أصدر الخبير الاقتصادي ممدوح الولي نقيب الصحفيين الأسبق، دراسة حديثة، نشرها المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، عن حجم خسائر ونزيف الاقتصاد المصري بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي حتى الآن.

وقال "الولي" إن الدراسة تتضمن بعض أنماط التكلفة التي وردت في بيانات رسمية حكومية، مثل زيادة الدين العام المحلى والدين الخارجى، وانخفاض الموارد من العملات الأجنبية، وتراجع الأرصدة من العملات الأجنبية، والعجز بالموازنة، وانخفاض قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، وارتفاع نسبة التضخم وغيرها من المؤشرات الاقتصادية.

أولًا: ازدياد الدين العام الداخلى

 تم الانقلاب على الرئيس محمد مرسي ورصيد الدين العام المحلى 1527 مليار جنيه بنهاية يونيو 2013، وبلغت أرصدة ذلك الدين بنهاية سبتمبر 2015 نحو 2259 مليار جنيه، بزيادة 732 مليار جنيه خلال 27 شهرا بنمو 48%، وبمتوسط شهرى لزيادة الدين العام المحلى 1ر27 مليار جنيه، وهو المتوسط الشهرى الذي اتجه للزيادة خلال عام 2015، بعد تراجع المنح الخليجية للموازنة، حيث بلغ المتوسط الشهرى للدين العام المحلى 6،30 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام، ليزيد المتوسط الشهرى إلى 3،33 مليار جنيه خلال الربع الثانى من العام، ثم يقفز المتوسط الشهرى إلى 7،46 مليار جنيه خلال الربع الثالث من عام 2015.

 وفي ضوء تكلفة الدين العام بالموازنة العامة والبالغة خلال العام المالى 2015/2016 نحو 502 مليار جنيه، بالإضافة إلى العجز الكلى المتوقع بالموازنة والبالغ 251 مليار جنيه، سيستمر الدين العام المحلى في الصعود، وهو ما سوف تتحمل تكلفته الأجيال القادمة، على حساب أوجه الإنفاق بالموازنة، خاصة الاستثمارات الحكومية وأجور الموظفين والدعم وشراء السلع والخدمات اللازمة لإدارة دولاب العمل الحكومى، حيث استحوذت تكلفة الدين العام الداخلى على نسبة 40% من الإنفاق العام بموازنة 2015/2016.

ثانيًا: ارتفاع الدين الخارجى

بلغ الدين الخارجى بنهاية سبتمبر 2015 نحو 1،46 مليار دولار، بزيادة 9،2 مليار دولار عن رصيد الدين الخارجى عند تولي الجيش الحكم في 3 يوليو 2013، وخلال الشهور التالية لسبتمبر 2015، تصاعدت موجة الاقتراض الخارجى، حيث تم الاتفاق مع البنك الدولى على اقتراض 3 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات تم اعتماد 1 مليار دولار منها. كما جاء التوسع في الاقتراض نتيجة انخفاض المعونات الخليجية التي استمر تدفقها بكثافة حتى نهاية 2014، ثم تراجعت قيمتها حتى بلغت المعونات من كل المصادر الخارجية نحو 6 ملايين دولار فقط خلال الربع الأول من 2015، و58 مليون دولار خلال الربع الثانى من العام، و22 مليون دولار خلال الربع الثالث من عام 2015.

 ثالثًا: مزاحمة الحكومة للشركات على أموال البنوك

 زاد اعتماد حكومات ما بعد 30 يونيو على التمويل المصرفى لتمويل عجز الموازنة، حتى بلغت نسبته 7ر95% من إجمالى قيمة العجز، بموازنة العام المالى 2014 / 2015، مقابل نسبة 41% لنصيب التمويل المصرفى من تمويل عجز الموازنة في آخر موازنة بعهد مبارك، ومن هنا توجهت الحكومة للمزيد من الاقتراض من البنوك والبنك المركزى، إلى جانب قيام البنوك بشراء أدوات الدين الحكومى المتمثلة في سندات وأذون الخزانة.

وكانت النتيجة استحواذ المطلوبات من الحكومة على النصيب الأكبر من الائتمان المحلى بالبنوك، حتى بلغت النسبة لنصيب الحكومة منه 2ر66% في سبتمبر 2015، بخلاف نسبة 6ر3 % لقطاع الأعمال العام، مما أدى لتراجع نصيب القطاع الخاص من الائتمان المحلى. وهكذا زادت قيمة صافى المطلوبات من الحكومة بالبنوك بنحو 6ر582 مليار جنيه خلال 27 شهرا.

ولم تكتف حكومات ما بعد الانقلاب بالاقتراض المحلى والخارجى، حيث اتجهت أيضًا إلى المزيد من الإصدار النقدى، لترتفع أرصدة النقد المصدر إلى 7ر331 مليار جنيه بنهاية سبتمبر 2015، مقابل 1ر364 مليار جنيه بنهاية يونيو 2013، بزيادة 6ر67 مليار جنيه خلال 27 شهرا، بنمو 26%. رابعًا: زيادة العجز بالموازنة رغم المنح رغم حصول الموازنة العامة على 9ر95 مليار جنيه كمنح خلال العام المالى الأول لما بعد 30 يونيو، وزيادة النسبة التي تحصل عليها وزارة المالية من إيرادات الصناديق الخاصة إلى 35% من الإيرادات، مقابل نسبة 20% قبل ذلك، فقد بلغ العجز الكلى بالموازنة 4ر255 مليار جنيه، مقابل 7ر239 مليار جنيه للعجز بالموازنة خلال العام المالى، الذي حكم خلاله الرئيس محمد مرسي، والذي لم يحصل خلاله على منح سوى بنحو 2ر5 مليار جنيه فقط.

وفي العام المالى الثانى 2014/2015، ورغم الحصول على منح بلغت 4ر25 مليار جنيه، فقد زاد العجز الكلى بالموازنة إلى 4ر279 مليار جنيه، بنسبة 5ر11% من الناتج المحلى الاجمالى، رغم الوعود المتكررة من وزارة المالية بخفض النسبة إلى 10%، ورغم انخفاض أسعار البترول عالميا مما قلل من فاتورة دعم الطاقة.

وفي الربع الأول من العام المالى 2015/2016، والذي يمثل العام الثالث، فقد بلغ العجز الكلى 3ر78 مليار جنيه، أي أنه إذا استمر نفس المعدل للعجز خلال باقى العام المالى، فيمكن أن يصل العجز الكلى إلى 313 مليار جنيه، رغم أن تقديرات الموازنة كانت تتحدث عن عجز يبلغ 251 مليار جنيه فقط. ولا يتوقع أن يتحقق رقم العجز الذي قدرته وزارة المالية في بداية العام المالى، رغم استمرار انخفاض أسعار النفط والغذاء عالميا، ورغم استمرار خفض دعم الكهرباء، بسبب تأخر تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتدهور القطاع السياحى بما يقلل من الإيرادات الضريبية من شركاته، ونفس الأمر لقطاع التشييد المصاب بالركود، والتعديلات التي ستتم على قانون الخدمة المدنية، بما يقلل من الخفض الذي كانت تنوى وزارة المالية إجراءه في أجور العاملين بالحكومة، وانخفاض أرباح وضرائب قناة السويس في ضوء تراجع إيراداتها، وتوجيه بعض الاستثمارات الحكومية للمشروعات المفروضة عليها من قبل السيسي، مثل العاصمة الجديدة ومشروع استصلاح 5ر1 مليون فدان، والتي قال الخبراء إنها تتم بدون دراسات جدوى مثلما حدث مع تفريعة قناة السويس، وكذلك توقع انخفاض أرباح البنك المركزى في ضوء اضطراره لتوجيه جانب من احتياطاته، لتمويل المشروعات الصغيرة بعائد منخفض.

