أصدرت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري بالبحيرة، برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة، اليوم الإثنين، حكمًا قضائيًا بإلزام الحكومة بالعلاج المجانى لأطفال مرضى السكر بالمدارس، مستندة إلى إلزام المشرع الدستورى للدولة بالتأمين الصحى الشامل لجميع المصريين، على أن يغطى كل الأمراض، وهذا الالتزام لا مناص من تحقيقه ولا سبيل لفك يد الدولة منه.

وقالت المحكمة إن وزير الصحة يتحمل المسئولية الكاملة عن التأمين الصحى باعتباره الرئيس الأعلى للهيئة، والأحكام يجب تنفيذها تحت مسئوليته وإشرافه، ورفضت دفع الوزير بعدم قبول الدعاوى التي ترفع على التأمين الصحى بالنسبة له وجعلت اختصام وزير الصحة واجبًا حتى يكون الحكم الصادر على الهيئة في مواجهته لإلزامها بتنفيذه.

وأضافت المحكمة أن امتناع التأمين الصحى عن علاج طفلة ابنة فلاح بسيط مريضة بالسكر مجانًا جريمة إنسانية في حق الطفولة.

وقضت المحكمة، برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية المستشارين محمد حراز ووائل المغاورى نائبى رئيس مجلس الدول، بإلغاء قرار رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحى السلبى بالامتناع عن صرف الدواء مجانًا، المقرر لعلاج التلميذة "علياء عبد المجيد عوض" من مرض السكر المزمن "سكر أطفال من النوع الأو"، وتضمن الحكم صرف "أنسولين مائي بواقع 40 وحدة يوميًا، أنسولين لانتوس بواقع 30 وحدة يوميًا، قلمي أنسولين بواقع قلم خاص لكل نوع، قياس السكر بالدم متابعة السكر 8 مرات يوميًا، شرائط أسيتون لمتابعة الأسيتون بالبول"، وذلك بصفة دائمة ومنتظمة حتى تمام شفائها نهائيًا من هذا المرض وما يترتب على ذلك من أثار، أخصها إلزام الهيئة بصرف ذلك الدواء وعرض حالتة التلميذة على الطبيب المختص دورياً لتقرير مدى حالتها الصحية، في ضوء ما يسفر عنه تناول ذلك الدواء والزمت الجهة الإدارية المصروفات.

 

وكان والد التلميذة فلاح بسيط لجأ للمحكمة بعد أن رفضت هيئة التأمين الصحى علاج ابنته، وأثناء نظر الدعوى لم تمتثل الهيئة بالحضور أمام المحكمة رغم إعلانها إعلاناً صحيحًا، ومن ناحيته قدم وزير الصحة دفعًا بعدم مسئوليته عن التأمين الصحى بحجة أن للهيئة شخصية اعتبارية مستقلة.

وقالت المحكمة في حيثيات حكمها  إن المشرع ألزم التأمين الصحى بتقديم الخدمات العلاجية والتأهيلية لطلاب المدارس في حالتى المرض والحوادث، أيًا كانت المرحلة التعليمية، كما ألزمت الدولة بأن يكون نظام التأمين على الطلاب إلزامياً في جميع المراحل التعليمية، وألزمها كذلك بتقديم الرعاية الصحية بنوعيها الخدمات الصحية الوقائية والخدمات العلاجية والتأهيلية بكافة صورها، وعلى رأسها صرف الأدوية اللازمة للعلاج، خاصة لأطفال مرضى السكر، ويكون علاج التلميذ حتى يشفى أو تستقر حالته، وهذا الالتزام لا مناص من تحقيقه ولا سبيل لفك يد الدولة منه، اذ أن علاج التلميذ المريض أمر يفرضه القانون ويبرره الواقع وتمليه الإنسانية.

وتابعت المحكمة أن القول بغير ذلك فيه تعريض لحياة التلاميذ المرضى للخطر، وهى جريمة مؤثمة جنائيًا، مما يجب على الدولة وأجهزتها المختصة النأى عنه.

وأضافت المحكمة أن العدالة الاجتماعية تمثل ركناً جوهرياً لأى نظام ديمقراطى، والدولة ممثلة في الهيئة العامة للتأمين الصحى ملزمة برعاية المؤمن عليهم رعاية صحية وعلاجية كاملة، بما في ذلك صرف الدواء حتى شفائهم أو ثبوت عجزهم، وذلك في مقابل ما يدفعونه من اشتراكات التأمين الصحى، ومن ثم وجب على الدولة القيام بهذا الالتزام دون أن يكون ذلك تفضلاً منها عليهم، ولا يجوز لها الإحجام تنصلاً منها اليهم، لأن المشرع الدستورى أوجب على الدولة كفالة التأمين الصحى لجميع المواطنين بها، بما يستتبعه ذلك من توفير سبل العلاج حسبما تقتضيه حالة المريض، ومن بينها كفالة التأمين الصحى لطلاب المدارس.

وذكرت المحكمة أن التلميذة علياء عبد المجيد عوض، الطالبة بالصف الخامس الابتدائى بمدرسة المجاهدين الابتدائية بشبراخيت بمحافظة البحيرة، والتي تعانى من مرض السكر المزمن " سكر أطفال من النوع الأول"، وأن العيادة الشاملة قررت باحتياجها إلى العلاج المذكور، إلا إن التأمين الصحى رفض تقديم العلاج لها، على الرغم من أنها من الخاضعين لنظام التأمين الصحي على طلاب المدارس، ويجب أن تستظل بخدماته، ويتعين أن تلتزم تلك الهيئة بتوفير الأدوية اللازمة وبالجرعات المقررة لعلاجها وبما يتناسب مع تطور حالتها الصحية بصفة دائمة ومنتظمة دون تأخير حتى تمام شفائها، مشيرة إلى أن امتناع الهيئة المدعي عليها عن صرف الأدوية المشار إليها للتلميذة قراراً سلبيًا مخالفًا للدستور والقانون.

وأشارت المحكمة أنه عن الدفع المبدى من وزير الصحة بعدم قبول الدعوى بالنسبة له في الدعاوى التي ترفع على الهيئة العامة للتأمين الصحى لعلاج الأطفال، بحجة أن للهيئة شخصية اعتبارية مستقلة، فإن ذلك مردود عليه أنه طبقاً لقانون تلك الهيئة فإن وزير الصحة هو الرئيس الأعلى للهيئة العامة للتأمين الصحي، وما يصدر من أحكام على الهيئة تتولى الهيئة تنفيذها تحت إشرافه ومسئوليته، مضيفة بأن اختصام وزير الصحة واجب حتى يكون الحكم الصادر على الهيئة في مواجهته لإلزامها بتنفيذه،  ويتعين لذلك رفض ما دفع به الوزير من عدم قبول الدعوى في مواجهته، فضلاً عن أن هيئة التأمين الصحى رفضت المثول أمام المحكمة رغم إعلانها إعلاناً قانونياً صحيحاَ، كما رفضت تقديم العلاج للطفلة المقيدة بالمرحلة الابتدائية وهى الصغيرة التي لا تقوى على المرض احتمالا ورضيت بقضاء الله امتثالاً،  وحياتها بذلك المرض تمثل خطراً، ولا يملك والدها من ثمن علاجها قدراً، فلم تسطع المحكمة على الإدارة صبراً،  وهو ما يمثل قمة الاستهانة بأحكام الدستور، الذي ألقى على الدولة بموجب حكم المادة 18 من الدستور المعدل لعام 2014 عبء إقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض، بل جعل الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالة الطوارئ أو الخطر على الحياة جريمة يعاقب عليها القانون، وقد غاب عن التأمين الصحى ووزير الصحة أنه لا توجد سلطة مطلقة تفلت من أحكام القانون إذا مالت وجنحت إلى غير الحق.

واختتمت المحكمة حكمها  أنه لا يجوز للهيئة العامة للتأمين الصحى الامتناع عن صرف ذلك الدواء للتلميذة، خاصة أن والدها فلاح من غير القادرين على تحمل النفقات الباهظة لهذا العلاج، وبهذه المثابة يشكل امتناع الإدارة عن صرف ذلك الدواء قراراً سلبياً مخالفاً لأحكام الدستور والقانون، خاصة وأن التأخير في منح الطفلة التلميذة جرعات العلاج يعرض حياتها للخطر ويحرمها من حقها في العلاج المجانى ويمس حقها في الحياة، وهما حقان دستوريان يتوجب على الدولة ممثلة في هيئة التأمين الصحى بذل العناية اللازمة لتخفيف معاناة الأطفال المرضى من آلام المرض العضال الذي ألم بهم، مؤكدة بأن الامتناع عن تقديم هذا العلاج جريمة إنسانية في حق الطفولة.