لم يكن حديث بعض الساسة داخل الوسط الإسرائيلي عن إقامة ميناء بالقرب من شواطئ غزة وليد اليوم، بل بدأت الفكرة أوائل شهر نيسان عام 2011 حينما تواترت العديد من تقديرات المحللين والعسكريين الإسرائيليين بشأن تنفيذها ضمن أهداف الحكومة الإسرائيلية آنذاك.

هدفت الحكومة وقتها من إنشاء ميناء ومطار على ظهر جزيرة صناعية بحرية قبالة سواحل غزة، وفقًا لما أعلنته حكومة الاحتلال، إلى تسهيل تواصل سكان القطاع مع العالم الخارجي، في حين رأى البعض أنها فرصة لتعزيز الانفصال عن القطاع.

وبعد خمس سنوات من الإعلان عن المشروع المقترح، والذي لم يكتب له الموافقة سياسيًّا وعسكريًّا بعد، يعيد وزير المواصلات في الحكومة الإسرائيلية “يسرائيل كاتس” الأذهان اليوم إلى ما أعلنه أواسط عام 2011 أن الحكومة ستقرر اعتماده -المشروع- في المحافل الدولية.

خلال الأيام القليلة الماضية كشف “كاتس” عبر صفحته الشخصية في موقع “فيس بوك” عن وجود خطة لبناء جزيرة اصطناعية على بعد 4 كيلومترات من شاطئ غزة، وعليها ميناء ومنشآت طاقة ومطار لنقل البضائع إلى القطاع.

ولفت الوزير إلى أن الفكرة أصبحت ملحّة في إطار إستراتيجية جديدة تهدف إلى الانفصال عن قطاع غزة، كما رأى المراقبون أيضًا، فضلًا عن تحسين صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي عبر مساهمتها في منح الفلسطينيين مقومات الحصار، للهروب من مسؤوليتها في الحصار المفروض على غزة منذ عشر سنوات.

بينما لم تلتفت كثيرًا الحكومة الإسرائيلية إلى تصريحات وزيرها، ممثلة برئيسها “بنيامين نتنياهو”، والذي يعد صاحب القرار النهائي لأي مشروع أو مقترح تطرحه الأطراف المعارضة أو المؤيدة لسياسته في الصراع مع الفلسطينيين.

مشروع الجزيرة الاصطناعية:


من يقرأ بين سطور وزير المواصلات الإسرائيلي فيما يتعلق ببناء جزيرة بالقرب من غزة، يدرك جيدًا سعي الحكومة الإسرائيلية إلى قطع العلاقات مع القطاع والانتقال إلى سياسة الردع، لا سيما بعد الحروب الأخيرة التي شنتها على سكان غزة.

وتشمل الخطة التي رسمتها شركة موانئ إسرائيل وتمويلها على يد جهات دولية إقامة جزيرة اصطناعية في بحر غزة، على بعد 4.5 كيلومتر من الشاطئ، وعليها ميناء ومنشآت خاصة بالطاقة، وبعدها سيكون ممكنًا بناء مطار. ويتخلل المقترح أيضًا وصل الجزيرة بغزة بواسطة جسر وعليه نقطة تفتيش، وعبره يتم نقل الكهرباء والماء والبضائع والأشخاص، ما يعطي مؤشرًا واضحًا لأن تكون إسرائيل المسؤول الرئيسي عن الأمن البحري والتفتيش في الميناء، وهو ما ترفضه الأوساط الفلسطينية.

ويرى “كاتس” أن هذا المقترح سيمكن إسرائيل من المحافظة على حق الرد على أي هجوم قادم مع الجانب الفلسطيني، فضلًا عن فتح الباب واسعًا أمام التعاون مع أي جهات عربية وغربية تتشارك بها مصالح مهمة.

جدية إسرائيل في إقامة ميناء:


لا يمكن إغفال السياسة الإسرائيلية عند طرحها أو مناقشتها أي مشروع بأن يكون الهدف الأسمى منه هو حماية أمنها، وتكريس الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، إلى جانب تحقيق قوة الردع للمقاومة الفلسطينية بغزة، والتي تعاظمت في السنوات القليلة الماضية.

وبالتالي، بدت للوهلة الأولى أهداف إسرائيل من إقامة ميناء بحري في قطاع غزة على أنها إنسانية بحتة عبر السماح للسكان بتصدير البضائع واستيرادها، والمساهمة في خلق أجواء من التغلب على مقومات الحياة الصعبة بفعل الحصار المطبق على السكان منذ حزيران 2006، إلا أن خبراء يشيرون إلى أن الرغبة الإسرائيلية من وراء المقترح تكمن في تكريس الفصل النهائي بين الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة جغرافية واحدة، وتخليص قطاع غزة من التبعية الاقتصادية والقانونية لإسرائيل.

إلى جانب إثبات أنه لم تعد هناك حجة أمام المجتمع الدولي للمطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، لا سيما في ظل تسارع وتيرة الدعوات المحلية والدولية من جهات حقوقية وإنسانة بضرورة رفع الحصار.

صحيح أن الحكومة الإسرائيلية لم تصدر قرارًا رسميًّا بشأن مشروع وزارة المواصلات، كونه يأتي من شخص معارض لسياسات “نتنياهو”، بين أن الوزير الإسرائيلي “أوري أريئيل” من حزب “البيت اليهودي”، المعروف بمواقفه الدينية واليمينية، أيد مؤخرًا فكرة إقامة ميناء بحري في قطاع غزة.

تزامنت هذه التصريحات مع كثرة الحديث مؤخرًا عن تقارب في المحادثات التركية الإسرائيلية بشأن المصالحة بينهما، مقابل تخفيف الأخيرة الحصار المفروض عن قطاع غزة، وهو ما رفضته، ما أدى إلى توقف أي مباحثات في الوقت الحالي.

وبما أن السلطة الفلسطينية قد وصلت إلى طريق مسدود في عملية التسوية والمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، فإن إسرائيل تحاول عبر المقترح خلق جو جديد بعد عزلتها دوليًّا مؤخرًا من قبل بعض الدول الأوروبية بسبب الحروب التي شنتها على القطاع.

قراءة سياسية ذات أبعاد أخرى ذهبت إلى القول إن إسرائيل تهدف عبر المخطط البحري إلى إنهاء المقاومة في غزة، حيث لا يمكن لإسرائيل إقامة الميناء على مقربة من سواحل القطاع دون إيجاد مخطط مستقبلي تعمل بموجبه على حل قضية الصواريخ التي بحوزة المقاومة، ومن السهل قصف الجزيرة بواسطتها.

ولا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل تنظر إلى القطاع كونه “كيانًا معاديًا”، مع إدراكها أن الحلول العسكرية معه لم تعد ذو جدوى بعد شن ثلاث حروب في غضون ست سنوات، ما يؤهلها إلى العمل على خلق حلول سياسية ذات مصلحة عليا لها، وأنظار قريبة من غزة.

بالإضافة إلى أن إسرائيل لا تريد أي دور محوري لتركيا في قطاع غزة، وتفعيل القضية من جديد بصيغة رفع الحصار عن القطاع، عقب الحديث عن تفاهمات تركية إسرائيلية وعودة للمصالحة من جديد أواخر العام الماضي.

مبادرات إسرائيلية ودولية لإنشاء ميناء في غزة:


مع انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، والتي استمرت لـ51 يومًا دكت فيها المقاتلات الحربية الإسرائيلية معظم المناطق، وأفرزت عن استشهاد وجرح الآلاف من الفلسطينيين، اشترط الطرفان “الفلسطيني والإسرائيلي” برعاية مصرية، وقف إطلاق النار، مقابل مباحثات جدية بشأن رفع الحصار، وإنشاء ميناء ومطار.

لم تستجب إسرائيل حينها لأي شروط أو مطالب فلسطينية بعد وقف إطلاق النار، إلا أن أطرافًا “إسرائيلية” خرجت بعد مرور أربعة أشهر على الحرب بمقترح يدرس حل أزمة قطاع غزة ببناء جزيرة يقام عليها ميناء ومطار، وتديره الولايات المتحدة أو الناتو.

وما أن تم طرح المشروع عبر وسائل الإعلام حتى رفضته الأطراف الفلسطينية، واعتبرته يسهم بشكل أكبر في تشديد الحصار أكثر على سكان القطاع.

وقد خرجت العديد من المبادرات الإسرائيلية لإيجاد حل لأزمة قطاع غزة، من خلال مبادرة طرحتها أوساط إسرائيلية كبديل عن إنشاء ميناء ومطار كما نصت عليه تفاهمات اتفاق “الشاطئ 26 أغسطس 2014”. حيث شملت الاقتراحات تقديم أربعة بدائل لإنشاء ميناء ومطار، أولها إقامة منارة خاصة بغزة في ميناء أسدود البحري، وثانيها إقامة ميناء في منطقة “العريض، بني حيان- مرجعيون”، على الحدود اللبنانية تخدم القطاع.

أما البديل الثالث هو إقامة ميناء في قبرص أو اليونان، والأخير إقامة منارة عائمة في المياه العميقة تبعد عدد من الكيلومترات عن شاطئ القطاع، أو جزيرة اصطناعية مع تواصل بري مع القطاع.

كل هذه الخيارات لم تر النور حتى اللحظة، وما زالت حديثًا يتواتر عبر وسائل الإعلام، رغم المطالبات الفلسطينية بضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين المقاومة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي.

آخر المبادرات كانت ما عرفت باسم “مبادرة بلير”، والتي قادها مبعوث الرباعية الدولية السابق إلى منطقة الشرق الأوسط “توني بلير”، بين الطرف الفلسطيني والإسرائيلي لتثبيت تهدئة طويلة مع قطاع غزة. حيث اشترطت “إسرائيل وبلير”، مقابل الموافقة على إنشاء الميناء والمطار والتسهيلات ورفع الحصار، توقيع الحركة الإسلامية على نص مكتوب عن عدم ممانعتها في إقامة دولة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967.

لكن حركة حماس رفضت ذلك، واعتبرت الشروط أو العروض التي قدمها “بلير” لا تلبي حاجات الشعب الفلسطيني، ولا تطلعاته، إذ ترفض الأولى الحديث عن تهدئة دون تخفيف الحصار عن قطاع غزة.

وتمركزت مطالب الحركة حول رفع الحصار، وإعادة الإعمار، والتمكين من صرف رواتب الموظفين، بالإضافة إلى فتح طرق آمنة للتنقل، وإدخال البضائع، غير تلك التي تسيطر عليها إسرائيل، في إشارة للمطار والميناء.

وفي النهاية لم يكتب للمبادرة النجاح كونها تعرضت أيضًا لضغوط إسرائيلية ومصرية كما يشير المراقبون؛ حيث رأى الطرفان أنها تتنافى مع “مقتضيات حماية الأمن القومي” على الحدود مع قطاع غزة، وبالتالي تبقى كل هذه المبادرات صورية ما لم تر النور على الأرض.