اتسمت العلاقات المصرية السعودية بحالة من التأرجح الكبير بين مختلف الأنظمة الحاكمة لمصر، على اعتبار أن النظام الحاكم في السعودية متغير ثابت يسير على خط واحد هو خط الأسرة الحاكمة، بينما تقلبت مصر في حكمها بداية بالملكية ثم الجمهورية، وفي ظل الجمهورية تقلبت بين الحكم الاشتراكي في الحقبة الناصرية، والحكم الرأسمالي في الحقبة الساداتية ومن بعدها الحقبة المباركية، ثم بعد الثورة وحكم المجلس العسكري تلاه حكم الإخوان المسلمين، ثم سقوطهم وعودة الجيش للحكم، وأخيرًا حكم السيسي.

وفي إطار هذه المحطات المتعددة التي على أساسها تحددت طبيعة العلاقات البينية بينهما، فإننا سنتوقف عند المحطة الأخيرة؛ لسبر أغوارها ولنتعرف على طبيعة العلاقات الحاكمة ومحدداتها، في إطار الإجابة على سؤال مركزي يوجه دائمًا حينما يتم الحديث عن علاقات بين فاعلين من الدول أو من غير الدول، وهو هل العلاقات المصرية السعودية بعد 30 يونيو تمثل تحالفًا إستراتيجيًّا أم مصالحَ ومنافع متبادلة مؤقتة؟

قبل الإجابة على سؤال المقال، يجب التطرق لما أحدثته الثورات العربية في الدور السعودي كقوة إقليمية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، فقد جاءت الثورات العربية لتقضي على المحاور التقليدية في المنطقة وهي محاور الممانعة والاعتدال، في ظل غياب فاعلين إقليميين رئيسيين مصر وسوريا، وهو ما ساعد السعودية على أن تظهر في موضع ليس قوة إقليمية فقط بل موضع قيادة بشكل تلقائي، ومن هنا بدأ التنافس القوي مع ظهور الدور التركي الإقليمي الذي حاول أن يسوق نفسه بوصفه دولة نموذجًا تعبر عن النجاح في التوفيق بين ما هو ديني وسياسي من ناحية، وبين ما هو عسكري ومدني من ناحية، في ظل تجربة ديمقراطية ناجحة. أيضًا ظهر الدور الإيراني الإقليمي الذي حاول أن يسوق نفسه بوصفه دولة نموذجًا تعبر عن نظام ثوري يتوافق مع طبيعة اللحظة الثورية التي كانت تعيشها دول الربيع العربي آنذاك.

ليس الغرض من هذه المقالة هو تأطير شامل للمحددات الحاكمة للعلاقات المصرية السعودية بعد 30 يونيو، وإنما سيتم التركيز على دافع التوجه السعودي نحو مصر في ظل وجود مهددات إقليمية – من وجهة نظر المملكة – تهدد الأسرة الحاكمة تهديدًا وجوديًا من ناحية، والتوجه المصري نحو السعودية في ظل سعيها للحصول على دعم اقتصادي؛ لتحقيق استقرار سياسي داخلي من ناحية أخرى كمحدد لهذه العلاقات، وفي إطار الحديث عن هذا المحدد، سيتم تناوله في ظل حكم الملك عبد الله بن عبد العزيز وفي حكم الملك سلمان بن عبد العزيز.

يجب الإشارة إلى أن هناك محددًا مشتركًا حكم توجهات الدولة السعودية سواء في ظل حكم عبد الله أو سلمان، وهو السعي دائمًا لأن تظل مصر دولة مستقرة، يسمح لها بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستثمارية فيها من ناحية، ويمكنها من الاستناد عليها في ظل وجود مخاطر إقليمية تهددها من ناحية أخرى، لكن الاستقرار الذي تنشده  السعودية لمصر ليس كالاستقرار الذي نرغب فيه نحن المصريين لبلدنا، حيث ترغب المملكة لمصر استقرارًا لا يؤهلها لأن تقود العالم العربي والإسلامي، إنما استقرار مشروط يتوقف اكتماله وتحقيقه على الدعم الاقتصادي والسياسي من السعودية لمصر، خاصة وأن مصر هي التي يمكن أن تنافس بقوة السعودية في حجز مقعد الدولة القائدة في المنطقة العربية، خاصة وأن كلًا من تركيا وإيران باعتبارهما قوتين إقليميتين يفتقدان لطبيعة الهوية القومية العربية، بينما مصر تجمع بين الهوية الإسلامية والعربية، وهي التي تعتمد عليها السعودية في لعب دورها القيادي الحالي في المنطقة.

الملك عبد الله والتهديد الإخواني:

بعد اندلاع ثورات الربيع العربي وظهور فاعليتها في خلع رؤوس الأنظمة الحاكمة في دول كمصر وتونس وليبيا واليمن، وظهور جماعة الإخوان المسلمين كأحد التنظيمات الفاعلة في هذه الثورات في هذه الدول، من هنا بدأت النظم الخليجية الحاكمة تتوجس خيفة من إمكانية تمدد الثورات العربية لدولها، بعد أن وجدت الأنظمة العربية تتساقط كقطع الشطرنج، ومن ثم تأرجح موقف دول الخليج من الثورات العربية بين المعارضة والاحتواء، باستثناء الثورة السورية التي أيدتها نتيجة لعوامل جيوسياسية، وبما أن جماعة الإخوان كانت أحد التنظيمات الفاعلة في هذه الثورات في مختلف الدول العربية التي شهدت ربيعًا عربيًا آنذاك، فإن السعودية ارتأت في سقوط حكم الإخوان وتولي الجيش الحكم، والذي انتهى بتنصيب السيسي رئيسًا لمصر؛ الفرصة الذهبية لضرب جماعة الإخوان سياسيًا وتنظيميًا وماديًا بتجفيف منابعها المختلفة.

ومن هنا جاء الدعم غير المحدود من السعودية لمصر في حكم السيسي، سواء على المستوى الاقتصادي وذلك بالدعم النقدي أو العيني، أو على المستوى السياسي من خلال جلب الدعم الدولي لسلطة ما بعد 3/7 سواء على مستوى المنظمات الدولية أو الدول الكبرى، وبالتالي كانت صيغة التعاون هذه كعقد بين الدولتين.

الملك سلمان والتهديد الإيراني:

مع رحيل الملك عبد الله وتولي الملك سلمان الحكم، شهدت المملكة تغيرات واضحة على المستوى الداخلي وبنية النظام، وعلى المستوى الخارجي في سياستها الخارجية تجاه دائرتها الإقليمية، فبينما كان وصول جيل أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود للسلطة، من خلال تولي محمد بن نايف منصب ولي العهد وتولي محمد بن سلمان منصب ولي ولي العهد؛ هو السمة البارزة للتطور الحاصل في بنية النظام السياسي، فإن موقف السعودية من تيارات الإسلام السياسي في القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين، وإعطاء مواجهة النفوذ والتمدد الإيراني في المنطقة أولوية على مواجهة ثورات الربيع العربي وجماعة الإخوان المسلمين، كانت السمة البارزة للتطور الحاصل في سياسة المملكة الخارجية.

وقد اختلفت الآراء حول مرد هذا التغيير بين من أرجعه لسمات شخصية وميول ذاتية تتعلق بالملك سلمان، خاصة فيما يتعلق بموقفه من جماعة الإخوان وهو ما أستبعده، وبين من يرى هذا التطور في ضوء مجموعة من التطورات الإقليمية وهي ما أرجحها، أولها وأهمها هو تمدد الحوثيين في اليمن وسقوط العاصمة صنعاء في يدهم، بما يمثل هذا التطور من تهديد خطير للأمن القومي السعودي، ولعل تمدد الحوثيين لهذه الدرجة يمكن إرجاعه لإستراتيجية الملك عبد الله في إعطاء الثورات العربية وجماعة الإخوان أولوية على مواجهة النفوذ الإيراني، ثانيها هو الضعف الذي وصلت إليه جماعة الإخوان بعد الضربات الأمنية التي وجهت لهم، وبالتالي لم تعد المملكة ترى في الجماعة خطرًا يمكن أن يهددها مع تعاظم الخطر الإيراني.

