• الرئيس يهتم بالمواطن الكادح.. لكن عليه توضيح شكل النظام الاقتصادى فى عهده

• أوباما لم يعد مهتما بمصر.. ونتيجة «الانقسام الرباعى» تحسم مستقبل علاقتنا مع الولايات المتحدة

• حصة مصر من مياه النيل لن تكفى مياه الشرب خلال 20 عاما.. والحديث عن معادلة صفرية لأزمة سد النهضة «كلام فارغ»

• إثيوبيا طلبت من مبارك إقامة سد يساوى ربع حجم «النهضة» ورفضنا.. ومصر لديها أوراق ضغط لحل أزمة مياه النيل

• أديس أبابا تضيع الوقت لبناء السد وسلب حقوقنا التاريخية.. وعلى الدولة التحرك لأننا وصلنا لمرحلة الخطر

• إيران والصين تستثمران المليارات فى القارة ونحن نتحدث عن صندوق دعم بـ23 مليونا فى السنة

• اعتمادنا على القذافى فى العلاقة مع ليبيا خطأ تاريخى.. واتفاق الحكومة والقبائل سبيل عودة الهدوء للمنطقة

• لا قضاء على الإرهاب دون تحقيق مصلحة لأصحاب الأرض.. والتدخل العسكرى لن يحدث إلا للضرورة

• أستبعد دخول العرب فى «سايكس بيكو» جديدة.. وما يحدث الآن محاولات إقليمية لتحديد حكم المنطقة

شارك فى الندوة- عمادالدين حسين وخالد أبوبكر ومحمد سعد عبدالحفيظ ومحمد هشام
أعدها للنشرــ محمد علاء ومحمود هاشم:

قال وزير الخارجية السابق، نبيل فهمى، إنه يتمنى على الرئيس عبدالفتاح السيسى بأن ينتهز الفرصة التاريخية المتمثلة فى كلمته أمام أول برلمان بعد ثورة 30 يونيو، بطرح رؤية داخلية وخارجية، تعطى رسالة سياسية للمجتمع المصرى فى قضايا الحريات والاقتصاد والعدالة الاجتماعية؛ فنحن لأول مرة سنرى رئيسا يتحدث أمام برلمان بعد ثورتين، والمواطن العادى يرغب فى أن يسمع عن طبيعة علاقته مع الدول الأجنبية كأولوية أولى، كما أن المجتمع الدولى ينتظر أن يسمع كيف ستخاطب شعبك والعالم الخارجى.

وأكد الوزير فهمى ــ فى الجزء الثانى من الندوة التى حل فيها ضيفا على «الشروق» ــ على أنه لا يتعين علينا فى مصر أن نضيع وقتنا فى الحديث عن أيهما افضل لمصر فوز المرشح الديمقراطى أم الجمهورى لرئاسة الولايات المتحدة، فالكل سيتعامل معنا لأن هناك رئيسا وبرلمانا منتخبين مع كل المآخذ التى قد تكون لدى البعض.

وحذر فهمى فى الندوة التى حل فيها ضيفا على «الشروق» من أن حصة مصر من نهر النيل لن تكفى مياه الشرب خلال أقل من 20 سنة، داعيا إلى عدم الاعتماد على المفاوضات الفنية فقط كحل لأزمة بناء سد النهضة، وشدد على أن اعتقاد إسرائيل باستفادتها من الوضع العربى الحالى تصور خاطئ، حيث يمهد ذلك لغليان فى الشارع الفلسطينى قد يقود لانتفاضة ثالثة.

وإلى نص الحوار:
ــ ما هى توقعاتك لخطاب الرئيس أمام البرلمان؟ وما الذى تتمنى أن يتضمنه هذا الخطاب المهم؟
** ليس لدى معلومات فى هذا الخصوص، وأتطلع أن ينتهز الرئيس هذه الفرصة التاريخية فى أول برلمان بعد 30 يونيو، بطرح رؤية داخلية وخارجية، ويعطى رسالة سياسية للمجتمع المصرى فى قضايا الحريات والاقتصاد والعدالة الاجتماعية؛ فنحن لأول مرة سنرى رئيسا يتحدث أمام برلمان بعد ثورتين، والمواطن العادى يرغب فى أن يسمع عن طبيعة علاقته مع الدول الأجنبية كأولوية أولى، كما أن المجتمع الدولى ينتظر أن يسمع كيف ستخاطب شعبك والعالم الخارجى.
كل ما يهمنى هو تناول السياسات بقدر تناول المشروعات والموضوعات التى تعكس تنفيذ هذه السياسات؛ حتى يجد كل واحد منا طريقه وفقا لها، وإذا فضل الرئيس التركيز على مجال واحد فليكن المجال الداخلى، فضلا عن توضيح دورنا الإقليمى ورؤيتنا لقضايا المنطقة وخطواتنا لتنفيذ هذه الرؤية.

•  بعد سنة ونصف السنة من حكم الرئيس السيسى.. هل آن له طرح رؤيته لشكل النظام الاقتصادى؟
** بدون شك إجراءات الرئيس تهتم بالمواطن الكادح، لكن عندما تطلب مشروعات كبرى فلابد أن تحدث المستثمر عن السياسات التى تؤمنه فى هذه المشروعات، لذا آن الأوان أن تشرح كيف ستحقق هذه المعادلة، وهذا أمر مطلوب ومفيد، وليس مهما أن يتفق معه الجميع، فأنا لا أضع سياسة لإرضاء طرف أو آخر، ولا توجد سياسة فى العالم ترضى الجميع، إنما الرئيس المنتخب من حقه وواجبه طرح فلسفته السياسية والاقتصادية والأمنية.. إلخ، حتى يجد طريقه فى هذا السياق ويكون هذا هو أساس تقييمه، فلا أحد يستطيع أن يقول للرئيس إنه لم يفعل مثل مبارك أو السادات فهو لم يقل إنه سيكون مثلهما، فالحساب يكون على ما قاله هو.
لا يمكن تحقيق عدالة اجتماعية إذا لم يشعر المواطنون جميعا بأنهم على المسافة نفسها فى العلاقة مع السلطة، لذا لابد من إيجاد علاقة ما اجتماعية مختلفة وهذه أهم إنجازات عبدالناصر.
اليوم نحن فى القرن الواحد والعشرين، وهذا لا يعنى أن ما مضى سيئ، إنما يعنى ألا نكرر أخطاء العالم العربى الذى يأخذ المواطن ويحدثه عن الماضى، فأنا أريد أن آخذ المواطن وأحدثه عن المستقبل وأشرح له رؤيتى لذلك، كيف سأحقق عدالة اجتماعية بالحريات وبناء الاقتصاد أم باقتصاد مركزى؟ هل سأمنح الكفاءة للتنافس مع الكل ويبقى القوى أمام الضعيف؟ أم أحصن الضعيف ــ وهو فى رأيى الأفضل ــ وأمكِنه تدريجيا، وفى نفس الوقت أعطى الفرصة للأقوى أن يكبر طالما يدفع الضريبة المطلوبة؟؛ فنحن لا نستطيع تجاهل أن 35 إلى 40% من الشعب المصرى حول خط الفقر.

• كيف تنظر إلى طريقة الإدارة السياسية للدولة المصرية فى هذه اللحظة؟
** تحتاج إلى شىء من الوضوح؛ فالسياسة معناها مخاطبة الناس، وإذا لم تقل رأيك سيقول آخر رأيه فتأتى أنت وتقول إنه غير حقيقى.
مع مركزية القرار فى الماضى كانوا يدربوننا على حجب المعلومة، وهو ما ذكرته حينما كنت أعمل فى الخارجية، وقلت إننا نريد أن ندرب كوادرنا على إعطاء المعلومة بشفافية وهذا أمر مهم جدا، فالعمل الخارجى والعمل الداخلى يسيران بالتوازى، فحين أقول إننى سأذهب للاستثمار فى دولة إفريقية بعينها أو لأحارب جهة معينة فى ظل الوضع الحالى سينظر الناس لك بتعجب، فإذا كنت فى وضع مستقر ستحظى بدعم شعبى، والريادة بقدر ما هى مسئولية تحتاج أيضا لتكلفة سياسية ومادية، إنما إذا كانت فى إطار استراتيجية معينة سيتفهمها الجميع.
على سبيل المثال، أنا مؤيد تماما لتنوع مصادر التسليح، لذا يجب صياغة بيان عن طبيعة وماهية الأمن القومى كل 5 سنوات أو مع انتخاب الرئيس، كما تفعل الدول الكبرى، ففى الماضى لم يكن هذا مهما فلم يكن أحد قادرا على الوصول إلى هذا الأمر، بينما اليوم تستطيع من خلال هاتف محمول استخراج 50 تفسيرا للأمن القومى المصرى من جهات غير حكومية، والخارج يفعل الأمر نفسه.

