قال الزعيم الراحل مصطفى النحاس مخاطبًا الضباط الأحرار بعد حركة انقلاب الجيش: “إن حبل الباطل قصير، وإن طال شنق صاحبه”.

ربما سنوات عمرنا القصيرة كشباب ثورة الخامس والعشرين من   يناير المجيدة، رحمتنا من خوض تجربة الحكم العسكري في مصر   منذ انقلاب الجيش على السلطة يوم 23 يوليو عام 1952،   فلم نشهد بداياته، وكانت كل معرفتنا بالتاريخ تتلخص فيما     أملته علينا المناهج الدراسية، بأن ما حدث يومها كان ثورة     أنقذت مصر من براثن الفساد، وأخرجت الشعب من الظلام إلى النور وحررتنا من الاحتلال، وسقط الملك، وبدأت مصر   عهد الجمهورية لتغرق في أزهى عصور الديمقراطية والتنمية.

لكن التاريخ كالغنائم يكتبه دائما المنتصر. وعند محاولة إعادة   قراءة التاريخ، سنُدرك أن الضباط الأحرار أنفسهم كانوا يعترفون فيما بينهم، بأن ما حدث كان انقلابا وليس ثورة حتى تم تمييع  الكلمة مع الوقت، كما ذكر اللواء محمد نجيب في مذكراته،    لتُستخدم كلمة أقل حدة في اللغة وهي “حركة الضباط الأحرار” ثم تم تغليفها بمصطلح الثورة، بعدما وجدت قبولا لها من جموع الشعب، فصُبغ كل ما تمخضت عنه الحركة بالثورية. على أثر   ذلك تم إنشاء مجلس قيادة الثورة، وتشكيل محكمة الثورة.

وساد مصر قبل انقلاب الجيش بسنوات بالتحديد في الفترة ما  بين 1945 حتى حريق القاهرة في بدايات عام 1952 مناخ   سياسي فاسد كان يتكالب فيه حزب الوفد وأحزاب الملك على السلطة، الملك الذي كان لا يفوت فرصة واحدة ليعبث      بالدستور كما يشاء. يكلف الناس أنفسهم عناء انتخاب نواب الشعب ليجدوا بعدها قرارا بحل البرلمان أو بإقالة الحكومة        الممنوحة الثقة من مجلس النواب، وزاد المناخ السياسي فسادا  حتى أن مصر شهدت ثلاث حكومات متعاقبة في الأشهر      الأربعة الأخيرة التي سبقت حدوث الانقلاب.

وجد الشعب نفسه بعد سنوات من الصراع السياسي وتدخل سلطة الملك في العبث بإرداتهم، أن الديمقراطية ليست بالحل الناجع لمعظم مشاكلهم، وأن القضية الأبرز المطروحة حينها، وهي جلاء الإنجليز وإلغاء معاهدة عام 1936، لن تأتي عن  طريق السياسية ومهاترات البرلمان. فكفر الشعب بالديمقراطية   وأصبح ينتظر الخلاص الذي يأتي بعيدا عن الانتخاب. وربما     يفسر ذلك ما حدث بعد انقلاب الجيش من تأييد الشعب له، وتحمله كل القرارات التي اتخذها عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة ومن ضمنها قانون إلغاء الأحزاب الذي قضى فيه عبد الناصر بحل كل الأحزاب السياسية لينفرد بالسلطة.

ومن تلك اللحظة بدأ جنرالات الجيش وضع قواعد جديدة    للعبة الديمقراطية، وابتدعوا كمعظم الانقلابات العسكرية في     العالم مفهوم الديمقراطية المنقوصة، وتصدير فكرة أن الاستحقاق الديمقراطي يتلخص في صندوق يذهب إليه الناخب ليدلي      بصوته، ولا يهم هنا المناخ العام الذي تتم فيه العملية           الديمقراطية نفسها. فنجد على سبيل الذكر وليس الحصر ما   حدث عام 1979، حين قام الرئيس الراحل السادات بحل     البرلمان؛ لأنه يعارض سياسته.  حتي عندما أُغتيل السادات في  ذكري حرب أكتوبر عام 1981، فبدلا من إجراء انتخابات   ديمقراطية نزيهة كان الاستفتاء على تولي نائبه الحكم، فتسقط  حرية الاختيار وينتهي الاستفتاء بنسبة تصويت بالموافقة لا    تجدها إلا في الأنظمة الاستبدادية.

ولأن العقلية واحدة، هذا بالضبط ما فعله المشير طنطاوي في    أول استحقاق ديمقراطي بعد الثورة؛ ليحاول إعادة ما تبقى من ركام نظام المخلوع مبارك، فأجبر الشعب وفصائله الثورية على  الاستفتاء على التعديلات الدستورية -فيما عُرف باستفتاء      “مارس”- والذي كان بمثابة أول مسمار في نعش الثورة.

وتوالت بعد ذلك الاستحقاقات الديمقراطية من انتخاب مجلس  نواب على دماء شهداء محمد محمود عام 2011، إلى          انتخابات رئاسية جاءت بمرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي حتى بلغت أكثر من سبع استحقاقات بين انتخابات          واستفتاءات على الدستور وترقيعه. في فترة لا تتجاوز الخمس  سنوات، وجد الشعب فيها أن صوته في الصندوق لا يغير من   الواقع في شيء.

كل ما حدث بعد الموجة الثورية في 30 يونيو كانت محاولات جادة لإحياء نظام حكم العسكريين في مصر، بدأت بتراجع    المشير عبد الفتاح السيسي عن عدم نيته خوض الانتخابات    الرئاسية، ليخوضها بعد أن صدره الإعلام على أنه البديل       الوحيد لإنقاذ مصر!. جاء بنفس عقلية سابقيه من تصدير     مشاريع وهمية لا طائل من ورائها غير مبدأ الصيت ولا الغنى،   وسياسة تكميم الأفواه، وعودة نفس ممارسات النظام السابق من اعتقالات وزوار نصف الليل، وغرته عقلية الستينيات البائسة، غير مُدرك أنه يحكم جيلا ثائرا لن يقنع بأنصاف الحلول، ولن    ترضيه سياسة الترقيع.

وتجلى الفشل في أزهى صوره لتكتمل لوحة الديمقراطية الزائفة   ببرلمان 2016، برلمان يُدرك الجميع أنه تمت هندسته على يد    المخابرات وأجهزة الدولة الأمنية، حتى إن أعضاءه أنفسهم    حين اختلفوا على تقسيم التورتة، هرعوا للتهديد بكشف        التعليمات التي تأتي لهم. ليضم البرلمان ائتلافا يُعرف باسم       ائتلاف دعم الدولة يقوده سامح سيف اليزل، ليخترع          العسكريون مفاهيم جديدة في الديمقراطية تعني أن المعارضة هي دعم الدولة وانتقاد الحكومة دون المساس بشخص الرئيس!. هنا بالفعل طال حبل الباطل من النظام بآخر استحقاق ديمقراطي جعلنا مسخة أمام العالم ليشنق نظام الحكم العسكري في مصر إلى الأبد.

وصدرت أجهزة الإعلام سوء اختيار الشعب لنوابه، فيصرح أحد الصحفيين المحسوبين على الأمن أن هذا اختيارنا نتحمله، وأن هذا البرلمان يشبهنا فلم الدهشة؟، نحن شعب همجي جاهل   فجاء بنواب مثله، ونعود لنكفر بالديمقراطية مرة أخرى، لكن    تظل الديمقراطية الكاملة هي الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست