مازلنا نقترب يوما تلو الآخر من الذكرى الخامسة للثورة، وإن كانت الثورة مستمرة، ولم تتوقف منذ بدء انطلاقها في الأول من الخامس والعشرين من يناير لعام ألفين وإحدى عشر، فالاحتجاجات مستمرة, وتعبير الثوار عن رفضهم للدولة الديكتاتورية القمعية مستمر.

ترى هل تغيرت المبادئ والأهداف التي حملتها كل ذكرى عن الأخرى؟

في الذكرى الأولى لثورة يناير لعام ألفين واثني عشر، كان المطلب الأساسي للثوار من احتفال بالذكرى الأولى من جانب التيار الإسلامي، مع مطالبة تسليم السلطة للمدنيين عن طريق صناديق الاقتراع، وما كانت تحمله قوى المعارضة الليبرالية من مطالب، كتسليم السلطة من المجلس العسكري “لطنطاوي” إلي المدنيين في شكل مجلس رئاسي مكون من بعض الشخصيات المحسوبة على كل التيارات، استطاعت تلك الكتلة الأخيرة من جذب قطاع واسع من الشباب المشاركين سابقا في إحداث محمد محمود كشباب “الأولتراس” والمجموعات الشبابية الجديدة الصاعدة المكونة بعد الثورة على يد المجلس العسكري عندما دعاهم لتشكيل تلك المجموعات، ومقابلتهم في “نادي الجلاء” بالإضافة إلي قطاع كبير من الشباب المستقلين الذين لا يحملون أي انتماءات لا حزبية ولا حركية.

وما إن بدأت فاعليات الذكرى الأولى، تصادم شركاء يناير في ميدان التحرير، فيتهم الطرف الليبرالي الطرف الآخر بالسعي نحو مصالحة الخاصة، واتخاذ الجانب الإصلاحي في ظل كل الدماء التي أريقت في المواقع السابقة كمجلس الوزراء وموقعة محمد محمود، وقد اتهم الطرف الإسلامي الطرف الآخر أحيانا بالتخريب وهدم المكتسبات التي قد حصل عليها بانتزاعها من المجلس العسكري “كالبرلمان منتخب” واتهامات أخرى باطنية مدعية أن من يحرك تلك المجموعات المناهضة لهم يعملون تحت إشراف الثورة المضادة والمجلس العسكري, حتى يتثنى له القضاء على كل المعارضة بعد جرهم في معارك الميادين والشوارع والقضاء على خارطة الطريق الإصلاحية.

كان هناك تفاهم وتوافق بين القليل من الطرفين في تقدير الموقف الراهن جيدا، إلا أن أصوات التخوين والصخب وبث الفرقة برعاية الثورة المضادة كانت الأعلى.

على أية حال فقد تسلم الدكتور محمد مرسي منصب رئيس الجمهورية بعدما أعلن الإخوان المسلمون من قبل عدم ترشحهم للرئاسة، وكان الدافع لذلك الترشح هو سحب المجلس العسكري بساط السلطة التشريعية بعد حل مجلس الشعب، فأصبح البديل هو السعي لكسب السلطة التنفيذية، ربما كان التيار الإسلامي المعارض لا يثق في غيره من حمل أمانة الثورة، لذلك قد تحركوا نيابة عنها، وكشفت لنا الأيام الحالية كذب وادعاءات الكثير من القوة السياسية وأصبحوا الآن في مرمى أحضان الثورة المضادة.

مرت الذكرى الأولى للثورة وأتت الذكرى الثانية، ولكنها الآن في ظل حكم الرئيس محمد مرسي، كان أغلب المطالب تتمثل في “إقالة حكومة هشام قنديل” والعودة إلى “مباديء اتفاق الفيرمونت” من إعادة تشكيل “اللجنة التأسيسية لوضع الدستور” وفي رأيي أن التسلخ من اتفاق الفيرمونت كان له أثر كبير في شق الصف الثوري, وكان يمكن أن يجنبنا ضربات الثورة المضادة لاستغلالها ذلك الخلاف.

زاد الإصرار لدى جماعة “للإخوان المسلمين” وأن كانوا يملكون الحق بعدما استعانت “جبهة الإنقاذ” بعمرو موسى وفلول الثورة المضادة، والدعم المعنوي العسكري، وبداية خطوات الانقلاب العسكري الممنهج.

أما في الذكري الثالثة للثورة فكان المشهد مختلفا تماما، فقيادات “جماعة الإخوان المسلمين” داخل المعتقلات، ويتبنى أبناؤها المسار الثوري, وتمسكت قيادات “جبهة الإنقاذ” بالنظام الانقلابي الدموي، وخصوصا في تأييدهم لفض رابعة العدوية وما تبعها من قتل، وحرق المعتصمين السلميين، وبالنسبة  للشباب فهم في حالة انقسام بين مطلب عودة مرسي وعدمه، ومازالت الخلافات بينهم قائمة إلى الآن, وإن كانوا جميعا يتفقون على إسقاط النظام الانقلابي.

لم تختلف الذكرى الرابعة عن الثالثة كثيرا، اللهم إلا بعضا من قيادات جبهة الإنقاذ والمعارضين السابقين للدكتور مرسي بدؤوا في القفز من المركب الانقلابي، وبدأت دعوات الاصطفاف بين شباب الثورة تؤتي أكلها كل حين، ومازال الثوار في الشوارع والميادين مع تزايد التضحيات من الشهداء والمعتقلين والمطاردين.

ونحن الآن على مشارف الذكرى الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير، ومازالت الخلافات والأخطاء السابقة قائمة إلى الآن، وإذا نظرنا بأعيينا إلي تلك الخلافات مستفيدين من التجارب السابقة فنجد أنها  تتعلق بعدم الاتفاق على “خارطة طريق” واحدة، مع عدم وجود “اصطفاف ثوري” موحد، بالإضافة إلى عدم مخاطبة وكسب “الكتل الحرجة”.
وإذا كانت الأيام القليلة القادمة التي تسبقنا عن الذكرى الخامسة لثورة يناير لا تأتي “باصطفاف وطني” و”خارطة طريق موحدة”، ولا حتى خطاب وعي موجه “للكتل الحرجة”، فلن تختلف كثيرا عن ذكرياتها السابقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست