تكشف المداخلة الهاتفية التي أجراها عبدالفتاح السيسي ببرنامج الإعلامي عمرو أديب، أخيراً، وتودّده الملحوظ فيها للشباب، عن الأزمة التي تواجه النظام الحاكم في مصر والضغوط التي يتعرض لها السيسي من دوائر في السلطة لمدّ يد التصالح مع شباب ثورة 25 يناير وغيرهم من القطاعات الشبابية الغاضبة، خوفاً من انتفاضة شبابية قد يسقط النظام أمامها.

وكانت "العربي الجديد" نشرت تقريراً مطوّلاً، أخيراً، عن دفع الدائرة المخابراتية ـ الرقابية التي شكّلها السيسي لإدارة المشهد السياسي باتجاه التقارب مع الشباب لمنع توحد قوى المعارضة، وذلك في مواجهة تمسك الدائرة التقليدية المحافظة التي يتزعمها وزير العدل أحمد الزند بخيار التصعيد والمواجهة ومعاملة كل من يخالف النظام في الرأي على أنه "إرهابي".

وتعكس مداخلة السيسي، بحسب مراقبين، الاضطراب الذي يعانيه النظام، خصوصاً بعد واقعتَي اعتقال رسام الكاريكاتير، إسلام جاويش، وحشد "أولتراس" النادي الأهلي، أخيراً في ملعب مختار التتش في الجزيرة، وترديد هتافات عادت بالزمن إلى أحداث وشعارات ثورة يناير، وما تلاها من تداعيات بلغت ذروتها بمقتل 74 من مشجّعي النادي، في ما يعرف بـ"مذبحة ملعب بورسعيد". ويرى مراقبون، أنّ عبارات السيسي جاءت مرتبكة ومتناقضة، ودلّ هذا على وجود هوة واسعة بين ما يؤمن به فعلاً وما يطبّقه من سياسات، وما يدّعيه أو يعد به لتهدئة الشباب وكسب ودّهم، حسب العربي الجديد.

في بداية المداخلة، تحدّث السيسي بصورة سلبية عن "الأولتراس"، واعتبر أن المجتمع والدولة أخطآ بعدم سماع نصائح الإعلامي الرياضي أحمد شوبير عن "الأولتراس". والمعروف، أنّ شوبير هو الخصم الإعلامي الأبرز لـ"الأولتراس"، وكان يحذّر دائماً من وجودهم والسماح لهم بدخول الملاعب، ليس لأسباب رياضية، بل لأنّهم يتدخلون في السياسة، ويتلفظون بعبارات مشينة، فضلاً عن أنّهم شاركوا في ثورة يناير وإسقاط الرئيس المخلوع، حسني مبارك. وفي منتصف المداخلة، طالب السيسي "أولتراس" الأهلي باختيار 10 أعضاء منهم للاشتراك في لجنة تحقيق جديدة في موقعة "مذبحة بورسعيد"، ويحق لهم فيها إمكانية الاطلاع على التحقيقات السابقة التي أجرتها النيابة العامة، وقضاة التحقيق، ولجان تقصّي الحقائق.

هذا الاقتراح المتأخر بعد 4 سنوات من الجريمة، يرى فيه مراقبون، أنّه يجافي المنطق والقواعد القانونية لأسباب عدّة؛ أوّلها، أن القانون المصري يمنع التحقيق في قضايا انتهى التحقيق فيها بمعرفة النيابة العامة إلّا بأمر القضاء إذا ظهرت دلائل جدية تنسف التحقيقات السابقة. والسبب الثاني، أنّه لم يعد هناك ثمة دلائل يمكن تقديمها في القضية. فقد تم دفن جميع الجثث، وتم تغيير معالم مسرح الجريمة، ولم يتبق سوى مقاطع فيديو محدودة صوّرتها الفضائيات، بالإضافة إلى الأحراز وتحريات الأمن الوطني التي ألقت باللائمة على المتعصبين من جماهير النادي المصري البورسعيدي.

أمّا السبب الثالث، وهو الأطرف ويعكس فوضى إدارة الدولة، بحسب هؤلاء المراقبين، أنّ أجهزة الدولة المصرية جميعها، وتحديداً القضاء والحكومة ووزيرَي العدل والشباب، يتعاملون مع مجموعات "اﻷولتراس" كمنظمات إرهابية، بناء على حكم محكمة الأمور المستعجلة الصادر عام 2014 باعتبار جميع روابط "اﻷولتراس" "إرهابية"، خصوصاً رابطتَي عملاقَي أفريقيا الكرويَّين الأهلي والزمالك، وذلك في دعوى كان قد أقامها رئيس الزمالك مرتضى منصور.

ويعود السبب الرابع، إلى أنّ قضية "مذبحة بورسعيد" حالياً بحوزة أعلى جهة قضائية مصرية، وهي محكمة النقض، إذ صدر فيها حكم جنائي أول ثم تمّ إلغاؤه. وأعيدت المحاكمة وصدر حكم ثان، وطعن الدفاع على الحكم بالنقض. وأيّا كانت نتيجة نظر الطعن، فإن محكمة النقض وحدها هي المختصة بإصدار حكم باتّ في القضية، قد ينتهي بإعدام بعض الأشخاص، بينما السيسي يطلب تشكيل لجنة تحقيق جديدة. ويعتبر المراقبون أنفسهم، أنّ السبب الخامس، هو أنّ السيسي أساساً غير مختص بالتدخل في مسارات التحقيق، لأنها مرتبطة بالقضاء أو البرلمان فقط. وﻻ يوجد في الدستور ما يسمح له بالتدخل في هذه المسألة. ومن المستبعد في هذه الحالة تحديداً، نجاح محاولة استخدام ما بات يعرف بـ"الأذرع القضائية"، لتنفيذ رغبته، ذلك أن القضاء هو الذي حكم على روابط "الأولتراس" وصنّفها بأنها "جماعة إرهابية".

وتعكس هذه الأسباب، بحسب المراقبين أنفسهم، عدم إلمام السيسي والدائرة التي تشير عليه بمثل هذه الرسائل بحقيقة القضية، وأنّهم بهذه الرسائل ﻻ يدغدغون مشاعر الشباب من دون طائل فحسب، بل يتعهدون بأمور شبه مستحيلة، فقط لمغازلة هذا القطاع العريض والغاضب من المواطنين.

وفي سياق آخر من المداخلة، بدا السيسي على النقيض مع نظامه، وهو يؤكد عدم غضبه من انتقاد وسائل التواصل الاجتماعي له ولسياساته، لكنّ حفظه اسم الرسام إسلام جاويش، 27 عاماً، وإلمامه بالواقعة، يدلّ على الاهتمام الكبير الذي أصبحت دائرته توليه للشباب والانتقادات التي يتعرض لها النظام في هذه الوسائل. كما أنّ هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها السيسي برفق عن ومع الشباب منذ فترة طويلة، خصوصاً عندما قال، "نحن من نفشل في التعامل مع الشباب، ولا نوجِد مساحات للتواصل معهم".

قبل ذكرى الثورة، توعّد السيسي الشباب الذين سيخرجون عن النظام بالمواجهة الأمنية والإجراءات المشددة، كما كان دائماً ينفي وجود مشكلة مع الشباب، ويتهم من يروّج ذلك، بأنه ينظر لقطاع بسيط من الشباب هم الأعلى تعليماً والمنخرطون في السياسة، مدّعياً أنه يهتم بالشباب بمعناه الأوسع الذي يضم الأغلبية الصامتة غير المتعلمة أو المهمشة.

وترجّح مصادر أمنية بعد مداخلة السيسي، أن تشهد الأيام المقبلة خطوات ودّية من النظام تجاه الشباب الغاضب، ربما بإصدار قرار العفو عن بعض سجناء التظاهر والذي رفض الزند إصداره الشهر الماضي، أو بإجراءات أخرى كدعوة بعض الرموز الشبابية إلى حوار في قصر الرئاسة، وهو ما لوّح به بعض المقربين من النظام أكثر من مرّة من دون فعل على أرض الواقع.

من جانبها، تؤكد مصادر حقوقية وشبابية تابعت ملف التقارب مع الدولة على مدار الأشهر الماضية، أنّ هناك شبه اتفاق بين رموز النشطاء الثوريين والوجوه المعروفة من الشباب الليبراليين واليساريين، على عدم التعاطي مع أية خطوات إيجابية يبديها النظام، لتأكدهم من عدم جدّيته، واستهدافه شقّ الصف المعارض والثوري. وتضيف هذه المصادر لـ"العربي الجديد"، أنّ النظام بعث بعض رسائل التودّد عبر شخصيات تنتمي للتيار الناصري وأخرى إعلامية، غير أن النشطاء رفضوا الاستجابة لها، لاعتراضهم جذرياً على سياسات النظام الأمنية والقضائية والاجتماعية.