لم تكن تعلم شيماء الصباغ، التي قضت أربعة أعوام من عمرها في قلب الميدان وسط الاشتباكات والكر والفر، وهتاف ممزوجة بالدموع مع أول قنبلة غاز مسيل للدموع، على طرف ميدان الرمل باﻹسكندرية، أن الموت سيأتي بهذه السهولة.


في كل مرة كانت تخرج شيماء- المولودة في 4 يناير 1983-، كانت احتمالات الموت واردة فرصاصة طائشة يمكن أن تأتيك من حيث لا تدري، لكن هذه المرة كانت أكثر الأوقات يمكن استحضار الطمأنينة، فحزب التحالف الشعبي الاشتراكي الذي تنتمى إليه قرر الاحتفال بشهداء ثورة يناير لكن بطريقة مختلفة.


في 24 يناير من العام الماضي، قرر الحزب تأبين شهداء الثورة ووضع باقات الورود بميدان التحرير في مسيرة ضمت حوالي 30 فردا.


الزهور الجميلة تموت عاجلا مع انقطاع قطرات المياه، ولكن زهور يناير لا تموت، كل من ارتبطوا بها لم تفلح معهم حملات التشوية والتخوين صورهم تملئ الجدران، ويتحولون مع الزمن لرموز لما بقي من حراك.


على طرف ميدان طلعت حرب، صدرت أوامر فض التظاهرة التي رفعت الورد رمزًا للسلمية، ليبدأ وابل من قنابل الغاز المسيل للدموع، وطلقات الخرطوش الموجه لصدور شباب حزب التحالف الشعبي.


لم تجر شيماء من أمام طلقات الخرطوش كما يحكي سيد أبو العلا، أقرب أعضاء حزب التحالف الشعبي لشيماء وقتها، والذي ظهر في الصورة الشهيرة لحظة قتلها.


وأضاف أبو العلا: "حاولت أنا واثنين من الزملاء أن نقنع شيماء بالتحرك من المكان لكنها رفضت فكانت لا تخاف من صوت الرصاص".


وأكمل شهادته عن الواقعة، التي سجلتها "مصر العربية" حينها،:بعد أن بدأ إطلاق الخرطوش أجبرناها أنا واثنين من الزملاء على مغادرة المكان، وكانت عناصر الشرطة الملثمين يطلقون علينا الخرطوش والغاز، وآخرين بزي مدني يلقون القبض على المتواجدين بالمكان، من خلفنا كان يوجد ضابط ملثم ولواء شرطة يشير نحونا، بعدها أصيبت شيماء الصباغ، وتم إلقاء القبض على اثنين من الزملاء، فحملتها للجانب الآخر من الشارع".


وأردف: "كنت متخيل أن إصابة شيماء عادية لكن بعد اجتياز الشارع بدأ الدم يخرج بكثافة من فمها.. أيقنت وقتها أن الخرطوش دخل جسمها بشكل كامل فلم يصاب أحد من القريبين منها سوى الزميل الذي جاورها من ناحية اليمين فقط، حملتها بعدها وحاولت أدخل بها الممر المؤدي لمقهى زهرة البستان، لكن قبض علينا جميعا حتى الطبيب الذي تواجد بالصدفة على المقهى وحاول إسعافها أخذوه معنا للمدرعة".


"كانت شيماء أول من هتفت بـ (عيش حرية عدالة اجتماعية) بعدما أطلقت الشرطة الغاز والخرطوش، آخر كلمة قالتها "إحنا مش هنمشي لو مشينا يبقى بنعمل للدخلية اللي هى عايزاها.. لذلك قتلت"، بحسب أبو العلا.


لم تتوقف مسيرة شيماء الصباغ على العمل السياسي فقط، بل امتدت للعمل العمالي، فكانت أمينة العمل الجماهيري بالحزب لجانب كونها شاعرة، حولت الحياة اليومية لشعر يتغنى به من يعرفون ومن لا يعرفون.

 

وطبع أول ديوان شعر لها عقب وفاتها "على ضهر تذكرة"وهو ديوان شعر عامية، سجلت فيه الصباغ حكايات من الشوارع والاعتصامات العمالية.


إذا كان الحديث عن خلود الوردة الثائرة ضرب من المبالغة، فمع شيماء الصباغ يختلف الوضع، نفس الملامح الدقيقة لها تجسدت في "بيبو" صاحب السنوات الست، ابنها الذي حكم عليه القدر أن يصبح يتيما ﻷجل عيون الثورة، الآن يغني للحب والسلام كما كانت تغني والدته قبل عام من الآن.


نشر عدد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو ، لنجل شيماء الصباغ بلال، صاحب السنوات الست، وهو يغني للحب والسلام، ليسطر بداية استكمال حكاية "شهيدة الورد".


في يونيو الماضي قضت محكمة الجنايات بحبس الضابط ياسين صلاح (24 عاما) 15 عاما بتهمة "ضرب" المتظاهرة شيماء الصباغ بطريقة "أفضت إلى وفاتها".