وبرغم تراجع جماعة الإخوان والثورات العربية كمهدد للسعودية ودول الخليج، ومن ثم غيابه كمهدد إقليمي وكدافع لتعاون وتقارب سعودي مصري، إلا أن التمدد الإيراني المتمثل في سقوط صنعاء في يد الحوثيين كان المهدد الإقليمي البديل والدافع الجديد لتعاون وتقارب سعودي مصري أقوى، في ظل استمرار معادلة الدعم الاقتصادي والسياسي من المملكة لمصر، في مقابل الدعم السياسي واللوجستي والعسكري من مصر لها في مواجهة النفوذ الإيراني، ومن ثم من مصلحة النظام المصري على المدى القصير والمتوسط أن يظل هناك تأزم في العلاقات السعودية الإيرانية، تجعل السعودية في حاجة دائمة لمصر وتجعل من مصر وزنًا مهمًا في ضبط التوازنات السياسية في المنطقة، ولعل هذا يكون مفسرًا لسر التوجه المصري منذ فترة تجاه محور إيران وروسيا وبشار، حيث جاءت تلك الخطوة ردَّ فعلٍ للتوجه السعودي نحو تركيا وقطر وجماعة الإخوان من ناحية، ولحاجة السلطة المصرية مرة أخرى للدعم الخليجي الاقتصادي بعد توقفه؛ نظرًا لما تتعرض له دول الخليج من عجز في الموازنة نتيجة لانخفاض أسعار النفط، وللاستنزاف الاقتصادي السعودي نتيجة تدخله العسكري في اليمن.

ويمكن قراءة عودة الدعم الاقتصادي السعودي الأخير لمصر في ذات السياق، حيث قرر الملك سلمان توفير احتياجات مصر من النفط لمدة 5 سنوات، فضلا عن زيادة حجم الاستثمارات إلى 30 مليار ريال، في مقابل موافقة مصر على الدخول في التحالف الإسلامي العسكري بقيادة السعودية والتي أعلنت عنه في 16 ديسمبر 2015 تحت دعوى محاربة الإرهاب. وهنا أتوقف عند نقطتين، الأولى تتعلق بالمعنى السياسي الذي تحمله موافقة مصر للانضمام لهذا التحالف، حيث تعد بمثابة تخلٍّ عن محور إيران وروسيا وبشار، ولكن هذا لا يعني القطيعة أو العداء معهم، وإنما التراجع عن الخطاب المصري المؤيد بكل وضوح لنظام بشار وللحل الروسي للأزمة السورية، والاصطفاف خلف الموقف السعودي من الأزمة على الأقل امتناع مصر عن التأييد العلني لبشار، ومرد ذلك يعود للنقطة الثانية وهي أن هذا التحالف عسكري اسمًا سياسي فعلًا، فالهدف الأساسي منه سياسي، تسعى من خلاله المملكة لموازنة المحور الإقليمي المتشكل من إيران وروسيا والعراق ونظام بشار.

ومن ثم فإن العلاقات المصرية السعودية بعد 30 يونيو لا يمكن التعامل معها باعتبارها تحالفًا إستراتيجيًا بقدر ما هي علاقات تعاون مرحلية متبادلة على المدى المتوسط والقصير، في ظل عمليات تبادل منافع مشتركة آنية، وفي ظل غياب مظلة قيمية سواء عربية أو إسلامية تحكم توجهات السياسة الخارجية لكل منهما تجاه الآخر، وفي ظل منطقة تتسم أحداثها بالديناميكية والسيولة الشديدتين.

مستقبل العلاقات:

أخيرًا فإن مستقبل العلاقات المصرية السعودية يتوقف على العديد من العوامل والمتغيرات، منها عامل مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية ومدى وجود تأزم في هذه العلاقات أو توافق وتقارب، ولكن هذا لا يعني أن التقارب

السعودي الإيراني يعني تباعدًا مصريًّا سعوديًّا، وإنما يتوقف ذلك على عوامل أخرى مكملة كالأزمة السورية والأزمة الليبية والعلاقات السعودية التركية وعلاقة النظام المصري مع جماعة الإخوان، وبالتالي أتوقع أن تظل العلاقات المصرية السعودية متأرجحة بين التقارب والتباعد المؤقت دون الوصول لتحالف إستراتيجي أو عداء دائم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست