في الأيام الماضية شهد مجلس النواب المصري مداولات عدة لإقرار القرارات بقوانين التي أصدرها كل من: الرئيس عدلي منصور، ومن بعده الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مدة الخمسة عشر يومًا التي ألزم بها الدستور مجلس النواب بمجرد انعقاده، بعض تلك المناقشات مر بهدوء، والبعض الآخر صاحبه ضجيج سُلط عليه الضوء، والتفتت إليه جميع الأنظار.

وتعتبر واقعة صرف نائب في البرلمان من إحدى جلساته العامة التي طرح خلالها القانون رقم ٣٢ لسنة ٢٠١٤ الخاص بتنظيم إجراءات الطعن على عقود الدولة لإقراره، هي الأهم من بين كل الوقائع التي سلط الإعلام الضوء عليها؛ حيث إنها لحظة فاصلة، تستطيع أن تميز من خلالها المعارضين الجادين عن أولئك الذين يلتقطون الصغائر لتدوي أصواتهم أمام المايك على غرار معارضة مبارك الكرتونية.

ومما لا شك فيه أن المعيار الأهم لتقييم أداء البرلماني هو انحيازاته التي تمسّ حياة المواطن، ومن أكثر تلك الانحيازات أهمية وأثرًا، مواقفه من قوانين هامة تتعلق بحماية حقوق الشعب وصون ثرواته من الوقوع في أيدي مصاصي أقوات المطحونين من بني وطننا.

والمطلع على الشأن السياسي يعرف جيدًا أن قانون تنظيم إجراءات الطعن على عقود الدولة له من الأهمية – لدى أصحاب المصالح – ما جعل رئيس البرلمان (المنتمي لتحالف دعم الدولة) أن يحاول بشتى الطرق تمريره، لدرجة أن يقوم بطرحه ثلاث مرات دون إبداء أي مبررات لذلك، ورغم أن عدم إحرازه لتأييد أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان يطعن في دستورية إقراره؛ حيث أفتى العديد من الفقهاء الدستوريين أن القانون مكمل للدستور وبالتالي يلزم لإقراره موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، وليس ثلثي الأعضاء الحاضرين، وعندما انتزع النائب أحمد الطنطاوي حق إلقاء الكلمة.

وبمجرد أن بدأ يسرد أن إقرار القانون سيهدر عشرات المليارات التي نهبت في الماضي من جراء بيع أراضي الدولة للمستثمرين بأسعار زهيدة قطع عنه الصوت، فانفعل النائب مصرًا على استكمال كلمته، ليطلب رئيس المجلس التصويت – برفع الأيدي- على إخراجه من الجلسة، ثم دون أن ينظر لمن رفع يده يعلن بصوته الجوهري “أغلبية” فيثور النواب الشباب ويخرج النائب أحمد الشرقاوي من القاعة تضامنًا مع النائب أحمد الطنطاوي.

وينفعل النائب ضياء الدين داود؛ اعتراضًا على طريقة إدارة الجلسة، فيحذره رئيس المجلس بالتزام الهدوء أو الطرد، ويختتم تشنجاته بنصيحة للنواب الشباب بأن يتعلموا من النواب القدامى، بالطبع يقصد مصطفى بكري ومرتضى منصور وتوفيق عكاشة ومن على شاكلتهم!

هذا المشهد يكرس بصورة مأساوية حجم السلطوية التي يعامل بها  النظام معارضيه، والأكثر بؤسًا أن رئيس مجلس نواب الشعب هو ممثل النظام في هذا المشهد القمئ وحوله مجموعة المصالح (موافقون)!

وبالرغم من هذا الجانب المؤسف من المشهد، هناك جانب مشرق يستدعي أن ننظر إليه بعناية ونحرص على تدعيمه شعبيًا، ألا وهو بزوغ نجم نخب شابة جديدة في البرلمان أمثال نواب: دسوق وقلين أحمد الطنطاوي، والمنصورة أحمد الشرقاوي ودمياط ضياء الدين داود، والإسكندرية هيثم الحريري، وحدائق القبة خالد عبد العزيز وغيرهم من الشباب الواعد.

البعض يتبنى وجهة النظر القائلة؛ بأن وجود هؤلاء النواب غير فاعل في برلمان أغلبية أعضائه يعلنون دون مواربة دعمهم لرأس السلطة التنفيذية، ربما يكون لهذا الرأي وجاهته في اللحظة الراهنة، لكن بنظرة استشراف للمستقبل، وبالقياس على تجارب دول عدة مرت بمرحلة التحول الديمقراطي، سنجد أن وجود نخب شابة في البرلمان الحالي، تنتمي لثورة يناير عامة وقضية التغيير خاصة.

هي نقطة تأسيس لحياة سياسية سليمة قادرة على طرد مرتزقة السياسة الآكلين على كل الموائد، مشروط هذا بقدرة هؤلاء النواب على إقناع الشعب أنهم بديل جاد عن الماضي العفن، بديل يستطيع أن يلبي طموحاتهم في شكل سياسات جادة وموضوعية ومدروسة، وبعيدة عن أبواق المعارضة التقليدية، قد يأخذ هذا الطريق سنوات، لكنه يبقى طريق الإصلاح الوحيد، حتى يفرز المجتمع نخب سياسية شابة تعبر عن طموحاته وتطلعاته نحو مستقبل مزدهر، يتخلص فيه الشعب من كل آثام الماضي، ويعيد بعث حضارة عظيمة دنسها المستبدون بطغيانهم، وخرب المفسدون فيها كل القيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست