكنهم شعروا بالإهانة حين قُتل مواطن أعزل (مايكل براون) خارج إطار القانون دون احتجاز أو محاكمة، فاندلعت التظاهرات والحركات الاحتجاجية في شيكاغو ونيويورك، وغيرها من المدن الأمريكية الكبرى، فضلا عن العاصمة واشنطن.

استمرت الاحتجاجات تحت شعار “أوقفوا إرهاب الشرطة”، “الشرطة المسلحة تضمن الاستبداد” ولم تتوقف التظاهرات حتى استقال وزير العدل الأمريكي وأعادت الحكومة النظر في تسليح الشرطة الأمريكية.

ومن هذا المنطلق، فالدولة لا تستمد هيبتها من التزام مواطنيها بالواجبات بل تكتسب هيبتها بقدر ما توفره لمواطنيها من حقوق وحريات.

وبذلك فالفيديو المسيء لا يمثل إهانة للدولة أو انتقاصًا من هيبتها بقدر الإهانة التي تمارسها الدولة في حق نفسها عبر إجراءات القمع والتنكيل والاختفاء القسري والتصفية الجسدية خارج إطار القانون.

الدولة تفقد هيبتها حين تنتهك آدمية المواطنين وتهدر كرامتهم وتنتهك أعراض نسائهم في السجون والمعتقلات، الدولة تفقد هيبتها حين تتفشى ظاهرة الإفلات من العقوبة والتستر على جرائم القتل العمد والاستهانة بالحياة، الدولة تفقد هيبتها بتكميم الأفواه وتضييق الحريات وإغلاق المنابر الإعلامية المعارضة.

الجدير بالذكر أن صاحب الواقعة نفسه قد تحول إلى بطل في أعين المصريين ودافعوا عنه في سلوك مشين، منافٍ لكل القيم الأخلاقية والدينية، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل..

لماذا لم يتعاطف البعض مع العساكر “الغلابة” الذين تقبلوا الهدية بنفس صافية؟ لماذا نحيي كل فعل يحقر من أفراد الأمن ونثمن الممارسات التي تحط من قدرهم وتنتقص منهم؟ لمَ تعاطف المصريون مع ياسمين النرش قبل ذلك رغم ما أبدته من سوء خلق وبذاءة وفحش في القول والفعل، في حين أن الضابط قد التزم حيالها باللياقة والأدب؟

لماذا نمارس التعميم البغيض تجاه الداخلية بكل أفرادها إذا ما أحدثت سلوكا فرديا أو انتهاكا خاصا، في حين أننا لا نمارس ذلك التعميم على قطاعات أخرى إذا تجاوز بعض أفرادها؟

والإجابة على التساؤلات في سطور..

أولا رأس الدولة قد تعهد مسبقا بحماية أفراد الأمن من الملاحقات القضائية وأنهم بعيدون عن دوائر المحاسبة والمساءلة القانونية إذا تورطوا في قتل نفس أو فقء عين.

وبالتالي لن ينصفك القانون في أي منازعة قضائية كان الأمن أحد أطرافها ولا سيما إذا كانت القضية لها أبعاد سياسية.

ولذلك يسعد المصريون بكل سلوك يكسر من هيبة الشرطة ويحقر من شأنها، ويعتبره بمثابة انتصار رمزي على آلة القمع والتنكيل، وإنجازا مرضيا لنفوسهم العاجزة عن نيل حقوقهم بالوسائل القانونية المشروعة.

ثانيًا، فرد الأمن مجبول على الطاعة العمياء لا تحركه بواعث أخلاقية أو نزعات دينية، ويمكنه أن يقتلك في اللحظة التي يتلقى أمرًا بذلك دون أن يشعر بخجل نفسي أو تأنيب للضمير.

ثالثا، النادر لا قاعدة له والغالب جاز في حقه التعميم.

فإذا كانت السمة الغالبة لأفراد الأمن هي العنف والتعذيب والقتل والتصفية الجسدية خارج إطارالقانون، فإن الغالب (أو الكثير حدوثه) يخرج مخرج العام في الحكم على جميع الأفراد بالسلوك عينه.

فلا يمكن اعتبار حوادث التعذيب انتهاكا فرديا إذا تكررت وكثرحدوثها في فترات زمنية قصيرة، ويكون من المعقول اعتبارها ممارسات منهجية منظمة تمارسها الدولة ضد معارضيها.

رابعًا، إن الشرطة قد تخلت عن دورها في ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار ومحاربة مظاهر البلطجة والجريمة، وانصرفت إلى حماية النظام وترسيخ أقدام الدولة المستبدة، ولذلك يبتعد الأفراد عادة عن أي جهات رسمية في حل الخلافات، وقلما من يلجأ إلى الشرطة لحل مشكلة أو فض نزاع.

أخيرًا، الدولة لا ترغب في اكتساب هيبتها عبر توفير الحقوق أو الالتزام بواجباتها،  أو بناء جسور الثقة والاحترام بينها وبين المواطن، بل ترغب في بث روح الفرقة وإثارة العداوة وتعزيز الانقسام المجتمعي بين أبناء الوطن، وتعميق فجوة الخلاف بين الأحزاب والقوى السياسية باعتبارها الأسباب الرئيسية التي تعزز لها البقاء والوجود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست