شكل شهر يناير من العام 2011 آمالاً منقطعة النظير للأمة العربية جمعاء بعد الإطاحة بالنظام المصري أحد أعمدة الدكتاتورية في المنطقة وأكثرها قوةً؛ لما تتمتع به البلاد من نفوذ كبير في المنطقة وثقل ديموغرافي وقوة عسكرية ممتازة.

وسرعان ما انهار الأمل بالفعل بعد الإطاحة بأول رئيس منتخب؛ حيث انقسم الشارع المصري إلى معسكريْن منفصلين تمامًا، برغم أنه ومن سخرية القدر كلاهما يحمل ذات المطالب “عيش حرية كرامة اجتماعية”.

ومع مرور عامين عقب الإطاحة بمرسي، اقتنع المعظم أن حكم عبد الفتاح السيسي لن يتقدم بمصر بل إن ما حدث هو خطأ كبير وجب إصلاحه، وبالفعل ثمة دعوات كثيرة لمظاهرات جديدة في ذكرى الثورة في 25 يناير من العام 2016 في محاولة للإطاحة بالرئيس السيسي والدعوة لانتخابات جديدة، وهنا نسأل هل هذا ممكن؟

مازالت الأمور كماهي بعد عودة جميع أركان الدولة العميقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى إلى الواجهة لحكم مصر عبر مؤسسات الدولة المختلفة، وأهمها البرلمان المصري “مجلس الشعب”، الذي أصبح جميع أعضائه من النظام القديم، سواء آباء أو أبناء، بالإضافة إلى اكتظاظ السجون بالنشطاء، التي تتحدث أرقام غير مستقلة عن وجود نحو 40 -50 ألف معتقل سياسي تكتظ بهم السجون بحسب تعبير المعتقل السياسي ومن نشطاء حركة رصد “سامح مصطفى”.

الحقيقة أن جملة من الأسباب والعوامل تحول دون نجاحات الثورة المنشودة، ومن تلك الأسباب؛ اختلاف الرؤى في صفوف المعارضة المصرية، ففي حين يطالب الإخوان وحلفاؤهم أن الحل يمكن في عودة مرسي إلى سدة الحكم، ومن ثم نكمل باقي الخطوات  التي تصحح مسار الثورة بعد أن التبس، ترى قوى معارضة أخرى على رأسها 6 من أبريل أن مرسي وجماعة الإخوان جزء من المشكلة وليس الحل وأن إسقاطهم ليس خطأ في حد ذاته، بل قدومهم إلى سدة الحكم هو الخطأ، وأنهم سبب رئيسي في حدوث ما حدث.

سبب آخر يكمن في رؤية عوام الشعب المصري، حيث إنه شارك في كافة المظاهرات في كافة الأقطار داخل وخارج مصر من أجل دعم المظاهرة والجميع اعتبر أن الثورة ثورته وتحدى بها العالم أجمع، سطوة البطش والقتل والتهديد وغيرها، بيد أن الأمور الآن تغيرت، فثورة يناير وحراك 30 يوليو  لم يغيرا شيئًا على أرض الواقع والمشاكل الاقتصادية كالبطالة والكهرباء وتردي الوضع الأمني مازالت قائمة، ولم يشهدا ذاك التقدم في المستوى السياسي، فعلام الثورة إذن، يسأل الشعب المصري نفسه! علام نخرج ونقتل أنفسنا وأبناءنا ولم نستفد شيئًا، لعل مبارك كان الأفضل وإسقاطه كان الخطأ.

وهو بالفعل ما تحدثت عنه صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير لمراسلتها في القاهرة تناول الأوضاع الاقتصادية من وجهة نظر الناس البسطاء هناك، تقول فيه إن الثورة المصرية عنت أمورًا مختلفة لمختلف الناس، ولكن بالنسبة للكثير منهم، فقد كانت سببًا للتفاؤل، فبعد أن أدت الثورة الشعبية إلى استقالة ديكتاتور حكم البلاد لفترة طويلة، بدأ الناس يحلمون بأن تحقيق حياة أفضل أمر ممكن تحقيقه خلال فترة حياتهم، حتى أصبح سواد الحياة في مصر الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحًا”، وتنقل الصحفية عن المواطنين المصريين: “ليس هناك أمل بعد، والمستقبل أسود”.

هذه الأسباب الثلاثة تعد بحق جوهر ما يمكن أن يسبب فشل الثورة وعلاج هذه الأسباب واتحاد الرؤى يمكن أن يقدم شيئًا في المستقبل!

الحقيقة أيضًا أن السيسي ليس ذاك الرجل المريض، فهو صاحب السطوة الأولى في مصر، ولعل الغرب أيقن أن الرجل قد يكون أخطر مما توقع، وهو في بدايات الحكم ولم يمض عليه 30 سنة من الحكم كما كان مبارك، ورجال الحكم التي تدعمه تعلم يقينًا خطورة إن سقط السيسي؟ وأن هذه المرة الفرصة لن تكون مواتية لإسقاطه أية رئيس! وعليه يعمل الكل في القصر الجمهوري على عدم وقوع هذا السيناريو المرعب، فقد ألغى مثلاً الإجازة في 25 يناير  أية إجازة؛ وقررت وزارة الداخلية المصرية وقف جميع الإجازات وأيام العطل للضباط والأمناء والأفراد، بدءًا من يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر، بالإضافة إلى نشر ربع مليون شرطي بمختلف الميادين والشوارع ومحيط الكنائس والمنشآت العامة، تأمينًا لاحتفالات المسيحيين بأعياد رأس السنة الميلادية، الحقيقة أن هذا ليس السبب وإنما وقف أي حراك قادم  قد يشكل أي مظهر يعترض من خلاله المصريون على الحاكم وحاشيته.

أما شخص السيسي فقد تحدث عن الدعوات لعزله والثورة ضد نظامه وقال في آخر كلمة له بمناسبة ذكرى المولد النبوي “لو الشعب كله عايزني أمشي هامشي من غير ما تنزلوا”، حسنًا كيف يعبر الشعب بالفعل عن رغبته في تنحي السيسي بغير مظاهرة ولا احتجاج؟

قد تكون وسائل  التواصل هي الأداة الوحيدة المتوفرة الآن وتقيس إلى حد ما اتجاهات الشعوب، فعقب كلمة السيسي هذه أطلق نشطاء عبر موقعي “فيسبوك” و”تويتر” وسم  “#ارحل_يا_سيسي” ليتصدر خلال دقائق معدودة قائمة أعلى الوسوم تداولاً في مصر، مع مطالبات موحدة من أغلب المشاركين عبر الهاشتاج برحيل السيسي، قائلين إنه لم يجلب سوى “القتل والخراب والشقاق في مصر”.

قد يكون الأمل إذن في الجلوس في غرف مغلقة قبل النزول إلى الميدان والاتفاق على مسودة يمكن أن يسير عليها والابتعاد عن التخشب في المواقف، وأن يتقبل المصريون بعضهم بعضًا والعمل على طرح بديل مجمع عليه شريطة أن يكون قادرًا على قيادة الشباب والمتظاهرين من أجل مواجهة النظام القائم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست