نشرت مجلة «ناشيونال إنترست »مقالًا للكاتب «ماكس ريبام»، استشاري الأعمال ضمن المجموعة الاستشارية للمخاطر في واشنطن، تحدث خلاله حول التحدي الذي تمثله قضية مكافحة الفساد أمام الاستقرار السياسي في مصر.

واستهل الكاتب مقاله بالقول إنه، ومع طي صفحة الذكرى الخامسة للثورة المصرية، يبدو أن المحللين قد بالغوا في تقدير تأثير الهشاشة السياسية للبلاد والتحديات الأمنية على الاستقرار، مقارنة بالمهدد الرئيسي للاستقرار في البلاد، وهو الفساد. مؤكدًا أنه على الرغم من أن إلقاء اللوم على “الليبرالية الجديدة” أو رجال الأعمال الذين استفادوا من النظام القديم مألوف، فإن مشكلة الفساد في مصر هي نتيجة لضغوط اجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدًا، وهي تحتاج إلى مصالحة وطنية من أجل حلها، وهذا يعني إغلاق هذا الفصل الأكثر إثارة للجدل من المنازعات مع رجال الأعمال في مصر، وكذا الحد من الحواجز القانونية التي تحول دون تدشين برامج استثمارية جديدة، وفقًا لقوله.

ويشير الكاتب إلى أنه كثيرًا ما يكون هناك سوء فهم أثناء الحديث عن تحدي الفساد من قبل المعلقين في مصر منذ عام 2011، فالفساد في مصر ذو شقين. كما يؤكد على وجود طبقتين مختلفتين من الفساد، أولهما هو الفساد منخفض المستوى الذي غالبًا ما يشير إلى السلطات المتعسفة للطبقة الواسعة من البيروقراطيين، وتضم بشكل رئيسي رجال الشرطة وكبار الموظفين والمسؤولين في التعليم والصحة الذين يشرفون على الخدمات الحكومية غير الكفؤة، وقد كان هؤلاء هم الدافع الأكثر وضوحًا وراء الاحتجاجات الشعبية في مصر خلال ما يسمى الربيع العربي.

أما المستوى الثاني، وفقًا للكاتب، فهو التجاوز في استخدام السلطة والاستحواذ غير التنافسي على الثروة من قبل بعض رجال الأعمال ذوي العلاقات النافذة. وهذا النموذج الثاني من الفساد أقل ملموسية بالنسبة إلى الغالبية العظمى من المصريين، ولكنه كان سببًا رئيسيًّا في الفتور العام في مواجهة عائلة مبارك وشركائهم في أوائل عام 2011.

فشل في مكافحة الفساد

ويشير الكاتب إلى أنه في يونيو/حزيران عام 2012، وبعد أكثر من عام على الثورة، تم انتخاب محمد مرسي لرئاسة البلاد، وهو مهندس قليل الخبرة ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أنه كان ينظر إليه على أنه دائم الانتقاد للفساد السياسي، فإنه قد أبدى شهية منخفضة للتصدي للفساد منخفض المستوى حين وصل إلى السلطة. وأكد الكاتب على فشل مرسي في مواصلة الإصلاحات القانونية المجدية التي من شأنها أن تجعل هيئات القطاع العام أكثر خضوعًا للمساءلة، خصوصًا مع تركيزه بشكل أكبر على السياسة، وعلى صناعة قاعدة نفوذ لجماعة الإخوان المسلمين، ما جعله يفشل في مواجهة التحديات الأساسية التي ما تزال تؤجج مشاكل الفساد في مصر.

وبعدما تمت الإطاحة بمرسي، في صيف عام 2013، فإن الحكومة التي يقودها الجيش، والتي حلت محله، لم تقم بإدخال أي إصلاحات فعالة من وجهة نظر الكاتب. من ناحية، وأشار المقال إلى قيام السيسي بالإشراف على إصدار دستور جديد للبلاد، وتوظيف مجموعة من التكنوقراط والمحققين رفيعي المستوى بهدف معالجة جوانب مشكلة الفساد في البلاد، ولكن جميع هذه المبادرات قد أثبتت أنها غير فعالة. فعلى الرغم من أن الدستور المصري يلزم الحكومة بشكل كبير بمكافحة الفساد، فإن «المنافسة بين المؤسسات القائمة، جنبًا إلى جنب مع تداخل الاختصاصات يقوض تنفيذ إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد».

EGYPT-UNREST-BOMB-JUDICIARY-FUNERALويشر الكاتب إلى أن التكنوقراط قد ظهروا بشكل بارز أثناء حكم السيسي، ولكنهم كانوا أيضًا، وفي أحيان كثيرة، موضعًا لاتهامات غير لائقة. وقد ضرب مثالًا على ذلك برئيس وزراء مصر الأسبق، إبراهيم محلب، الذي لم يمكنه تفادي الخلافات الطويلة المتعلقة به والتي تعود إلى عهد مبارك، حيث تولى محلب في وقت سابق رئاسة إحدى كبرى شركات الإنشاءات في البلاد، والتي اتهمت بأنها نفذت التجديدات في المساكن الخاصة بأسرة مبارك على نفقة الدولة. مؤكدًا على أن هذه الاتهامات قد شوهت من مصداقية محلب وأضرت بسمعة حكومته باعتبارها حكومة تكنوقراط.

