"يا ختشي حاسبي شوية مش شايفة رجلي.. صحيح عمية القلب والنظر" .لم تكتفي السيدة الأربعينية بإهانتي بل تطوعت بـ "زغدة" قوية لتؤكد لي غضبها، دقائق قليلة وانفلتت الجملة ذاتها و"زغدة" أخري لفتاة تقف خلفها، ولم تنسي أن تلعن وتسب الجميع وهي في طريقها للخروج من عربة المترو التي كانت تكتظ بالراكبات في ساعة الذروة، ولا يمشي أحد في المحطات علي قدمه بل يتحرك بقوة الدفع محمولاً رغماً عنه مع حركة الجماهير، التي بسببها ربما يفقد المواطن ركوب المترو أو "يفوته" النزول في محطته.

نظراً لأني مصابة برهاب الزحام فأن علاقتي بالمترو لا تتعدي المرات القليلة التي أضطر فيها لركوبه لظروف قهرية، وبطبيعة الحال تتحول عربة "السيدات" لملاذي هرباً من أيدي العابثين في الزحام، ولولا تحول "التحرش" من ظاهرة لسلوك عام في مصر، ينتهجه شريحة من الرجال علي اختلاف المستوي الاجتماعي، لما كانت لعربة السيدات في المترو ضرورة، وربما اعتبرتها أنا شخصياً رفاهية لا غاية لها، خاصة وأنها تُضعف من أحقية مطالبة النساء بالمساواة، ولكن "أدي الله وأدي حكمته".

لا يقل فظاعة من التعرض للتحرش علي أيدي الرجال، إلا التواجد في عربة "السيدات" حيث ترتفع نسبه "الاستروجين" القابل للاشتعال والانفجار أحياناً نتيجة التكدس والاحتكاك، ويصبح التواجد مع النساء "المصريات" في مساحة صغيرة جحيم جعلني ألعن "الستات" وعنصريتهن، وتستطيع النساء أن تكن أكثر قسوة وعنفاً خاصة مع بنات جنسها، وكأنه صراع للبقاء واثبات الهيمنة والتفوق، يكلله شعور بعدم الخوف من استعراض القوة مهما تأزم الموقف وصولاً للاشتباك بالأيدي ففي النهاية تظل "خناقة ستات".

تتجلي في عربة "السيدات" أسوأ الخصال الإنسانية بصورة عامة والنسائية بصورة خاصة، تبدأ بالنظرات الحادة من النساء لبعضهن البعض وإطلاق الأحكام، ونادراً ما تتعاطف سيدة بصدق مع أخري، وربما تبدأ حلقة من النصح والإرشاد يمارسن فيها النساء إسقاط علني بعضهن علي بعض.

تنسي السيدات أن كلهن مقهورات من مجتمع أشد قسوة لا يقوين معه علي الدفاع عن أنفسهن أحياناً، إلا أنهن قادرات علي ممارسة العنف والقهر ذاته تجاه بعضهن البعض، يركضن هرباً من الزحام والتحرش ويلجأن لعربتهن الخاصة، لحظات قليلة وتتحول الهاربات لمهاجمات، الكبرياء والعجرفة والتأفف والتذمر من الزحام بصوت عالي طبيعة شريحة كبيرة من راكبات المترو، يصل لحد دفع النساء بعضهن لبعض خارج العربة بحجة عدم وجود مكان.

شريحة كبيرة من النساء في المترو متألمات ومصابات ومريضات، لا يتوقفن عن الشكوى من الألم، وتطالب بمساحة متر مربع حتى تقف مرتاحة دون إزعاج، حتى داخل مجتمعهن المغلق يطالبن بالتمييز الإيجابي، فالمسنة تنظر للأصغر سناً بريبة وتنتظر منها التبجيل والتوقير، والراشدة تحكم علي المراهقات من ضحكاتهن وملابسهن وتنتقدهن بصوت عالي، فتزيد الانتقادات من حماسهن فيردن عليها بضحكات أكثر صخباً، وكلها دائرة مفزعة من الحقد تغلي بهدوء.

 

رصاصة الرحمة

"يا ختشي هو جيه جنبك.. مالك كدة ده جوزي" ..هي شريحة أخري من النساء اللواتي يستمتعن ويتبجحن بقهر أخريات، حيث يسمحن لأزواجهن بركوب عربة "السيدات" ويهاجمن من تتجرأ وتطلب منه مغادرة العربة، بينما يكتفي هو بالصمت وتلوذ زوجته للدفاع عن وجوده "المحرم"، هذه الشريحة من النساء هي السبب في استمرار الأفكار البالية، تربي أبنائها دون مساواة بين الذكر والأنثى، وهي التي تدافع عن استعباد الرجال للنساء، وتبرر أحقيته الدائمة في التميز علي حساب المرأة.

واجهت مع هذه الشريحة الأخيرة بالذات مواقف عدة بداية من تحرش الرجال الذين برفقتهن سواء زوجها أو أبنها أو أخيها أو حتى زميلها، وعوض أن تنهره وتوبخه وإذا تطلب الأمر "تقلع الشبشب وعلي نفوخه"، إلا أنهن يوجهن أسهم ألسنتهن اللاذعة لضحايا رجالهن تارة، وفي مواقف أخري ربما تشاركه تحرشه اللفظي مثلما تفعل الفتيات صغيرات السن، وفي كلا الحالتين يعبرن عن نموذج سئ للمرأة يستحق رصاصة الرحمة لتعيش باقي النساء بأقل قدر ممكن من الإرهاق.  

 

الشنطة لازم تقعد

لا يقتصر موقفي السلبي من التجمعات النسائية علي عربة مترو السيدات فقط، وإنما يمتد لكل تجمع يقتصر علي النساء، الحفلات أو المناسبات الدينية أو المؤتمرات الصحفية وغيرها، حيث ينقسم المكان لفريقين واحد للرجال وأخر للنساء، ولا تجلس النساء فقط وإنما تجلس "شنطهن" أيضاً، فهي علي سبيل الاحتياط تترك بجوارها كرسيا فارغا ربما تشغله صديقة لها يقضيان الوقت في "الرغي"، وربما لا، فيكون الكرسي من نصيب "الشنطة" التي تجلس عوض أن تجلس سيدة أخري، وتظل الكراسي فارغة وبالسؤال عنه توجه السيدة نظرات حقد ولسان حالها "ايه مش شايفة الشنطة ياختي"، ولا سبيل مع هذه النوعية سوي حمل "الشنطة" وإلقائها علي الأرض والجلوس بكل ثقة.

في عدة مناسبات دينية سبق وأن لفت انتباه النساء اللواتي كنت أجلس بجوارهن أنه لا يليق بأن نجلس بهذه الأريحية بينما تقف نساء أخريات، فكن ينظرن لي شزرا ويخبرنني بأنهن يحجزن المكان لأقاربهن المتأخرات، فكنت أصر علي أن تجلس النساء اللواتي حضرن باكراً فهن أحق بالمكان، فتظل الأجواء مشحونة لحين انتهاء المناسبة، وعلي وجهي ابتسامة رضي.

 

لعنة الموظفات

"الانطباعات الأولي تدوم" منذ أن بدأت علاقتي بـ "الموظفات" في المرحلة الجامعية، وصولاً ليومي هذا ومرورا بالمصالح الحكومية، فأن الموظفة المصرية تستطيع أن تحصل بجدارة وعن استحقاق علي وسام اللامبالاة والبرود، فهي إما مشغولة البال بالعيال والبيت، أو مشغولة الفم بـ "الفطار وكوباية الشاي"، أو مشغولة اليد بالإبرة أو "البتشينجان والكوسة"، أو مشغولة اللسان بـ "الرغي" والنميمة، وكلها "مشغوليات" تطلب منك كمواطن أن تحترمها وتنتظرها بصبر الجمل.

يتشابه الموظفين والموظفات في هذه السمات ولكن إحقاقا للحق فأن النساء تفوقن في هذا التميز، ولكن تخضع الموظفات قليلاً أمام المواطنين الذكور، ولكن إذا ما كانت طالبة الخدمة أنثي مثلها فأن الأمر يزداد سوءا، لا تُجيبها الموظفة إطلاقاً وإنما تكتفي بالتلويح وكل "لبيب بالإشارة يفهم"، أو تنظر لها بعنف من أسفل النظارة، أو حتى تلقي بأوراقها في وجهها، وكلما كانت محاطة بمثيلتها من الموظفات كلما كانت أكثر حدة وثقة، لذلك مع كل مرة أضطر فيها لإنهاء أوراق في هيئة حكومية أدعو الله أن يكون الموظف ذكر.

 

الرجالة مش أولا

دُعيت في ورشة عمل للنساء للحديث عن تحقيق بالصور نشرته جريدة الشروق بعنوان "دولاب الأحلام" يرصد أحلام النساء في مصر، وقلت صراحة أن النساء عليهن أن يحترمن بعضهن البعض قبل أن يطالبن الرجال باحترامهن، الجملة التي أثارت همهمة واستياء بعض النساء والمدافعات عن حقوق المرأة.

كانت أول حادثة تعرضت لها من سيارة أثناء ركوبي العجلة كانت تقودها امرأة، وبعد أن خبطتني عمداً قالت لي "عشان تتعلموا الرباية جتكوا القرف في أشكالكوا"، تشتمني الفتيات "طلبة المدارس" علي كوبري قصر النيل وهن بصحبة فتيان في مثل أعمارهن، ويحاولن دفعي أو قطع الطريق فيضحك رفاقهن فتشعر الفتيات بالفخر لإنجازهن العظيم في إضحاك من معهن.

في مصر تتحمل المرأة المسئولية الأكبر في تأسيس "مجتمع ذكوري" فهي من قامت بتربية أبنائها علي أن الولد أفضل وأهم من البنت، باركت ضرب الأخ لأخته، جعلت من الفتاة خادمة للصبي فقط لأنه ذكر، فينشأ الابن وهو يعلم أنه مميز لتكوينه البيولوجي، والابنة التي اكتوت بنار التمييز تصبح مثل أمها تُربي أبنائها بالطريقة ذاتها ولكنها لا تنسي الشكوى وتطالب بالمساواة.

يروي عن الحادثة التي قيل فيها "اللى اختشوا ماتوا" أن حريقا اشتعل في "حمام بلدي" به عدد كبير من النسوة اللواتي يستحممن، رفضن الهروب عراة، و"أختشوا" فماتوا حرقاً، لا يمكنني أن أحكم علي موقفهن، لكن في يومنا هذا توجد نماذج نسائية في مجتمعنا يستحققن "الحرق" ربما إذا "اختشوا" ماتوا وماتت أفكارهن وعنصريتهن معهن.   

--