خامسًا: الاعتماد على القروض والمعونات

حظى نظام "السيسي" بدفعات سخية من المعونات الخليجية منذ الربع الأول لمجيئه، والتي بلغت خلاله 3ر4 مليار دولار لتعويض نقص إيرادات السياحة والاستثمار الأجنبى، واستمرت المعونات بالربع الثانى بنحو 9ر1 مليار دولار، لتزيد بالربع الثالث إلى 8ر3 مليار دولار، وتستمر بنحو 9ر1 مليار دولار بالربع الرابع، ليسفر العام المالى 2013/2014. وهو العام المالى الأول بعد عزل مرسي، عن تلقى معونات بلغت 9ر11 مليار دولار، غالبيتها من الدول الخليجية الثلاثة الإمارات والسعودية والكويت، وتراوحت ما بين المعونات النقدية، والعينية على شكل شحنات من البترول والخام والمنتجات البترولية.

وفي الربع الأول من العام المالى الثانى وهو 2014/2015 بلغت المعونات 5ر1 مليار دولار، ثم انخفضت بالربع الثانى من العام المالى إلى 1ر1 مليار دولار، ثم جفت المعونات بعد عام ونصف من التدفق، لتصل بالربع الثالث من العام المالى الثانى 4ر6 مليون دولار فقط، وبالربع الرابع من العام 58 مليون دولار فقط، كما استمر نفس الأمر خلال بدايات العام المالى الثالث، ليسفر الربع الأول منه عن معونات من كل الدول بلغت 22 مليون دولار فقط. وهكذا حصلت حكومات ما بعد "مرسي" خلال 27 شهرا، وحتى سبتمبر 2015 على 1ر27 مليار دولار من القروض والودائع الأجنبية وتسهيلات المشترين، إلى جانب 6ر14مليار دولار معونات أجنبية معظمها خليجية، ورغم ذلك بلغـت أرصدة الاحتياطى من العملات الأجنبية في نهاية سبتمبر 2015 نحو 3ر16 مليار دولار، وهو الرقم الذي لم يتغير كثيرا حتى نهاية العام حيث بلغ 4ر16 مليار دولار.

وهو ما يشير إلى زيادة 399ر1 مليار دولار فقط، خلال 27 شهرا في أرصدة احتياطيات النقد الأجنبى، التي كانت قد بلغت 936ر14 مليار دولار عقب تولي الجيش الحكم، رغم المعونات والقروض البالغ مجملها 7ر41 مليار دولار خلال 27 شهرا.

سادسًا: عجز مستمر بميزان المعاملات الجارية

يمثل ميزان المعاملات الجارية الفرق بين موارد الصادرات السلعية والخدمية والتحويلات، وبين مدفوعات الواردات السلعية والخدمية والتحويلات، ولقد حقق ذلك الميزان عجزا بلغ 9ر18 مليار دولار خلال الشهور السبع والعشرين، الممتدة من يوليو 2013 وحتى سبتمبر 2015، نتيجة بلوغ عجز الميزان التجارى خلال تلك الفترة 8ر82 مليار دولار، وهو ما استوعب الفائض بالميزان الخدمى البالغ 4ر7 مليار دولار، والفائض بميزان التحويلات بنوعيها الرسمية والخاصة البالغ 6ر56 مليار دولار، وبقى قدر كبير من العجز به.

سابعًا: انخفاض قيمة الجنيه المصري

أدى تراجع موارد النقد الأجنبى وانخفاض الفائض في ميزان الخدمات، وزيادة العجز بالميزان التجارى السلعى إلى استنزاف احتياطيات العملات الأجنبية، في فترة تولى المجلس العسكرى أمور البلاد، والتي استمرت نحو 17 شهرا من فبراير 2011 إلى يونيو 2012، لتنخفض أرصدتها من 35 مليار دولار في يناير 2011، إلى 5ر15 مليار دولار عند تولى الرئيس محمد مرسي، بنقص 9ر19 مليار دولار خلال أقل من عام ونصف.

 ومع استمرار نقص موارد العملات الأجنبية خلال الفترة التالية لحكم المجلس العسكرى، تم استنزاف الأصول الأجنبية داخل الجهاز المصرفى، والذي يضم كلا من البنوك والبنك المركزى، وهكذا انخفض صافى تلك الأصول من العملات الأجنبية من 6ر17 مليار دولار بنهاية فترة الرئيس محمد مرسي، إلى 3ر1 مليار دولار فقط بنهاية سبتمبر 2015، بنقص 3ر16 مليار دولار، بنسبة تراجع 92% خلال سبعة وعشرين شهرا من حكم "السيسي".