نشر فى : الثلاثاء 26 يناير 2016 - 10:34 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 يناير 2016 - 10:34 م

نظراً لاستخدامي العجلة منذ سنة كوسيلة مواصلات، دربت ذاتي علي رؤية العالم بأقل قدر من الإزعاج، أضع سماعات مشغل الموسيقي التي تحاول عبثاً أن تطغي علي ضوضاء الشارع، فأبواق السيارات والأتوبيسات والميكروباصات تنفر طوال الوقت حتى وأن كانت الإشارة مغلقة، وبالطبع كلمات المتحرشين التي تخترق أذني وتصيبها بـ "تسلخات" حادة لا يقو معها أي علاج سوي التجاهل للأسف.

كانت العجلة أيضاً وسيلتي لإزكاء خيالي، أتابع الوجوه الصامتة في المواصلات خاصة تلك الرؤوس المُلقاة علي حافة نوافذ الأتوبيسات في وهن، وتلك التي تسير هائمة علي غير هدي، أحاول أن أتخيل حياة أخري تتغير فيها هذه الوجوه البائسة تنفرج فيها أساريرهم قليلاً،ربما يريد هذا الرجل سيارة عوض هذا الأتوبيس المكتظ، وهذه السيدة تنتظر منحة تجعلها تستخدم التاكسي كوسيلة تنقل لتتجنب الوقوف وهي تحمل طفلها و"شنط" الخضار وتحاول أن تتشبث بأي شئ حتى لا تفقد توازنها.

الحياة Mute "صامتة" في مصر أرحم، فكثير من الأفواه ما أن ينفلت زمامها حتى تتمني أن تخرسها بلكمة، وهكذا اخترت أن اكتفي بالمشاهدة، وهو ما أقدمت عليه أول أمس 25 يناير، تجرأت بأن أتجول بالعجلة في الشوارع الخالية لأنال قسطاً من المتعة، فالعجلة بالنسبة لي ليست وسيلة مواصلات وإنما ترفيه ورياضة، ولكن ما أتعرض له في الشارع حرمني من تلك المتعة وجعل منها وسيلة هرب فقط من الزحام والتحرش.

دفعتني العجلة لزيارة ميدان التحرير دون أي تخطيط مسبق وبدون أي نية للاحتفال، ولكن فاجأتني التجمعات حتى وأن كانت قليلة، وكانت الأجواء الاحتفالية تحت مظلة رضي وبهجة قوات الأمن التي تسابق الجميع لالتقاط الصور التذكارية معهم خاصة "السيلفي"، وغطت الابتسامات وجوه الجميع رغم سوء الأحوال الجوية التي صدقت فيها هيئة الأرصاد.
المواطنين الشرفاء
تجولت حول "الصينية" التي يرفرف علم مصر عالياً في "نُصب تاريخي" بمنتصفها، ثم قررت التوقف قليلاً لأشاهد فرحة "المتظاهرين"، وكان نصيبي من "الفرجة" بجوار عدد من قوات الأمن المركزي الملثمين حيث انهالت الأحضان والقبلات عليهم، الأمر الذي يدهشني حقاً، التشبث والتعلق برقاب رجال الأمن وارتماء الرجالة خاصة في أحضانهم حتى وأن كانوا من رجال المباحث غير المرتدين الزى الشرطي، ارتسمت ابتسامة عريضة علي وجهي حين تخيلت هؤلاء الملثمون يخلعون أقنعتهم ويصرخون في وجوه هؤلاء "يا عم أنت وهو بتبوسوا ايه.. أرحمونا بقي".

يبدو أن ابتسامتي الزائفة لم تقنع "المواطنين الشرفاء" بسعادتي باحتفالهم، فقرر عدد منهم التحقق من هويتي، هذا بالطبع غير عشرات صور السيلفي التي التقطها المحتفلون معي ومع "العجلة" وفي الخلفية الملثمون ومن خلفهم مجمع التحرير، "صورة جماعية للعبثية"، أجبت علي أسئلتهم بأقل قدر من المصداقية، فانهالت علي النصائح من رجال مختلفين بألا أدمن المخدرات وألا أنضم لأي أصدقاء سوء مخربون، لم تفارقني ابتسامتي "اللزجة" ولكن في بالي "معرفتكش انا كدة.. حاضر يا باشا هخليني في حالي"، وصولاً إلي عرض أحدهم علي التوقف معه قليلاً بمفردنا ليسرد علي ما يمتلكه من أسرار الميدان منذ 25 يناير 2011 لأنه كان يراقب الأحدث من نوافذ مجمع التحرير.

وجوه الميدان 2016

لا يحق لي إلقاء التهم أو حكر البهجة علي فئة بذاتها، ولكن "مين دول..!"، ماذا يفعلون في ميدان التحرير، ما هذا التشابه العجيب لهذه الوجوه "المكفهرة" التي تحتفل باللاشئ، كيف اتفقوا علي هذه التمثلية الباهتة علي أن يؤدي كل منهم دوره بإتقان.

ها هو الرجل السبعيني الذي قد يكون معاشه لايتجاوز معاشه 360 جنية شهرياً لا تكفي لشراء الدواء ولكنه قرر أن يشتري باقة من الزهور ليُهدي وردة لكل شرطي، وإذا ما اشتم فيك أنك صحفي حتى يسرد لك مأساته وقهر الدولة له وفقره وجوعه ومرضه وعدم التفات أحد من المسئولين لمعاناته نظراً لأنه أدني من أن يهتم به أحد، "طيب يعني يا حج أنت مصدق نفسك بالورد ده.!".

السيدة الأربعينية التي تهتف بحياة الرئيس في "عيد الشرطة" وتكيل الاتهامات والسباب لسياسيين، ثم تستشعر اقتراب أحد المصورين فتبدأ نواح دون دموع وتُلقب نفسها بـ "ام الشهيد الذي لا تروي قصته تكتفي باسمه "علي" ولا تتكبد عناء حمل صورة له وإنما تحتضن صورة الرئيس، حتى يأتي رجل مبتسم من بعيد وينادي عليها لتُغير مكانها حتى تلتقطها عدسات أخري فتهز رأسها مبتسمة وتجمع "عدة الشغل" وتنتقل لمكان أخر.

مسنين ومرضي وفقراء تجمعوا كلهم من مختلف المحافظات في ميدان التحرير يوم 25 يناير، لا يملك بعضهم ثمن تذكرة العودة، ولا يملكون إجابات واضحة لسبب احتفالهم، لكنهم يرفعون صورة واحدة وهي صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في وله يحتضنون صورته، مرددين ثقتهم في قدرته علي تخفيف أوجاعهم، يشبهون من أتوا من كل القرى والمدن فقراء ومرضي ومشلولين عند قدم المسيح ليشفيهم ويطعمهم.

اهرب لحياتك

ابتسامات زائفة في منتهي الرياء و"الصفرة" لم تقو علي محو شقاء حقيقي من وجوه بائسة، وإذا ما قررت أن تجعل الحياة Mute ولا تستمع لأغانيهم وهتافاتهم ستتخيل للحظة أن هؤلاء في التحرير للتظاهر وليس للاحتفال، ولكن باغتتني آية من الإنجيل "هذا الشعب يكرمني بشفتيه.. أما قلبه فبعيد عني" عندما تحدث الله عن رياء اليهود الذين اخذوا من المظاهر وترديد كلام أجوف وسيلة لخداع الله وتجنب غضبه، هكذا يفعل من يظنون أن أدائهم المظهري سوف يجعلهم ينالون رضي القوي العليا، خاصة من يسعون دائماً لتأليه الحاكم.

لم احتمل البقاء طويلا في هذا "المشهد السريالي" وإلا أصاب وجهي تشنجات "الابتسامة البائسة" التي ترتسم عليه، ولكن ظل التساؤل يلح في أذني "مين دول.. وبيحتفلوا بإيه.. وازاي اتجمعوا كدة مع بعض وهما شبه بعض..!".

في نهاية اليوم وجدتني أردد كلمات إيليا أبو ماضي:

أقبل العيدُ، ولكن ليس في الناس المسرة

لا أرى إلا وُجوهاً كالحات مكفهرة

وعيوناً دنقت فيها الأماني المستحره

فهي حيرى ذاهلاتٌ في الذي تهوى وتكره

وخدوداً باهيات قد كساها الهم صفرة

ليس للقوم حديثٌ غيرُ شكوى مستمرة

قد تساوى عندهم لليأسِ نفع ومضره

لا تسل ماذا عراهُم كلهم يجهلُ أمره

لا تكن مُراً، ولا تجعل حياة الغير مرَّه

25 يناير يراه البعض عيد "الشرطة"، وآخرون عيد "الثورة"، بينما جعله فريق أخر عيد "الرئيس"، وكل يناجي ليلاه، وفي طريق عودتي في الشوارع الخالية الآمنة ونادرا ما تكون هكذا، ويبدو أننا بحاجة دائما لنُذكر أنفسنا بأن مصر جميلة في الأجازات والعطلات الرسمية، هتفت بكل براءة "ربنا يجعل كل أيامنا ثورة" فقط لتخلو الشوارع من العابثين والزحام والوجوه البائسة الفقيرة وتعم البهجة الجميع حتى رجال الأمن، فهذا ما تفعله الثورات حقاً، ولا تكن مُراً ولا تجعل حياة الغير مُره هكذا يقول أبو ماضي.