دقت أجراس الساعة الثامنة وسط ظلام حالك يتخلل سكونه أصوات تلاطم الأمواج، حان موعد انطلاق عبارة "السلام 98" مغادرة ميناء ضبا بالسعودية إلى ميناء سفاجا بالبحر الأحمر.


متن العبارة يعج بالركاب كل ذهب إلى مكانه المحددة، وبعد بضع ساعات انبعث دخان كثيف من أسفلها، فبدأ الخوف يتسلل إلى قلوب الجميع، لا يدرون ماذا سيحدث لهم؟.

 

وبينما يهدأ طاقم السفينة الركاب كان قبطانها يستغيث في اتصال بإدارة الشركة "أطلب طومان..المركب بتغرق"، تعالت الصرخات ولكن هذه المرة بنطق الشهادتين وبدأ الصوت يتلاشى شيئا فشئ حتى انتهى معه حياة 1033 شخصا، هكذا سجل الصندوق الأسود لـ"عبارة السلام 98" اللحظات الأخيرة من غرق المركب.

 

يحل اليوم الذكرى العاشرة على حادث غرق العبارة السلام  98"، ولكن منذ خمس سنوات تزاحمها واقعة أخرى صنعت لحظات فارقة في أحداث ثورة 25 يناير، وهى "موقعة الجمل"، التي أسفرت عن مقتل 11 شخصا وإصابة ما يزيد عن 2000 آخرين.

 

فعلى الرغم من أن مشاهد ذلك اليوم لاتزال محفورة في أذهان المصريين خاصة بين الآباء والأمهات الثكالى، إلا أن" موقعة الجمل" خطفت الأضواء منها بعض الشئ، فأصبحت في مثل هذا اليوم من كل عام تتصدر الموقعة المواقع الإلكترونية وصفحات الجرائد، بينما تُذكر "عبارة السلام" على استحياء.

 

في ٢ فبراير ٢٠٠٦ اختفت العبارة على بعد ٥٧ ميلاً من مدينة الغردقة، حاملة ١٣١٢مسافرا و٩٨ من طاقم السفينة، وبينما هى في طريق عودتها إلى مصر قادمة من السعودية، نشب حريق في غرفة محرك السفينة وانتشرت النيران بسرعة فائقة، وباءت محاولات طاقم السفينة في إخماد النيران بالفشل، حاولوا استخدام مضخات سحب لمياه البحر إلى داخل السفينة ولكنها لم تكن تعمل ما أدى إلى اختلالها وجذبتها الأمواج إلى باطن البحر.

 

 غرفة عمليات الإنقاذ في أسكتلندا التقطت أول إشارات الاستغاثة من السفينة،  وقامت بنقلها عبر فرنسا إلى السلطات المصرية وعرضت المساعدة، ولكن السلطات المصرية قالت إنه لم يصلها خبر عن وجود مشكلة بالعبارة، حسبما ورد في تقارير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب للتحقيق في غرق العبارة. 

 

وقبل لحظات من غرق العبارة أجري قبطان السفينة "صلاح عمر" اتصالا بإدارة الشركة يبلغها باندلاع الحريق، اقترح أن يعود مرة أخري إلي ميناء "ضبا" فالمسافة قليلة قياسا بالمسافة بين موقع السفينة وميناء سفاجا، ولكن رفضت الشركة خشية أن يؤخذ ذلك كأداة ضدها، كما حدث في حادثة غرق عبارة السلام"95" في قناة السويس. 

وفي هذا الوقت هبت رياح عاتية زادت النيران اشتعالا حتى امتدت داخل السفينة، فحاول القبطان إقناع إدارة الشركة بالعودة لاستشعاره بالخطر، إلا أن صاحب الباخرة أمره باستكمال الرحلة وإلا سوف يعزل، فأخذت النيران تتراكم بجراج السفينة وعجز الجميع عن إخمادها نتيجة انسداد بالوعات الصرف وكونت سطحا حرا يتحرك مع حركة السفينة وتتمايل يمينا ويسارا فغمرتها المياه وانقلبت ثم غرقت.

 

 سبباً آخر ساعد علي استمرار الحريق بالجراج وغرق العبارة، وهو قيام طاقمها بفتح باب المرشد الموجود علي جانب أيمن السفينة بغرض التخلص من الدخان الكثيف بالجراج مما أدى إلى دخول هواء ساعد علي استمرار الحريق وأيضاً دخول مياه البحر للجراج نتيجة ميل السفينة للجانب الأيمن، حسبما ورد في تقرير  "تقصي الحقائق".

 

أذاعت قنوات التليفزيون أنباء عن غرق العبارة، فهرول أهالي ركابها إلى شاطئ ميناء سفاجا وهناك جلس كل منهم شاردا بذهنه يفكر في حال ذويهم، تارة يصبرون أنفسهم بأنهم أحياء سيُردون إليهم سالمين، وآخرين تهطل الدموع من أعينهم حين يتذكرون أن ذويهم في قاع البحر .

 

وكان أول الناجين من الغرق هو قبطان العبارة، فما أن تيقن من الغرق لا محالة، فر إلى قارب صغير مع بعض معاونيه، وفقا لشهود العيان من الركاب الناجين، فبينما لقى 1033 شخصا مصرعهم من إجمالي 1416 شخصا، تم إنقاذ 383 ظلوا يصارعون الموت أكثر من 14 ساعة.

 

وفي 23 مارس 2006  أحال مجلس الشعب بالإجماع للمدعي العام الاشتراكي موضوع حادث غرق العبارة السلام98، وتولى التحقيق المستشار جابر ريجان وكلف الرقابة الإدارية بالتحري عن أموال وممتلكات ممدوح إسماعيل وأسرته، -ملاك العبارة-،  وصدر قرار  بمنعه وزرجته وأبنائه وشقيقه من مغادرة البلاد، ولكن كان الرجل في هذا الوقت خارج البلاد منذ 15 يوما.

 

وألزم المدعي العام الاشتراكي السابق "ممدوح اسماعيل" بتعويض الضحايا علي أساس مبلغ 300 ألف جنيه للمتوفي  و150 ألف جنيه للمصاب، وهو تعويض غير مسبوق في قيمته في تاريخ القضاء المصري.

 

وبعد عامين من تداول القضية، قضت محكمة جنايات سفاجا في 127 يوليو 2008 بتبرئة جميع المتهمين، وعلى رأسهم صاحب العبارة ممدوح إسماعيل ونجله عمرو، بعد 21 جلسة استمعت خلالها المحكمة لمسئولين هندسيين وبرلمانيين وقيادات في هيئة موانئ البحر الأحمر وهيئة النقل البحري.

 

بينما عاقبت المحكمة صلاح جمعة ربان باخرة أخرى "سانت كاترين", وقضى الحكم بسجنه لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ ودفع غرامة بقيمة 10.000جنيه بتهمة عدم مساعدة "السلام 98".