وأشار الكاتب إلى أن أبرز عمليات الملاحقة لرجال الأعمال البارزين كانت في الجزء الأكبر منها نتيجة لقرارات تعسفية ذات دوافع سياسية تزامنت مع الأوقات الصعبة التي يعيشها نظام السيسي. وأشار في هذا الصدد إلى مسألة اعتقال رجل الأعمال صلاح دياب، صاحب مجموعة “بيكو”، وهي واحدة من كبرى المجموعات الاستثمارية في مصر، دون تقديم أسباب واضحة لاعتقاله. مشيرًا إلى أن عملية الاعتقال جاءت متزامنة مع فيضانات شديدة في الإسكندرية. في هذا التوقيت، كانت قد قامت إحدى الصحف المصرية واسعة الانتشار المملوكة لدياب بانتقاد الاستجابة الباهتة للحكومة، ما دفع البعض إلى تفسير اعتقال دياب على أنه نوع من الانتقام الحكومي. وقد تسبب الاعتقال في صدمة كبيرة لمجتمع الأعمال المصري؛ ما دفع الحكومة إلى التراجع سريعًا والإفراج بهدوء عن دياب، ورفع التجميد عن الأصول المملوكة له بعد أيام قليلة من اعتقاله.

محاربة الفساد

Egypt's ex-army chief and leading presidential candidate Abdel Fattah al-Sisi gives his first television interview since announcing his candidacy in Cairo on May 4, 2014. Sisi is expected to win the May 26-27 election easily riding on a wave of popularity after he ousted in July Mohamed Morsi, Egypt's first freely elected president. The 59-year-old retired field marshal, dressed in a suit and appearing composed and often smiling in what was a pre-recorded interview, is seen by supporters as a strong leader who can restore stability, but his opponents fear that might come at the cost of freedoms sought in the pro-democracy uprising three years ago. AFP PHOTO/STR (Photo credit should read STR/AFP/Getty Images)

ويشير الكاتب إلى أن هناك اعتقادًا سائدًا بأن الفساد على مستوى منخفض ضروري من أجل ضمان الخدمات الحكومية المحلية الفعالة، وهذا الاعتقاد يعوق أي علاج حقيقي يهدف إلى تحسين الاقتصاد الكلي للبلاد. ويشير إلى أن الفساد، بطبيعة الحال، غالبًا ما تتم مكافحته في الاقتصادات عالية الأداء من خلال تحجيم الحكومة زيادة فاعلية القطاع الخاص. ويقترح الكاتب قيام الحكومة باتخاذ ثلاث خطوات ملموسة من شأنها أن تبدأ في تخفيف الفساد، وإعادة تفعيل الاستثمار الأجنبي وفقًا لرؤيته:

أولًا: يجب على الحكومة أن تضع حدًّا لتلك الدوامة المفككة من المحاكمات ذات الدوافع السياسية لرجال الأعمال الناجحين وذوي الثروات الكبرى. حيث تسبب المحاكمات التعسفية ضد رجال الأعمال مثل دياب فزعًا للمستثمرين الأجانب، وتقلل من مجموع الشركاء المحتملين لمصر بين صفوف كبرى الشركات النفطية والبنوك، وغيرهم من المستثمرين.

ثانيًا: يجب على الحكومة أن تقوم بتعزيز قانون الاستثمار الجديد الذي تم تمريره خلال العام الماضي. ويشير الكاتب إلى أن البرلمان المصري الجديد، على الرغم من كونه غير تمثيلي، فإنه يجب أن يلعب دورًا في تعديل قانون الاستثمار، ليشكل إجراءات أكثر وضوحًا للمناقصات الحكومية لمشاريع البنية التحتية الكبيرة، وبيع الأراضي العامة.

ثالثًا: ينصح الكاتب الحكومة أن تقود حملة مصالحة وطنية تهدف إلى طي صفحة الخلافات العالقة مع رجال الأعمال المبعدين، والذين فقدوا مصداقيتهم من رموز عهد مبارك، على أن يسمح برنامج المصالحة لرجال الأعمال باستعادة الأصول التي تم اكتسابها بطريقة غير مشروعة في مصر، والتي يتم التحقيق فيها من خلال هيئة الكسب غير المشروع في مصر من خلال دفع غرامات وتسويات يتم تحديدها عبر التقاضي. وعلى الرغم من أن مثل هذه المبادرة قد تبدو في ظاهرها أنها حصانة للمجرمين وتزيد الحوافز من أجل المزيد من المخالفات، إلا أن الضرر الذي أصاب سمعة هؤلاء الأفراد، جعل من المرجح أن القليل جدًّا من الشركاء الأجانب قد يبدون راغبين في العمل معهم وفقًا للكاتب، وبخاصة مع عدم وجود إرادة سياسية لإيداع رجال الأعمال المرتبطين مع نظام مبارك قيد السجن لفترات طويلة.

ويشير المقال إلى أن هناك تكلفة اقتصادية واجتماعية هائلة يجب على مصر أن تتحملها من أجل متابعة إجراءات التحكيم ضد رجال الأعمال في المنفى في الولايات القضائية الدولية، في حين يمكن لمثل هذه المبادرة أن تجلب المليارات إلى مصر، والتي يمكن توجيهها نحو المبادرات الصحية والتعليمية الجديدة، وبرامج التدريب المهني، وقطاع الطاقة المتجددة.

ويختم الكاتب مقاله بالقول إن مثل هذه التدابير سوف تؤكد التزام الحكومة بإصلاح القطاع العام، وسوف تسهم في خلق حالة من الوضوح بالنسبة للمستثمرين الأجانب الذين يتطلعون إلى إعادة الدخول إلى مصر ، كما أنها تبدو لا غنى عنها حال كانت مصر جادة في فطم نفسها عن الدعم المالي من دول الخليج، التي تكافح هي الأخرى خلال فترة من انخفاض أسعار النفط وتزايد التوترات الإقليمية.

لقراءة المقال من المصدر الأصلي من هنا.