كل يوم يهل علينا ومعه أحداث تتشكل, وأخطاء تقع، وجرائم ترتكب، ثم تمر الأيام تباعا لتخلف وراءها أخطاء دونما مخطئ وجرائم دونما مجرم، ليتولد في الأذهان تساؤلا بديهيا؛ هل نحن مسؤولون عما يحدث؟

قبل الإجابة علي هذا التساؤل, دعونا نحلل أولا ما الذي يحدث؟

يحدث أن هناك ثورة قامت منذ سنوات أربع, ثم ضلت طريقها وفقدت رايتها, هذا على أكثر الآراء تفاؤلا, وفوتنا بانقياد الجمهور وسذاجة القادة أكبر فرصة مواتية للتغير في الأمة العربية إبان العصر الحديث, والتي ربما لا تكرر في المستقبل القريب.

يحدث أن جماعة الإخوان المسلمين, أحد أهم مكونات الثورة المصرية, دب في رأسها النزاع والخصومة, فصرفت الجهود العظيمة لهؤلاء المصلحين إلى غير سبيلها، وشغلوا الجميع معهم, وقدموا بذلك أجمل هدية للنظام المجرم وضربوا الثورة في مقتل قبيل ذكراها الخامسة.

يحدث أن ما سمي بخارطة الطريق قد شارفت على الانتهاء بعد إتمام الانتخابات النيابية، ودعك يا عزيزي من أن الأمر برمته باطل، وأن كل الإجراءات التي اتخدت في الوقت ما بعد الثالث من يوليو كانت على دماء وأشلاء؛ دعنا نقر أنه في نهاية المطاف استطاع الجنرال أن يحرز تقدما بقوة الأمر الواقع  وينفذ ما أراد بفضل أخطاء معارضيه لا دهاء نظامه، وكان حقا على مناهضي الانقلاب أن يعملوا جاهدين لعرقلة إتمام هذه العبثيات بدلا من شغل ساحة الثورة بأمور ليست ذات بال، وليست من أولويات المرحلة.

فهل يستقيم أن نرفع من على كاهل النظام عبء مواجهة مناهضيه، ونخلي له الساحة يثبت بها أركانه ويدق بها أوتاده، هل يستقيم أن نصرف جهودنا لمعارك لا أقول جانبية؛ بل هي معارك داخلية أشبه بالنيران الصديقة!

هل يستقيم أن يحدث كل هذا العبث وآلاف الأنفس البريئة قد دفعت حياتها لأجل أن تحيا هذه الأمة حياة كريمة، وعشرات الآلاف من سجناء الرأي قد رهنوا حياتهم على سواعد رفاقهم بالخارج، تركوا علي عاتقهم أمانة تحرير البلاد والعباد، وما علموا يوما أن من تركوهم خارج أسوار الظلم ليسوا على قدر المسؤولية وعظم الأمانة.

إذا؛ لا يصح أن نقول ،هل نحن مسوؤلون عما يحدث؟

بل الصحيح أن يقال؛ هل هناك مسؤول عنه غيرنا؟!

أتخيل في خضم هذه الأحداث المتقلبة، أن واحدا من آلاف المعتقلين الذين كيلت لهم المؤبدات والإعدامات ظلما وعدوانا،  استرد حريته، فخرج إلينا وفوجئ بما آلت إليه أحوالنا، ربما من صدمته يفضل أن يعود إلى السجن، بعد أن يزجرنا قائلا:

( لم تخونوا دماء الشهداء فحسب، بل وضعتم رقاب خمسين ألف معتقل تحت سكين الجلادين بهذه السذاجة وتلكم الأهواء.)

الخطر المحدق بالثورة أكبر من أن نغض الطرف عنه، وأظنني أتحدث بعين الواقع حين أقول إن الثورة المصرية تحتضر الآن وأن علينا انتظار فرصة أخرى بعد أن يدور الزمان دورته غدا منطقا لكثيرين من الثوار، ولهذا إن لم ننحِّ الأهواء جانبا فلن نسلم من لعنات الأجيال اللاحقة لنا، وإن كان شيئا من إدراك للمرحلة وحرص علي الثورة، فعلى السادة سائقي قطار الثورة التوقف قليلا والعودة لمقاعد الركاب مرة أخرى، وعلى السادة ركاب القطار التقدم لحمل الراية وإنقاذ الرحلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست