مشهد اختار مهندسه، أن يفض مضاجع الثوار بطريقة كلاسيكية، خيول وجمال تهاجم الحالمين بالتغيير، في منتصف النهار قبل خمس سنوات من الآن، مدعومين بالبلطجية والمسجلين خطر.

 

في الثاني من فبراير 2011، أو ما يعرف بـ "موقعة الجمل"، تجلت تجربة استخدام البلطجية، وبلغت ذروتها حينما استدعاهم بعض فلول نظام مبارك، الذى يوشك على السقوط وقتها، لإخلاء ميدان التحرير ممن فيه من المتظاهرين، في محاولة للسيطرة بعد سقوط جهاز الشرطة في 28 يناير أو ما يعرف بـ "جمعة الغضب".

 

 

وعقب الهجوم باﻷسلحة البيضاء على المعتصمين في ميدان التحرير،  صرح المتحدث باسم وزارة الصحة، عبد الرحمن شاهين،أن 350 مصابا نقلوا للمستشفيات جراء الاشتباكات التي وقعت بين متظاهرين مؤيدين لمبارك وآخرين معارضين.

 

لكن لم تكن تجربة استخدام البلطجية جديدة على أتباع النظام البائد في مصر، فلم يمر حدث سياسي إلا وكان البلطجية هم أدواته قبل الثورة وبعدها، فما أن تبحث على محرك "جوجل" بكتابة "بلطجية يهاجمون.."، إلا وتبدأ اقتراحات المحرك بأنهم يفضون اعتصامات العمال في المحلة الكبرى، أو في سمنود، أوحتى مظاهرة احتجاجية، لحركة كفاية، وأخرى لمؤيدي مرسي في الفيوم.

 

تحولات كثيرة

في ورقة بحثية أعدها الباحث محمد أحمد أبو زيد، ونشرتها مجلة السياسية الدولية، تحت عنوان "معتادو الإجرام في فترات ما بعد الثورات"، يقول إن ظاهرة البلطجة في مصر ليست مرتبطة بحالة الانفلات الأمني التي أعقبت ثورة 25 يناير، فهى ظاهرة وجدت من قبل في المجتمع المصري، وإن مرت بتحولات وتطورات كثيرة، ربما كان أكثرها وضوحا ما ارتبط بالفترة التالية على الثورة.

 

وبدأ توظيف معتادو الإجرام في السنوات الأخيرة بشكل واضح لاسيما العشر الأخيرة لحكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، فكانوا أبطالًا لمشاهد تزوير الانتخابات البرلمانية، والسيطرة على أي صوت ينشز بعيدا عما يراه رجال الحزب الوطني ومرشحيه.

 

ويرى مراقبون أن ظهور البلطجية على مسرح الأحداث في الثورة المصرية أساء إلى صورة الحزب الحاكم ووصمه بعار تشويه النضال السلمي لشباب مصر الذين رفعوا شعار التغيير السلمي.

 

في خدمة الأنظمة

ونقلت حملة "شايفنكم" شهادة صحفية للمقدم محمود محمد عبد النبي ـ الضابط بمديرية أمن المنيا وعضو أمانة مجلس ائتلاف "ضباط لكن شرفاء"، عقب أحداث ثورة 25 يناير، قال فيها إن جهاز الشرطة جند بعض البلطجية للعمل لصالحه منذ عام 2002.

 

وفي تصريحات صحفية للمستشار محمد عبد العزيز الجندى، وزير العدل -مارس 2011-، قال إن هناك حوالي نصف مليون بلطجي محترف في مصر، يتم تأجيرهم لليوم الواحد بـ5000 جنيه، على حد قوله.

 

الأرقام نفسها يؤكدها تقرير للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بأن أكثر من نصف مليون بلطجي، موزعين على أنحاء الجمهورية، فيما تتركز النسبة الأكبر منهم في العاصمة، لكن ما هو جدير بالذكر، أن تلك الإحصائية التي أعلن عنها المركز، تعود لعام 2002، أي قبل نحو 14 عامًا.

 

وأرجعت الدراسة تحوّل البلطجة من نشاط فردي إلى ظاهرة، إلى جهاز مباحث أمن الدولة، في عهد وزير الداخلية حبيب العادلي، وتحديدًا في عام 2005، العام الذي شهد أول انتخابات رئاسية في مصر، إذ كان قبلها يُجدد للرئيس عبر استفتاءات شعبية.

 

وتُبيّن أن أمن الدولة، عمد وقتها، إلى تكوين مجموعات من البلطجية، كانت نواة تنظيمية مكونة من نحو 60 ألف بلطجي، يعملون لصالح الوزارة، ويدير أمن الدولة تحركاتهم، وفي المقابل، تتغاضى الوزارة عن تجاوزاتهم، التي أفضت إلى تكوين بعضهم لثروات بالملايين.

 

في العام 2006 ،2007 اعتدت مجموعات من البلطجية على طلاب أحد الاتحادات بجامعة عين شمس، وأعضاء حركة 6 أبريل وحركة كفاية نالوا من البلطجية ما كان مقسومًا لهم أيضًا، قبل الثورة في الاحتجاجات التى نظموها وكانت صغيرة العدد.

 

تقليد سياسي 

الدكتور فريد زهران الباحث السياسي وعضو الهيئة العليا لحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، يقول إن ظاهرة البلطجة في مصر واستخدامها في الحياة السياسية قديمة ويقوم بها النظام تارة بشكل مباشر، أو أصحاب النفوذ من السياسيين المدعومين من الحكم.

 

ويسترجع زهران في حديثه لـ "مصر العربية"، ذكرياته مع الأحداث السياسية، قائلا: "أول المرات التي استخدم فيها البلطجية بشكل مباشر كانت في انتخابات عام 1976، وكانت أول انتخابات برلمانية، تحدث بعد فترة التعددية السياسية المقيدة التي أقرها نظام السادات، ووقتها وجهت الاتهامات مباشرة لمحافظ القاهرة".

 

ويضيف أن فكرة استدعاء بعض الفقراء وقليلي التعليم أو من يحتاجون للمال ولو كان بطرق غير مشروعة أصبحت من التقاليد ليست فقط في موقعة الجمل، لكنها أضحت من التقاليد المعروفة.

 

وأشار إلى أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة تواجد فيه معتادو الإجرام وساهموا في نشر المال السياسي وإحكام السيطرة على بعض الدوائر.

 

ولفت زهران، إلى أن بعض الأعمال السينمائية تناولت هذه الظاهرة في بعض أعمال الكاتب بلال فضل، وبالتحديد فيلم خالتي فرنسا، مؤكدا على أن استخدام البلطجية سيكون موجود في المشهد السياسي مادام هناك استبداد وعدم تأسيس ديمقراطية حقيقة.

 

الأربعا الأسود

التحول الأبرز والإهانة المتعمدة على يد مجموعات البلطجية، كان فيما عرف بـ "الأربعاء الأسود"، وتعد الواقعة هى أبرز الأحداث التي تجرأ فيها معتادو الإجرام ليؤدون دور أكبر من الضرب، أمام أعين رجال الشرطة بمنطقة وسط البلد، وكانت الصحفية الراحلة نوال علي محمد، هى بطلة القصة التي وقعت في 2005.

 

وترجع الواقعة ليوم الاستفتاء على تعديل المادة 76 الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، والذي أجراه المخلوع مبارك في مايو 2005، وتصاعدت أصوات من قبل المعارضة المصرية تتقدمها حركة كفاية، تنتقد ما وصفته بالتغيير الشكلي للمادة 76 لأن التعديلات التي أجريت على المادة أفرغتها من مضمونها.

 

وأعلنت حينها، قوى سياسية احتجاجها وتنظيمها عدد من المظاهرات والوقفات أمام نقابة الصحفيين ونقابة المحامين وأمام ضريح سعد زغلول بالتوازي مع الاستفتاء.

 

ونظم المعارضون للاستفتاء وقفة على سلالم نقابة الصحفية وأثناء دخول الراحلة نوال علي محمد لمبنى النقابة تعرضت للتحرش من قبل البلطجية، ومزقوا لها ملابسها، وهو ما رفضته عدد من المنظمات الحقوقية على مستوى العالم وصدرت بشأنه بيانات لتحميل الحكومة وقتها المسؤلية.