هناك الكثير من المؤمنين والمروجين لنظرية المؤامرة التي تفسر كل الأحداث والوقائع غير المتوقعة وغير المرحب بها، والتي يصعب عليهم تفسيرها، وعلى النقيض تماما، هناك الكثير من المؤمنين والمروجين أنه لا توجد مؤامرة على الإطلاق، وأن لكل حدث أسباب ومقدمات، ويقوم به أشخاص لأسباب مقنعة، ولأهداف يريدون تحقيقها، بدون تحريض أو توجيه من أطراف أخرى.

سمعنا جميعاً العديد من النظريات التي أقرت بأن ثورات الربيع العربي، وعلى رأسها الثورة المصرية، ما هي إلا تنفيذ لإحدى هذه المؤامرات على مستقبل المنطقة “المشرق”، فيما أطلقوا عليه الشرق الأوسط الجديد.

وتابعنا التحذيرات من مؤامرات لتقسيم: تونس وليبيا واليمن ومصر إلى دويلات صغيرة، طبقاً لهذه المؤامرة الكبرى، ومع خفوت هذه النظرية صعدت في الأفق نظرية أخرى للمؤامرة على الجيوش العربية القوية وتفكيكها، وبعدها بدأت طبول مؤامرة الحرب العلمانية على الإسلام تظهر على الساحة، وسرعان ما خفتت هذه النغمة؛ لتصعد مؤامرات أخرى، وتتصدر المشهد على الساحة، ومنها المؤامرة على الشرعية، التي يؤمن الملايين أنها تهددهم، ثم عادت مؤامرة نشر الفوضى، وهدم مؤسسات الدولة المستمرة، والتي تبناها الكثيرون، ومؤامرة الثورة المضادة التي يعتقد المؤمنون بها أنها تعمل منذ قيام الثورة؛ وهدفها القضاء على الثورة وعودة الأمور لحدود ما قبل 25 يناير.

من المؤكد إن الثورة المصرية كانت شعبية خالصة، وبلا أي توجيه خارجي، ولم تتدخل القوى العالمية في صنعها، ولم يشارك فيها أجانب، ولا مخابرات الغرب، ولا الشرق، كما روّج البعض، ولكن من المؤكد أن كل هذه القوى لم تتوقف لحظة عن محاولة حفظ مصالحها التي قد تهددها الثورة وما ستسفر عنه.

ومن المؤكد أيضاً أن أصحاب المصالح وأعداء الوطن في الخارج والداخل حاولوا ويحاولون وسوف يحاولون استمراره في دوامة تستهلك قواه وتضعفه وتحفظ مصالحهم، ولكن تبقى الحقيقة أنهم لا يستطيعون التحكم في أية قوى وطنية على أرض الواقع.
ومن البديهي أن من قامت عليهم الثورة من الفاسدين واللصوص يحاولون جاهدين العودة مرة أخرى للمشهد والحفاظ على مكتسباتهم، ولكنهم لا يمكنهم التحكم في المشهد برمته.

نحن نعلم أن هناك أنظمة حكم فاسدة تسرق وتنهب وتقتل من أجل مصالحها، هذا يحدث منذ قديم الأزل. ونعلم كذلك أن القوى العالمية تتآمر للقضاء والاستيلاء على ثروات الدول الصغيرة والضعيفة هذه أيضاً إحدى سنن الله في الأرض.

إن كل مؤامرة يلزم لتحقيقها وجود: متآمرين، ومُتآمر عليهم، ونجاح المتآمرين في تحقيق أهداف مؤامرتهم هو فشل للمتآمر عليهم في قراءة المشهد ومقاومة وتفكيك هذه المؤامرة. وتفسير كل حدث أنه بسبب المؤامرات الكونية هو قمة الكذب أو الفشل أو كليهما؛ لأنه لا يمكن أن تكون دائماً مفعولا به، دون أن تحاول أن تكون فاعلاً.

وتبقى الحقيقة أن أرض الواقع تحتوي عل مشهد متشابك الأبعاد، شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح والمؤامرات، كما القيم والشعارات، تتداخل فيه الثقافات والحضارات والأيدولوجيات، تتعاون في أوقات وتتصارع أوقاتاً أخرى، وتنجر تارة إلى فعل هنا، وتارة إلى رد فعل هناك، مما يجعل من الواقع لوحة كبيرة متعددة الألوان وغابة كبيرة متشابكة الأغصان لا تستطيع أى من الرؤيتين أن تفسره بشكل كامل.

لا يمكن للعالم أن يُرسم باللون الأسود والأبيض فقط؛ فإن اللون الرمادي يشغل حيزا كبير من اللوحة، وإيمانك أو عدم إيمانك بنظرية المؤامرة لن يبطل المؤامرة في حال وجودها، ولكن الإيمان بالأهداف الوطنية بعيداً عن المصالح الشخصية أو الحزبية أو المؤسسية الضيقة، والحفاظ على مقدرات الوطن، مهما تصاعدت الخصومة السياسية، هي الوحيدة القادرة على إبطال أية مؤامرة إن وُجدت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست