"استفت نفسك واستفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتَوك"،يرددها الناس دون أن يعلموا المقصد الحقيقى منها ويفسرها البعض خطأ، لذلك توضح دار الإفتاء المصرية، فى فتوى لها :أن المقصد ليس معناها أن تختار لنفسك ما تشاء دون علم ولكن معناها الحقيقى أنه إذا خيرت بين أمرين وكلامها صحيح من عالم حق، فاستفت قلبك فى أى الرأيين يكون مناسبا لحالتك.

وتابعت دار الإفتاء الحالة التى يستفتى فيها المؤمن قلبه دون الرجوع لأحد عندما لا يجد من العلماء الصالحين من يفتيه وهم كثيرون فى زماننا فى المؤسسات الدينية الرسمية فحينها يستفتى قلبه ويعمل بما يرتاح له ولكن أيضا عن علم بالله عز وجل ومعرفة بدينه.

وأضافت فليس هناك استفتاء للقلب دون علم وهذا خطأ يقع فيه الكثيرون اليوم،روى الإمام أحمد فى مسنده عن وابصة بن معبد الأسدى رضى الله عنه أنه قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: دعونى فأدنو منه، فإنه أحب الناس إلى أن أدنو منه، قال: «دعوا وابصة، ادن يا وابصة» مرتين أو ثلاثًا، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال: "«يا وابصة، أخبرك أم تسألني؟» قلت: لا، بل أخبرنى، فقال: "«جئت تسألنى عن البر والإثم»، فقال: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن فى صدرى، ويقول: «يا وابصة استفت قلبك، واستفت نفسك» ثلاث مرات، «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك فى النفس وتردد فى الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتَوك»، وقد حَسَّن الإمام النووى إسناده فى الأربعين.

وفسرت دار الإفتاء حديث الرسول :: ليس معنى الحديث أن يكون مدار معرفة الأحكام الشرعية وتمييز الصحيح فيها على مجرد التذوق النفسانى والشعور القلبي؛ فللعلماء مسلكان فى توجيه الحديث .."

فمنهم من جعله خاصًّا بوابصة رضى الله عنه؛ لأجل معنى معين قام به، وعليه فإن الحكم لا يتعداه لغيره؛ ويكون الحديث حيئذ فى واقعة عين لا عموم لها؛ قال حجة الإسلام الإمام الغزالى فى "إحياء علوم الدين" : [ لم يرد عليه السلام كل أحد إلى فتوى القلب، وإنما قال ذلك لوابصة؛ لما كان قد عرف من حاله ] اهـ
ومنهم من جعله فى المؤمن الذى تحقق بنور الإيمان وترقى فى مراتب التقى والعرفان إذا واجه أمرًا يشتبه فى حِلّه أو جوازه، ولم يجد فيه قولاً لأحد إلا ممن لا يوثق بعلمه أو دينه؛ قال الحافظ ابن رجب الحنبلى فى "جامع العلوم والحكم" : [ وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع فى نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء، وحك فى صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يفتى فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حك فى صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون] اهـ.، وقال الملا على القارى الحنفى فى "مرقاة المفاتيح" : [وقيل: المعنِى بهذا الأمر أرباب البصائر من أهل النظر والفكر المستقيمة، وأصحاب الفراسات من ذوى النفوس المرتاضة والقلوب السليمة ......] اهـ