بعد مرور 71 عامًا على ولادة القضية الفلسطينية بعد النكبة، لا تزال تشغل مكانًا مهمًا على صعيد السياسة الدولية ويعرب الجميع عن سعيه لحلها. واحدة من أعقد وأغرب القضايا السياسية والإنسانية في العصر الحديث، لا تزال بعد مرور سبعة عقود تملأ وجدان الشباب العربي بالأمل في حل عادل لأبناء الشعب الفلسطيني يعودون فيه إلى الأرض التي أخرج قسم كبير منهم منها، وأن يزول عن كواهلهم وطأة الوضع الذي يكابدوه منذ عام 1948، لتمر القضية بخمس محطات أساسية منذ ذلك الحين.

منذ ذلك الوقت، مرت قضية الشعب الفلسطيني بمراحل وتطورات وانتكاسات متعددة، ليست أقل وطأة من نكبة تهجير الشعب وخسارة الأرض في غفلة من الزمن. سنوات أخرجت من رحم اللاجئ مقاوم، وتحول فيها مخيم اللجوء إلى قاعدة ثورية. وأجيال أربعة عاشت وكبرت في الشتات. مات الكبار، وما نسي الصغار ليكسبوا رهانًا ضد نبؤة جولدا مائير، ويبعثوا برسالة قصيرة تقول إنهم مؤمنون بكون الحق لا يسقط بالتقادم.

لكن تبقى قضية الفلسطينية كثيرة التفاصيل، وصعب الإلمام بكل جوانبها، والوقوف على آخر تطوراتها. حتى غدت متابعتها مرتبطة بأحداث كبرى تحصل على أرضها كانتفاضة في الضفة الغربية، أو غزو لقطاع غزة، أو اغتيال شخصية فلسطينية عامة. أما على الصعيد السياسي، فالمتابع تُعييه كم التصريحات، والصراعات الثانوية، والقضايا الهامشية التي تدور في فلك القضية الفلسطينية، ناهيك عن أسسها الكبرى التي ضاعت تفاصيلها في دهاليز السياسة، وفي طيات الزمن. ليسأل المتابعون الشباب: كيف نشأت القضية الفلسطينية؟ وما هي خلفيات محطاتها الكبرى؟ وما المآل الذي آلت إليه اليوم؟

ما قبل النكبة.. روما والقدس!

تعرض يهود أوروبا إلى قمع شديد ومستمر لأسباب كثيرة في البلدان التي عاشوا فيها أواخر القرنين الثامن والتاسع عشر. حتى فرض عليهم العيش في أحياء سكنية أطلق عليها اسم «الجيتو» لم يكن مسموح لهم بالخروج منها إلا خلال النهار. تنامى التمييز ضدهم في النصف الأول من القرن الماضي إبان صعود القوميات الأوروبية وفكرة سمو العرق السامي على غيره. ثم توج هذا التمييز العنصري بالمذابح التي اقترفت بحقهم على يد النازية الألمانية. والحال أن هذا التمييز الذي استمر لعقود طويلة دفع بالكثيرين من أبناء الديانة اليهودية إلى التفكير بحل ما يخلصهم من هذا العذاب الذي سامتهم إياه أوروبا ودولها.

 

في منتصف القرن التاسع عشر، وفي 1862 تحديدًا، وضع الفيلسوف اليهودي الفرنسي موسى هس كتابًا بعنوان «روما والقدس» أوضح فيه أن مشكلة اليهود تكمن في أنه لا وطن لهم يجمعهم. تأثر العديد من الشباب اليهودي في أوروبا بالكتاب الذي صار لاحقًا مرجعًا تأسيسيًا للحركة الصهيونية، وألهم الكثيرين بتنظيم أنفسهم، حتى أن الشاب اليهودي النمساوي بيرنباوم صاغ لاحقًا مصطلحي الصهيونية والصهيوني عام 1890 لوصف الحركات التي نشأت استجابة لمذابح اليهود في روسيا القيصرية.

خرج إلى الضوء بعد ذلك بخمس سنوات الكتاب الأهم في تاريخ الحركة الصهيونية، كتاب «دولة اليهود» عام 1895 لتيودور هرتزل، الأب الروحي للصهيونية العالمية، ليجيب على السؤال الأكبر، ويخيّر بني قومه بواحدة من أربع دول لتكون الوطن المنشود، وحيث تقام الدولة، فوقع الاختيار على فلسطين.

في العام 1897 عقد الشاب الثلاثيني هرتزل أهم مؤتمر له في حياته في مدينة بازل السويسرية حيث جمع كل مؤمن بأفكار الحركة الصهيونية الداعية إلى إيجاد وطن قومي ليهود العالم في فلسطين. وتم الاتفاق على الخطوط العامة والعملية لتنفيذ الفكرة التي لم يتأخر المؤتمر بتنفيذها. في ذلك العام كان اليهود يشكلون 3% فقط من مجموع السكان في فلسطين، كانوا قد جاءوا على شكل حجيج للأراضي المقدسة، والباقي عرب.

استقرت المؤتمرات الصهيونية اللاحقة على فكرة تجميع يهود العالم من كل حدب وصوب، ليشكلوا عصب الدولة المنوي إقامته وشحنهم إلى «أرض الميعاد»، إلى الأرض التي لا يسكنها أحد بحسب الدعايا اليهودية وقتها، وهكذا بدأت الهجرات اليهودية إلى فلسطين ولم تتوقف حتى يومنا هذا.

النكبة 1948.. حتى لا تخدعك الأرقام

بحلول العام 1947 كانت نسبة المهاجرين اليهود المحملين بالفكر الصهيوني قد وصلت إلى 31% من مجموع السكان في فلسطين، والباقين عرب. وبالرغم من الارتفاع المهول في أعداد المهاجرين خلال 60 عامًا في ذلك الوقت لم تزد نسبة ملكيتهم للأراضي الفلسطينية عن 8.8% مقابل 91.2% للعرب والفلسطينيين. دفع ازدياد عدد المهاجرين بالفلسطينيين أن يقدموا عرائض احتجاج للسلطات العثمانية، مطالبين بوقف ومنع الهجرة اليهودية إليهم. بدأ الفلسطينيون يتنبهون لطبيعة الهجرة اليهودية مبكرًا، والتي بدأت تتكشف نواياها بعد أن اشتد عودها، واستغلظ مقامها واستوى.

هذه الفترة حتى عام 1947 شهدت ازدياد نشاط المجموعات الصهيونية، والتي تبين أنها لم تأتي إلى فلسطين فقط بسبب الاضطهاد الأوروبي لها، ولا بسبب جحيم الحروب هناك، بل كان ورائها مشروع وهدف. كما أن هذه الفترة شهدت انهيار الدولة العثمانية، وشهدت الانتداب الاستعماري البريطاني على فلسطين الذي توجته بوعد بلفور عام 1917 تُمنح فيه فلسطين كوطن قومي لليهود. وشهدت أول صدام بين العرب واليهود في ثورة البراق عام 1929، لتتبعها أول ثورة فلسطينية شاملة لكل الأراضي ولكل قطاعات الشعب عام 1936. كانت مطالبها تتلخص بوقف الهجرة اليهودية، ومنع نقل ملكية الأراضي العربية إلى اليهود وإنشاء حكومة وحدة وطنية.

4 أفلام وثائقية قد تغنيك عن «كورس» في القضية الفلسطينية!

اضطرت بريطانيا تحت ضغط الثورة التي استمرت حتى العام 1939 أن تصدر مرسومًا عرف بالكتاب الأبيض تحظر بموجبه الهجرة اليهودية إلى فلسطين لمدة خمس سنوات. وتمنح بموجبه الفلسطينيين الاستقلال خلال 10 أعوام.

كما أنها شهدت محاولتين لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، الأولى عام 1937 على إثر الثورة آنذاك من خلال لجنة بيل، التي كانت ستعطي لليهود 33% من الأراضي الفلسطينية بالرغم من أنهم لم يمتلكوا حتى ذلك الحين أكثر من 5.5% من الأراضي الفلسطينية، والمحاولة الثانية كانت من خلال قرار الأمم المتحدة 181 عام 1947 والذي أراد إعطاء اليهود ما نسبته 56.5% من الأراضي الفلسطينية بالرغم من أن ملكيتهم لم تتجاوز 6.5% من مجمل الأراضي الفلسطينية. رفض العرب القرار الذي أيدته كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والأمم المتحدة.

ومع استمرار الهجرة اليهودية وإعلان بريطانيا نيتها الانسحاب من فلسطين، أعلنت المنظمات الصهيونية التعبئة العامة والتجنيد الإجباري لكل من هو بين سن 17 – 25 سنة، وفي المقابل شكلت الجامعة العربية ما عرف بجيش الإنقاذ لتندلع الحرب بين الطرفين التي خسرها العرب (القوات الفلسطينية، والجيش الأردني، والجيش العراقي، والجيش المصري، والجيش السوري وجيش التحرير العربي) لصالح المنظمات الصهيونية (الهاجاناه، وأرغون وشتيرن).

أسفرت الحرب عن هدف صهيوني قاتل في مرمى العرب، وانتهت اللعبة باحتلال 78% من أرض فلسطين، أعلنت عليها بعد الحرب مباشرة دولة إسرائيل اليوم. اعترفت بها أمريكا مباشرة، والاتحاد السوفييتي بعد يومين فقط. ووصل عدد اليهود فيها وقت الإعلان الى مليون و900 ألف نسمة عام 1947. وتحقق الحلم بعد 51 عامًا من العمل الشاق، والتنسيق الدقيق، وتطويع كل وسيلة في سبيل الغاية.

في المقابل كانت الحرب على الإنسان الفلسطيني شعواء. نهاية العام 1949 كان قد تم تشريد واقتلاع أكثر من 800 ألف فلسطيني من أراضيهم من أصل مليون و400 ألف فلسطيني عاشوا في فلسطين قبل النكبة. في تلك الحرب، قتل 15 ألف فلسطيني وعربي. ويربو على 50 مجزرة موثقة بحق أبناء الشعب الفلسطيني. ولم تكن الحرب على الأرض وروحها أقل هوادة، فقد مزق الاحتلال المدن والقرى، وسعى في نهش لحمها. تشير الأرقام إلى أن الاحتلال دمر 531 مدينة وقرية فلسطينية، وطهرها عرقيًا تمامًا.  تبقى للعرب فقط 22% من الأراضي الفلسطينية، بعد أن كانت نسبة امتلاكهم للأراضي حتى عام  1947 تساوي 91.2%، بمعنى آخر خسر العرب كل فلسطين في ذلك العام، إلا الضفة الغربية وقطاع غزة.

إلى جانب ذلك خسر العرب الجزء الأكبر من مدينة القدس، وصارت ما يعرف اليوم بالقدس الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي، وانتهى بذلك 1200 عام من حكم العرب المسلمين على المدينة. وبقيت لهم القدس الشرقية، حيث توجد البلدة القديمة، والتي يقع فيها مسجد قبة الصخرة، والمسجد الأقصى، ومعراج الرسول محمد، وخسر الفلسطينيون كبرى وأهم مدنهم: عكا، وحيفا، وطبرية، وبيسان، وصفد، والرملة، وعسقلان، وبئر السبع، ومدينة السيد المسيح الناصرة. أطلق العرب عليها مدن الـ48، أو أراضي الـ48، أو مدن فلسطين المحتلة.

تفرق الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض، بعد أن اقتلع من أرضه، وكسبت الحركة الصهيونية أرضًا شبه مجانية، وجمعت شعبًا من شتات دخلت بهم مبنى الأمم المتحدة عام 1949 كدولة معترف بها دوليًا. وأسدل الستار على القصة، وسكت الراوي هنيهة ثم قال: يا لها من نكبة.

3- النكسة 1967.. تشوه لا زال أثره في وجه العرب حتى اليوم

كان لسان حال الحركة الصهيونية يقول: «لقد نجحت الخطة إذًا! حسنًا، نحتاج المزيد من الرجال والنساء، الكثير منهم ليملأوا هذه الأرض»، وخلال السنوات العشر التالية على النكبة، حط أكثر من 800 ألف مهاجر جديد رحاله في الموانئ الفلسطينية المحتلة. وتم تثبيت دعائم الدولة الوليدة، واستطاعت حتى الآن الصمود في وجه جيرانها الضعفاء.

أما الفلسطينيون فعاشوا سني لجوئهم الأولى يمتصون الصدمة، ويتنفسون جاهدون يعبّون النفس، علّهم يستفيقون. ولم يتأخر إعلان الفلسطينيين عن تشكيل أنفسهم في منظمات وجمعيات وحركات وتنظيمات عسكرية.

هذه الفترة هي التي شهدت على ولادة الهوية الفلسطينية جذريًا، وأعطى فيها الإنسان الفلسطيني أجمل ما فيه في الشعر والأدب والفكر والموسيقى والسياسة والقتال. فترة ترك فيها اللاجئون خيام التشرد إلى جبهات القتال، وحملوا قلوبهم ومحاريثهم، ومواويلهم وبنادقهم جسورًا باتجاه فلسطين. مدفوعين بالمد القومي العربي، والتعاطف الشعبي الهائل في بقاع كثيرة في العالم. إلا أن المفارقة التاريخية تأبى إلا أن ترخي النكسة مصائبها في العصر الذهبي لانتفاخ القومية العربية حتى تورمها في رأي بعض المحللين.

في غمرة  النزعات القومية، والنشوة اليسارية، قرر العاملون على السياسة الإسرائيلية أن ينتهزوا الفرصة التي سنحت أمامهم بعد إغلاق الرئيس المصري جمال عبد الناصر ميناء العقبة في وجه السفن الإسرائيلية، باختيار صباح الخامس من يونيو (حزيران) عام 1967 الذي بدا صباحًا لطيفًا ليكون وقت الوجبة التوسعية الثانية.

انطلقت إسرائيل لاحتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية. لكن وبعد ستة أيام فقط من الحرب، وجد الإسرائيليون أنهم توفروا على ثلاثة أضعاف ما كان لديهم من الأرض. إذ احتلوا في رحلة قصيرة باقي فلسطين؛ الضفة الغربية، وقطاع غزة. واحتلوا سيناء وجزيرتا تيران وصنافير من مصر، والجولان من سوريا، ومزارع شبعا من لبنان، بالإضافة إلى ذلك خسر العرب القدس الشرقية والمسجد الأقصى. كما أسفرت الحرب عن عشرات الآلاف من الشهداء وخمسة آلاف أسير عسكري عربي. وأجبر أكثر من نصف مليون عربي على النزوح عن أراضيهم.

أطلقت القيادة المصرية تحديدًا والجماهير العربية من بعدها على هذه الخسارة النكسة مجازًا، على أمل أن تتبعها نهضة عربية. أمسى ميزان القوة في الصراع العربي الصهيوني لصالح الدولة الوليدة منذ ذلك الحين بشكل جذري. شكلت النكسة منعطفًا مهمًا في التاريخ العربي، تشوّه على أثره وجه السياسة العربية وهبط سقف المطالب إلى مستويات متدنية ستظل مستمرة حتى اليوم. فصار العرب يطالبون إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 67 بدلًا عن الأراضي التي احتلتها عام 48.

صار قرار الأمم المتحدة 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، والصادر في نفس عام الحرب، هو الأساس المرجعي لفض الخلاف بين الطرفين، وأساس عمليات السلام التي جاءت بعد ذلك بأعوام. فكان اعترافًا ضمنيا لإسرائيل بالتنازل عن الأراضي المنتزعة عام 1948 للأبد، واقتصار فلسطين على الأراضي المحتلة عام 1967، أي الضفة الغربية وقطاع غزة.

شكلت النكسة في السياسة الإسرائيلية لحظة فارقة من حيث سياستها في الحفاظ على الأراضي التي اكتسبتها، والعمل على زيادتها ببطء تارة وعلى عجلة تارة أخرى. بدأت السياسة الإسرائيلية تعتمد بشكل أكبر على المستوطنات، وهي تجمعات سكنية إسرائيلية أقيمت على الأراضي المحتلة منذ النكسة؛ بسبب دورها الفعال في قضم الأراضي الفلسطينية المتبقية، كثفت إسرائيل من بناء المستوطنات حتى تضفي عليها صفة الأمر الواقع في أي مفاوضات مستقبلية بخصوص إقامة الدولة الفلسطينية.

4- اتفاقية أوسلو.. حتى أنت يا بروتس؟!

مر 26 عامًا على القضية الفلسطينية منذ النكسة وخسارة كل أرض فلسطين التاريخية، وجزء من بعض البلاد العربية. شهدت المنطقة العربية الكثير من الأحداث المهمة، والتي نعتقد أنها دفعت العرب وليس الفلسطينيون فقط نحو أحضان معاهدات السلام مع الكيان إسرائيل.

كانت السنين السابقة على معاهدة أوسلو شاهدًا على أعنف محطات المواجهة العسكرية بين العرب وإسرائيل، ففي العام التالي لحرب النكسة، اجتاحت المدرعات الإسرائيلية الضفة الشرقية لنهر الأردن باتجاه بلدة الكرامة في الغور الأردني، بحجة القضاء على النشاط الفدائي الممتد على طول خط المواجهة من شمال طبريا حتى البحر الميت. ولأول مرة يكسر العرب (الجيش الأردني والفدائيون الفلسطينيون) شوكة العنجهية الإسرائيلية في المنطقة ويجبرونهم على طلب وقف إطلاق النار.

كيف غيّر بيريز حياة محمود عباس للأفضل؟!

إلا أن شركاء النصر خسروا تحالفهم بعد اندلاع المواجهات بينهم في العاصمة الأردنية عمان فيما عرف بعد ذلك بأحداث سبتمبر (أيلول) الأسود عام 70-71، لتخرج فصائل المقاومة الفلسطينية على إثر الصدام الدموي من الأردن باتجاه لبنان، وتخسر بخروجها أطول خط مواجهة مع إسرائيل، وأهم حاضنة شعبية عربية لها.

بالرغم من ارتفاع معدلات الفعل الفلسطيني المقاوم المسلح ضد الأهداف الإسرائيلية وتنوع أشكاله في الفترة من هزيمة 67 إلى وقت توقيع اتفاقية أوسلو. إلا أن هذه الحقبة توجت بهزيمة المقاومة الفلسطينية بعد انتهاء حصار بيروت عام 1982.

من خطف الطائرات، إلى عمليات التسلل النوعية باتجاه الأراضي المحتلة، واستخدام الطائرات الشراعية في تنفيذ عمليات في العمق الفلسطيني، والتحاق العشرات من المناصرون العرب والأمميون بفصائل المقاومة الفلسطينية إلا أنها منيت بخسارة فادحة في نهاية المطاف لعوامل عدة ليس هنا مجال التفصيل فيها. وانتقلت المقاومة الفلسطينية من بيروت إلى تونس هذه المرة، لتبتعد أكثر عن الوطن، ولتبدأ مرحلة من النضال عن بعد.

كان من بين أبرز نتائج هذا النضال عن بعد هو اعتماد الإنسان الفلسطيني في الداخل المحتل على نفسه وحدها. أمر ترجمته انتفاضة أطفال الحجارة عام 1987، والتي كانت صرخة إنسانية فتح صداها عيون البشرية، والرأي العام العالمي لأول مرة على مأساة الشعب الفلسطيني عن قرب. وكسب نضال الشعب الفلسطيني تعاطفًا إعلاميًا وشعبيًا عالميين، لتنتهي هذه الانتفاضة التي طالبت بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، وتفكيك المستوطنات، وعودة اللاجئين دون قيد أو شرط، وتقوية الاقتصاد الفلسطيني تمهيدًا للانفصال عن الاقتصاد الإسرائيلي،  بعد ثلاث سنوات على وقع حدثين إقليمي وعالمي؛ الحرب على العراق في يناير 1990 إثر غزوه دولة الكويت، وانهيار الاتحاد السوفييتي في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1991.

انتهت هذه الحقبة الحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية بتلقي الفلسطينيين والأردن وسوريا ولبنان إلى جانب الإسرائيليين دعوة بتاريخ  30 أكتوبر 1991 موقعة من الاتحاد السوفييتي – الذي سيتفكك بعد أيام قليلة – والولايات المتحدة الأمريكية لعقد مؤتمر سلام في مدريد يضع حدًا وحلًا واقعيًا للأزمة في الشرق الأوسط بين إسرائيل وجيرانها العرب، خصوصًا أن أمريكا أرادت استثمار النصر على العراق، وتثبيت نفط الخليج العربي على قائمة مكتسباتها، وانهيار منافسها الأقوى سياسيًا في الدفع باتجاه حلحلة الأزمة بين الأطراف هناك. وعقدت جولات مارثونية علنية من المفاوضات بين العرب وإسرائيل في أمريكا حتى مطلع عام 1992، لم تحقق شيئًا يذكر كما كان متوقعًا.

في الأثناء، وبعيدًا عن واشنطن واللغط الإعلامي، كان برد العاصمة النرويجية أوسلو يحتضن سرًا فريقي مفاوضات؛ الأول فلسطيني بقيادة محمود عباس، والأخر إسرائيلي بقيادة شمعون بيرس، تبين لاحقًا في سبتمبر 1993 أنه كان أكثر دفئًا وحميميةً من الهذر في واشنطن عندما وقع الطرفان الاتفاق برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق، بل كلينتون في حديقة البيت الأبيض.

رفض الفلسطينيون من غير حركة فتح التي وقعت الاتفاق الكارثة باسم الفلسطينيين بحكم سيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية معاهدة السلام. بل إن حركات عرفت فيما بعد باسم جبهة الرفض منها «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية» وغيرها أعلنت أنه اتفاق خيانة لقضيتهم ومصالح شعبهم. إذ شرعنت منظمة التحرير بقيادة فتح الاحتلال الإسرائيلي لـ78% من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948 وتخلت عنها للأبد، ولم يبق لها إلا الضفة وقطاع غزة من كل فلسطين التاريخية لإقامة الدولة الفلسطينية المستقبلية.

 

تخلى ياسر عرفات بتوقيعه الاتفاقية عن نهج المقاومة والتحرير لصالح طاولة المفاوضات، في سبيل وعد إسرائيلي بمناطق حكم ذاتي نتج عنه ما يعرف اليوم بالسلطة الوطنية الفلسطينية. بل نصت الاتفاقية على أن تكفل السلطة الجديدة أمن جارتها، ما عنى نبذ المقاومة وملاحقة المقاومين. فكان الاتفاق طعنة للشعب الفلسطيني وقضيته من قيادته، ومن حيث لا يحتسب.

طوت الاتفاقية أكثر من 60 عامًا من نضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني بصورة دراماتيكية. احتفل بها الإسرائيليون أيما احتفال حتى أن أحد مديري الاستخبارات الصهيونية السابقين وصف احتلال الضفة وقطاع غزة بعد الاتفاقية بأنه «استعمار فاخر». بينما وصف المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد الوضع الناشئ عن الاتفاقية بقوله إن «منظمة التحرير الفلسطينية حولت نفسها من حركة تحرر وطني إلى ما يشبه حكومة بلدية صغيرة، مع بقاء ذات الحفنة من الأشخاص في القيادة».

إلى جانب ذلك نصت الاتفاقية على أن تنبذ منظمة التحرير الفلسطينية المقاومة المسلحة، وتمنع أي عمليات فدائية ضد دولة الاحتلال وتنتهج مبدأ المفاوضات ومسار التسوية السلمية. في المقابل اعترفت إسرائيل بالمنظمة على أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. بكلمات أخرى لم تعترف بدولة فلسطينية، ولا بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة، إنما اعترفت فقط بمنظمة التحرير.

كما أنها أقرت بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي على الأراضي التي سنتسحب منها اسرائيل في الضفة والقطاع على مراحل. نتج عن هذا الحكم الذاتي ما يعرف اليوم بالسلطة الوطنية الفلسطينية. وكان من أخطر ما قبلته حركة فتح بقيادة ياسر عرفات في هذا الاتفاق هو ترحيل نقاش أهم أسس القضية الفلسطينية إلى وقت لاحق، حددته الاتفاقية بثلاث سنوات من تاريخ توقيعها. شملت هذه المسائل ما صار يعرف إعلاميًا بقضايا الوضع النهائي وهي: القدس الشرقية، اللاجئون، المستوطنات، الحدود والترتيبات الأمنية.

لكن من الجانب الآخر، يدافع أهل أوسلو بالقول أن الظاهر ابتلاء، والواقع فرج. فالاتفاقية مكنت الشعب الفلسطيني بحسبهم من إقامة كيان سياسي له على أرض فلسطينية للمرة الأولى. ووضعت الاتفاقية بين يديه سلطات وصلاحيات وطنية يحتكم بمقتضاها سياسيًا ومدنيًا وإداريًا واقتصاديًا وقضائيًا، بعيدًا عن النظام الإسرائيلي، وأنها أوجدت أرضية قانونية ملائمة لإدامة الكفاح الوطني الفلسطيني سلميًا ومن الداخل الفلسطيني، بعد أن كانت قد أغلقت الأبواب العربية والأجنبية أمامهم إلا باب المفاوضات. والاتفاقية أشعلت جذوة أمل قد خبا في أن الفلسطينيين قد يتحصلون على حق ما في يوم ما من إسرائيل. فواقع الحال يقول ما تحقق بالتفاوض لم يتحقق بالقتال، والمباراة بنتائجها، لا بسير أحداثها.

5- الوضع الراهن.. أجراس صفقة القرن تدق

في قراءة الوضع الراهن للقضية الفلسطينية، وفهم تعقيداتها لا بد من استحضار هذه المحطات في تاريخها. فبالرغم من أهمية الانتصارات العسكرية الإسرائيلية المتتالية على العرب في بداية الصراع، إلا أن اصطياد الفلسطينيين في اتفاقية أوسلو يكاد يكون أهم انتصار حققته إسرائيل على الإطلاق في هذا الملف، لضخامة تبعاته وفداحة الخسائر السياسية التي لحقت بالقضية الفلسطينية منذ توقيعه.

أهم تلك النتائج على الإطلاق تهميش دور منظمة التحرير كمظلة جامعة لكل الفلسطينيين، لصالح السلطة الوطنية الفلسطينية ذات النفوذ المحدود على الضفة، وفي أحيان أخرى يقتصر نفوذها فقط على فلسطيني مدينة رام الله في حالات الإغلاق العسكري الإسرائيلي للضفة. وتغييب المجلس الوطني الفلسطيني الذي يفترض أن يكون برلمانًا ممثلًا لكل الفلسطينيين، لصالح المجلس التشريعي الفلسطيني الممثل فقط لفلسطينيي الضفة وقطاع غزة فقط، والمعطل منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007.

اليوم وبعد 26 عامًا على اتفاقية أوسلو كسبت إسرائيل ولا تزال كل شيء ممكن على حساب العرب والفلسطينيين وعلى كل الجبهات. إذ لم تتوقف حروب إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الذي يفترض أن معاهدة السلام أنهتها.

 

فمنذ مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994، أي بعد أقل من عام على توقيع المعاهدة، مرورًا بانتفاضة الأقصى عام 2000، ومذبحة مخيم جنين عام 2002، ومجازر غزة عام 2006 حتى الحروب المتتالية على قطاع غزة أعوام 2008، 2012 و2014 والإنسان الفلسطيني مستهدف من آلة القتل الإسرائيلية. إذ قتلت عشرات الالاف، وأسرت أكثر من 6 آلاف معتقل في سجونها في استمرار لسياستها تجاه الإنسان الفلسطيني منذ عام 1948.

ومن جهة أخرى توسع الاستيطان وزاد عدد المستوطنين في أراضي الضفة الغربية التي يفترض أن تقام عليها الدولة الفلسطينية. فقد زاد عدد المستوطنين من 250 ألف مستوطن عام  1993 في الضفة والقدس وغلاف غزة ليلامس حاجز الـ700 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس فقط عام 2017. بحسب الأمين العام للمبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي، فإن عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة تضاعف سبعة مرات منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو.

يشير تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن المستوطنون يتوزعون على نحو 196 مستوطنة و232 بؤرة استيطانية موزعة في جميع أنحاء الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس. وتشكل المستوطنات الإسرائيلية ما نسبته 42% من مساحة الضفة الغربية في المنطقة التي تضم 87% من موارد الضفة الطبيعية و90% من غاباتها و49% من طرقها. يعرف هذا الجزء من أراضي الضفة بالمنطقة (ج)، وهو تحت السيطرة العسكرية والمدنية الإسرائيلية بحسب اتفاقية أوسلو.

إلى جانب ذلك، لا تزال إسرائيل تسيطر على الحدود وتتحكم بالمعابر برًا، وبحرًا وجوًا. كما أنها مستمرة بتهويد مدينة القدس بالكامل، التي يفترض أن تحتضن العاصمة الفلسطينية، والعمل على تغيير هويتها العربية الإسلامية، باقتحاماتها المستمرة لمقدسات المسلمين في المدينة، وتحكمها بدخول المصلين إلى المسجد الأقصى فيها. وكذلك من خلال تكثيف بناء المستوطنات حولها في محاولات لخلق المدنية، وسحب رخص البناء من المقدسيين والتضيق عليهم، ومصادرة أملاك الغائبين.

وبسبب التزام المنظمة بـوضع حد لعقود من المواجهات والصراع، وبسبب التزامها بالاعتراف المتبادل، والتعايش السلمي بحسب بنود الاتفاقية، نبذت منظمة التحرير بقيادة حركة فتح المقاومة المسلحة. وغدا ما يعرف إعلاميًا بالتنسيق الأمني السلاح الإسرائيلي الفتاك الذي يقتل المقاومة وأفرادها وحركاتها بأيد فلسطينية. وظيفيًا، تؤدي  السلطة الوطنية الفلسطينية اليوم دور الوكيل الأمني في ملاحقة المقاومين في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة حتى عام 2000.

ففي رسالته إلى رئيس وزراء إسرائيل الأسبق رابين أكد الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات للرجل، أن كل عبارة في الميثاق الوطني الفلسطيني تصرح أو تلمح لعداء إسرائيل ستلغى، وسيتعطل العمل بها، بل سيحاسب كل من يخالف هذا القرار. وللتأكيد على هذا النهج، وصف محمود عباس في له التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال بالمقدس أمام مشاركين اسرائيليين من منتدى مؤسسات السلام في إسرائيل بمؤتمر في رام الله في مايو (أيار) 2014.

من قصص الخذلان المنسية.. كيف باع العرب القضية الفلسطينية؟

أدت اتفاقية أوسلو وهذا الدور الأمني الذي تمارسه السلطة إلى الانقسام في البيت الفلسطيني. وفقدت القيادة الفلسطينية بوصلتها، وتحول صراعها إلى صراع داخلي على المصالح والنفوذ بينما تعاني قضيتها وهنًا شديدًا، وتراجعًا كبيرًا على سلم الأولويات السياسية العربية. فلا مشاريع حقيقية، ولا برامج عمل محددة، أو رؤية واضحة لكيفية مواجهة التوسع الإسرائيلي على حساب الأرض والإنسان الفلسطينيين.

ولا يبشر المستقبل السياسي للقضية الفلسطينية في ضوء الظروف الدولية اليوم بأنباء سارة للفلسطينيين. إذ إن التسريبات الصحفية تشير إلى أن صفقة القرن الأمريكية لتسوية النزاعات العربية الإسرائيلية تعد بدولة فلسطينية منزوعة السيادة على أراضيها. وتتفق أكثر مع البرامج والسياسات الإسرائيلية المتبعة في السيطرة على الأراضي على حساب المصلحة العربية.

الصفقة بحسب التسريبات تتحدث عن انتقال أراضي الضفة الأقل كثافة سكانية بالفلسطينيين للسيادة الإسرائيلية، بمعنى أن كل المستوطنات المقامة على أراضي المنطقة (ج) التابعة للفلسطينيين في الضفة بحسب اتفاقية أوسلو، ولكنها تحت الإدارة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، ستصبح إسرائيلية.

في المقابل سيُمنح الفلسطينيون أرض في صحراء سيناء – بحسب التسريبات الأولية – يقيمون عليها مطار لهم، ومصانع للتبادل التجاري وإنشاء قطاع زراعي على أن لا يسمح لهم بالسكن والعيش فيها. كما أن الاتفاق يقترح أن تتولى إسرائيل الدفاع عن فلسطين الجديدة من أي عدوان خارجي، بشرط أن تدفع فلسطين الجديدة لإسرائيل ثمن هذه الحماية. مايعني دولة منزوعة السلاح إلا من سلاح المؤسسات الأمنية. لا يزال الغموض والتخبط يلف تفاصيل الصفقة، لكن التسريبات عنها يشي بحجم النكبة المنتظرة، خصوصًا أن ذات التسريبات تحدثت عن عقوبات وتصعيد بحق من يرفض الصفقة من الطرفين، وإن كانت أقسى بحق الفلسطينيين وأكثر ترهيبًا.