الذين يلحون، طوال الوقت، على أنهم في بيوتهم قاعدون، يتناولون "الفيشار"، ويتفرجون على التظاهرات، يسيئون لأنفسهم ولتاريخهم، قبل أن يسفهوا من فكرة الخروج ضد السلطة، في ظل انعدام توازن القوى، أو غياب فرص النجاح في إحداث تغيير كبير في معادلة الحراك.

الإصرار على تثبيت فكرة أن الثورة بلغت سن اليأس، واستراحت على أريكة العقم، وغطت في سبات اللاجدوى من التظاهر، وحريّ بها أن تتشح بالسواد، معلنة ثالوث الإحباط الكريه: لا فائدة.. لا أمل.. لا مستقبل، هو بحد ذاته مشاركة في الحرب النفسية على الذين ينحتون في الصخر، ويتشبثون باختيار المقاومة، من دون مللٍ أو كلل، غير ناظرين إلى النتائج، تأتي مهرولة، والثمار تتساقط في التو واللحظة.

الأسود لا يليق بالثورات، حتى وإن كان الأسود، هنا، من باب التظاهر الصامت، والغضب الساكت، والاحتجاج الأخرس على الظلم والقمع والإهانة، التي تلحق بالجميع، "أهل الحراك" و"أهل الفيشار" معاً، وإن اختلفت قيمة الأثمان المدفوعة، هنا وهناك.

كانت هذه الثورة تردد دوماً "اليأس خيانة"، فلا يليق، هنا، أن يصبح اليأس المفردة الأكثر تردّداً على ألسنة من اعتبرهم الناس "رموزاً ثورية" وأيقونات لامعة. وعلى ذلك، يكون الاتشاح بالسواد أقل ضرراً من تكرار نغمة "مفيش فايدة".

في حواره الذي يدمي القلوب، المنشور عشية الذكرى الخامسة لثورة الكرامة الإنسانية، يبدو الناشط، علاء عبد الفتاح، أقرب إلى تلك المساحة المعتمة من الإحساس باللاجدوى، وهو الذي كان دائماً الأكثر حماساً وتدفقاً بالثورة، حتى، بل خصوصاً، وهو داخل محبسه، الأمر الذي يمكن أن يبين لك الحد الذي بلغته السلطة الحالية في تنكيلها بالمعارضين، وتكسير أجنحة الطيور المحلقة بالحلم، على ارتفاعات أعلى من الجميع.

وكان المتصور أن تكون هذه اللهجة الكسيرة محركة لمشاعر الغضب أكثر، لدى التيار الذي يمثله علاء، وليس الإفراط في إظهار روح الانكسار، وفقدان الأمل، والاختباء تحت أغطية الواقعية الجديدة التي تتضمن إقراراً خفياً بضرورة التسليم والإذعان للجبروت العاصف، الذي يغلف ممارسات سلطةٍ، لم تترك شيئاً إلا وفعلته، لإهانة مشروع 25 يناير كله، وترويج أنه صار  مشروعاً إخوانيا، فقط، وليس حلماً وطنياً جامعاً.

"الفرجة" تصلح للمحايدين الذين يقدمون خدمة جليلة لنظام القمع، حين يعلنون أنهم خرجوا من الحلبة، واتخذوا أماكنهم في مقاعد المتفرجين، بعد انسحابهم لعدم التكافؤ. وأزعم أن هذا المنطق خادش للفكرة الجوهرية في الثورة، باعتبارها إرادة اجتراح معجزة التغيير، حتى وإن بدا، وهماً، أن هذا النظام لا قبل لأحد بمواجهته أو تحديه أو مقاومته.

مسألة الانتقال من "حالة ثورية" إلى "حالة معارضة" للسلطة توفر غطاءً شرعياً لجرائمها، وبدلاً من أن يكون الهدف الأسمى هو إزاحة هذا القبح، وتكسير هذا الجبل من المظالم والانتهاكات المتراكمة، تتصاغر الأحلام والطموحات إلى مجرد تحسين ظروف البقاء تحت هيمنة أولئك الذين يقتلون الحلم، ويمارسون أبشع أساليب الانتقام من الثورة، بحيث لا يبقى الأمر متعلقاً بمحو معالم حلم كان ومضى، بل يتجاوز ذلك إلى إحراق المستقبل، وإكراه الجماهير على الكفر بفكرة التغيير والانعتاق من هذه الحالة المضادة لكل القيم الإنسانية.

وعلى ضوء ذلك، يبقى الذين خرجوا، بالأمس، في المحافظات المصرية هم التعبير الأمثل عن الصمود والاستمساك بإرادة الانعتاق وحلم التغيير، لا يستحقون أبداً ممن ينتمون للثورة أكياس الفيشار والنظر إليهم باعتبارهم موضوعاً للفرجة على دراما مثيرة، وكأنهم يتابعون مباراة في المصارعة الحرة، بين عملاق مدجج بأسلحة مجرمة إنسانياً وسياسياً وأخلاقياً، وفريسة تقاوم حتى النفس الأخير.

كفوا ألسنتكم عن هؤلاء الأبطال القابضين على الجمر، وابقوا كما تشاؤون قابضين على أكياس الفيشار، وواصلوا الفرجة صامتين.