نفق مظلم دخلته مصر، بعد أحداث 30 من يونيو، بحسب وصف بعض السياسين، تبعته مبادرات متعاقبة للخروج مما أسموه "انسدادًا سياسيًا"، تطرح رؤى متعددة، ومتباينة، للحل، تتفق جميعها في ضرورة، إلقاء حجر المحاولة، في مياه الحالة السياسية الراكدة، في مرحلة ما بعد الإطاحة بالرئيس المعزول- محمد مرسي-، وإزاحة جماعته عن المشهد.

 

 المبادرات السياسية التي صاغ معظمها شخصيات مستقلة، باستثناء محاولة أخيرة، للدكتور عمرو حمزاوي مؤسس حزب مصر الحرية، تضمنت التزامات، يتقاسمها طرفي الصراع، النظام من ناحية، باعتباره الجانب الأهم في تمرير أية مبادرة حال قبوله، وجماعة الإخوان المسلمين من ناحية أخرى، نظير كونها الجهة التي تحرك التظاهرات المتتابعة في عدد من المحافظات، وتتحمل وحدها، مسؤولية ما يتخلل التظاهرات، من أعمال عنف.

6 مبادرات، حصيلة الحراك الفردي لـ"سياسيين" يليق بهم توصيف "النحت في الماء"، إزاء فشل متكرر لمحاولات رأب الصدع، تحت مظلة "التخوين مرة"، والتشويه "مرات أخرى"، من جانب مؤيدي الفريقين "النظام"، و"الجماعة".

   روشتة حمزاوي

نكأت مبادرة دكتور عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، التي صاغها بالتعاون مع مستشار الرئيس الأمريكي بارك أوباما، مايكل ماكفول، جراح تآكل المبادرين، ومبادراتهم، وعرّجت في عدة نقاط تحت مسمى  " روشتة للاصلاح السياسي في مصر، على ضرورة :" السماح لجميع الفصائل بالمشاركة في العمل السياسي، وعدم الإقصاء  بشرط نبذ العنف، واجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وتحقيق العدالة الانتقالية، والإفراج عن سجناء الرأي، وإلغاء القوانين الأمنية.

شأن نظيراتها من المبادرات السابقة، نالت مبادرة "حمزاوي" نصيبًا من الانتقاد، والهجوم من جانب فرقاء سياسيين، تبلور في وصفها بـ"الكلام الفارغ"، من جانب البعض، و تعليق البعض الآخر، آمال تمريرها، على استجابة "النظام"، أو تفاعل الجانب اﻵخر.

"حمزاوي"، حسبما وصف سياسيون، سار على خطى، مبادرة الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية،  التي تحتل رقم 5 بين مبادرات ما بعد 30يونيو، تلك التي ركزت على ضرورة إجراء مصالحة سياسية، ودعت في سابقة منفردة، لانتخابات رئاسية مبكرة، مع التأكيد على بند الإفراج عن المعتقلين السياسين ومن ضبطوا على خلفية قانون التظاهر، كضرورة ثابتة في كافة محاولات ما يسمى بـ"الخروج من الأزمة".

ولاقت مبادرة "أبو الفتوح"، هجومًا كاسحًا، نظير تصنيف بعض الدوائر السياسية، لـ"رئيس حزب مصر القوية"، على أنه ذو أصول "إخوانية"، تحول بينه، وبين طرق أبواب الحلول السياسية في الوقت الراهن-حسب منتقديه.

 وبرر أنصار جماعة الإخوان، وقتئذٍ-  رفض المبادرة، بحجة ضرورة تحديد الأطراف التى يوجه لها الدعوة، فيما اعتبرها حزب النور، ذات بنود متأخرة، ولا تتناسب مع المرحلة الراهنة.

وكرر د.حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، رفضه لمبادرة رئيس حزب "مصر القوية"، لافتًا إلى أنها "غير واقعية، نإلى جانب أن غالبية المصريين، غير مستعدين لمقترح إجراء انتخابات رئاسية مبكرة".

 

خارطة إنقاذ نافعة

عطفًا على سابقيه، طرح د.حسن نافعة ما أسماه بـ"خارطة إنقاذ الوطن"،في فبراير 2014، تضمنت ضرورة إنهاء الخصومة السياسية الحالية، وتشكيل لجنة حكماء من الطرفين، والتوافق على وسيط محايد يحظى بقبول طرفي الصراع لإجراء المفاوضات والاتصالات، وعقد هدنة للتهدئة تستهدف وقف المظاهرات والاحتجاجات، والقصف الإعلامي المتبادل ، مقابل الإفراج عن القيادات التي لم يثبت تورطها في جرائم يعاقب عليها القانون.

مبادرة "نافعة"، حازت النصيب الأوفر من الزخم الإعلامي، لكنها لم تفلح شأن غيرها، في إذابة جليد الخلاف، نظير رفضها   من قبل عدد من الأحزاب السياسية، زاعمين أن التفاوض يكون بين الدول،وغير مسموح بأن تناصب جماعة سياسية كالإخوان الدولة المصرية وأن تخضعها لشروطها.

ووصفها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي وقتها بأنها كأغلب المبادرات تأتي بعد وقتها، وكان من الأولي أن تقدم قبل هدر كل هذه الدماء وقبل هذا الكم من الصراع والعبث.  

و على طريق دعوات التصالح، ووقف التراشق السياسي، دعا الدكتور سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، للمصالحة بين السلطة الحالية، وجماعة الإخوان المسلمين، مبررا ذلك بأنه "ليس من المعقول أن يعادي النظام الحالي قرابة 3 مليون مصري، وحتى تمضي مصر في طريقها إلى الأمام بدلا من الانشغال في صراعات جانبية" حسب قوله.

وطالب إبراهيم، الرئيس عبد الفتاح السيسي، في حوار أجرته "مصر العربية"، معه أكتوبر الماضي،بأن يكون له في رسول الله أسوة حسنة حين دخل مكة منتصرا وعفا عن قريش رغم ما فعلته به، قائلا: "اذهبوا فأنتم الطلقاء، وكذلك ما فعله نيسلون مانديلا، رئيس جنوب أفريقيا الأسبق، حين عفى عن من سجنوه 27 عاما، في فترة التمييز العنصري، كما طالب بالعفو  عن  أحكام الإعدام على قيادات وأعضاء الإخوان، وإلغاء هذه العقوبة تماما.

 

أبو المجد ثاني المبادرات

لم يكن -حال مبادرة إبراهيم أفضل مما سبق، حيث طالب الدكتور أحمد كمال أبو المجد المفكر السياسي، والفقية القانوني، في أكتوبر 2013، في ثان مبادرات الدعوة لتجاوز الخصومة السياسية،  عقب فض اعتصامات الإخوان المسلمين، بضرورة التوسط لدى الأطراف المتنازعة لمحاولة الخروج من الأزمة، محذرًا من استمرار التصعيد من جانب الطرفين سينتهى بالبلاد إلى "وضع كارثى".

"أبو المجد" الذي توقع اتهامات الخيانة، والعمالة، من جانب مؤيدي طرفي الصراع، قال : رغم علمى المسبق بأن تقديم هذه المبادرة فى وقت فتنة كالذى نعيش فيه «هيخلينى أطلع من هدومى»، وستدفع عددا من «الحمقاء» إلى توجيه اتهامات عديدة لى ما بين العمالة لأمريكا، والانتماء للإخوان المسلمين، لكننى مضيت من أجل التوسط بين الأطراف ولم ألتفت لهذه الاعتبارات".

مبادرة العوا الأكثر صخبا

سادس المبادراتـ، وفقًا للترتيب التنازلي، جاءت مبادرة الدكتور محمد سليم العوا، المرشح الرئاسي السابق،  صاحب ضربة البداية، في طرح "روشتات" سياسية لإنهاء الصراع الحالي، في 27 يوليو 2013، أى بعد يوم واحد من التفويض الذى خرجت فيه الملايين تأييدا للرئيس عبدالفتاح السيسي، قبيل فض اعتصامي رابعة والنهضة، وحازت النصيب الأوفر من الاهتمام، وفقًا للأجواء السائدة،وقتئذٍ.

بنود المبادرة-حسبما أعلن العوا،- وقتها ، جاءت في :" الاستنادا للدستور في مادتيه  141 و142 من الدستور، وتفويض رئيس الجمهورية سلطاته الكاملة، لوزارة مؤقتة جديدة يتم التوافق عليها في أول جلسة سياسية، ودعوة الوزارة المؤقتة في أول اجتماع لها لانتخابات مجلس النواب خلال 60 يوما، وتشكيل وزارة دائمة بعد الانتخابات،  وبعدها يتحدد إجراءات انتخابات رئاسية وفقا للدستور،وأخيرًا  إجراء تعديلات الدستور المقترحة"

 حيال طرح "العوا"، تنازع طرفي الأزمة " النظام"، و"الجماعة"، بشأن المكاسب السياسية التي يمكن تحقيقها، وهو ما أفضى في نهاية الأمر، إلى تبخر المبادرة بأكملها، تحت وطأة تصنيف "العوا" بأنه ذو "ميول إخوانية"، وأن مبادرته، لاتستهدف سوى الحفاظ على مكتسبات الفصيل الذي ينتمي إليه.

 

  المبادرات ..للرفض وجوه كثيرة

لكن لم تنجح أى من المبادرات السياسية في وأد الصراع، وهو ما يفسره الدكتور مختار الغباشي، نائب مدير المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية، بأن السلطة لا ترغب في إجراء مصالحات.

وقال: إن الفجوة بين الطرفين، الإخوان والسلطة، باتت واسعة، ولم يطرح أى حل وسط لتقريب وجهات النظر.

وأضاف لـ"مصر العربية"، إن الواضح حاليًا، عدم رغبة النظام في خطوة "المصالحة"، ﻷنها تخشى على شعبيتها، تخاف ضغوط الشارع، أو المجموعات السياسية الأخرى.

وتابع، لا يمكن تعليق فشل هذه المبادرات على من طرحوها، ﻷنها قتلت في مهدها، نظير نزاع طرفي اﻷزمة على فكرة "التصالح"، وهم لم يصلوا بعد لإبداء الرأي في المبادرات.

ودعا الغباشي، تبني الحكومة لمثل هذه المبادراتـ، باعتبارها الطرف الأقوى، لافتًا إلى قدرتها على فرض شروطها،و تكليف أى شخص يحظى بقبول من الطرفين بقيادة دفة التفاوض.

وأشار نائب رئيس المركز العربي للدراسات إلى أن توقع عدم حدوث هذه الخطوة صعب، ﻷنه لا يوجد مستحيل في السياسة، لافتًا إلى إمكانية تغيير الأمور في يوم وليلة، وليس بمستبعد جلوس طرفي الصراع على طاولة المفاوضات.

يشار إلى أن فترة ما بعد 30 يونيو، شهدت 6 مبادرات سياسية، تراوحت في مطالبها بين الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، بحسب مبادرة "عبدالمنعم أبوالفتوح"، وانتخابات برلمانية مبكرة في نسخة "عمرو حمزاوي"، وتوافقت جميعها على ضرورة إلغاء قانون التظاهر، والافراج عن المعتقلين.