•هل ترى تغييرا فى النظرة الأمريكية لنظام 30 يونيو بعد وجود رئيس وبرلمان منتخبين؟
** السياسة الخارجية الأمريكية مبنية على مبادئ سياستها الاقتصادية؛ أين المصلحة؟ وما المكاسب والخسائر؟ وهم لديهم مصلحة فى التعامل مع مصر مثل دول أخرى فى المنطقة، بصرف النظر عن مواقفهم السابقة التى تجاوزوها.
لكن هناك انقساما رباعيا فى الولايات المتحدة تجاه مصر، فالرئيس الأمريكى لم يعد مهتما بمصر أو فلسطين، ويفضل ألا تكون هناك مشاكل تؤدى إلى إزعاجه فى هذه القضية، هو ليس ضدى أو معى، وهناك التيار الإصلاحى فى البيت الأبيض والخارجية الأمريكية ومراكز البحث وخلافه لا يزال جميعها يتخذ موقفا متشددا تجاهنا، جزء منهم مرتبط بما شهدته البلاد، والآخر مرتبط بشكواهم من بعض انتهاكات حقوق الإنسان وخلافه، الشق الثالث هو وزير الخارجية جون كيرى، وهو رجل عملى يرى أن لمصر أهمية سياسية وإقليمية فى المنطقة، ويؤيد العمل معها بواقعية، وأخيرا قال إنهم تسرعوا فى مسألة نشر الديمقراطية لأن المؤسسات لم تكن قادرة على استيعاب هذا التحول، والأجهزة الأمنية الأمريكية «المخابرات والدفاع» مؤيدة للتعامل مع مصر، ووفق هذه المعادلة فالعلاقة بين البلدين ستدار بشكل ميكانيكى على أمل ألا تواجه أزمات، لكنها لن تستثمر بشكل جاد بسبب تنازع أطراف الإدارة فى الولايات المتحدة.

• هل الأفضل لمصر فوز المرشح الجمهورى أم الديمقراطى فى الانتخابات المقبلة؟
** ليس هناك جمهورى أو ديمقراطى أفضل من غيره كثيرا بالنسبة لمصر، ومن السابق لأوانه تقدير من يمكنه أن يكسب بين الحزبين، ولا أستبعد فى النهاية أن يفوز مرشح غير موجود حاليا، وأنا أتحدث هنا تحديدا عن مرشح الحزب الجمهورى، بينما على الجانب الديمقراطى ليس لدى هيلارى كلينتون أو بيرلى سانتوس اتجاه سلبى تجاه مصر أو تقدير خاص لها، فسانتوس أقل حماسا فى الشئون الخارجية عن كلينتون.
لذا أرى أن أفضل إعداد لهذه العلاقة هو استكمال أو وضع عناصر قوية لاستقرار الوضع المصرى الداخلى وبدء استعادة الدور الإقليمى، وهو ما سيدفع الرئيس الأمريكى الجديد للتعامل معنا، وأنا هنا أتحدث بعيدا عن ملف الإرهاب؛ فالجميع سيؤيد الموقف المصرى فى هذا الأمر، وقد يختلف البعض فى المواجهة الصارمة لجذور الإرهاب؛ لا يزال لدى البعض فى أمريكا قناعة بأهمية استيعاب تيار الإسلام السياسى، وفى النهاية أرى ألا نضيع وقتنا فى البحث أيهما أفضل، فالكل سيتعامل معنا لأن هناك رئيسا وبرلمانا منتخبين مع كل المآخذ التى قد تكون لدى البعض.

•كيف ترى تعامل الدولة مع ملف سد النهضة الإثيوبى؟
** أنا مؤيد تماما لفكرة حل الأمر بتوافق مصالح الأطراف الثلاثة، والحديث عن وجود حل يقوم على معادلات صفرية «كلام فارغ»، لذا أؤيد التوجه الإيجابى تجاه شركائنا فى النهر، وإذا كنا مشينا هذا الاتجاه منذ 20 سنة لم نكن لنصل لما نحن عليه الآن، ففى عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك طرح الجانب الإثيوبى بناء سد بربع حجم السد الحالى واعترضنا عليه، والآن نرغب فى التفاوض.
عندما توليت وزارة الخارجية وتجولت فى إفريقيا، كان كل رئيس دولة يقابلنى بترحاب ويسأل هل سآتى مرة أخرى، حدث ذلك على الأقل ثلاث مرات، يقولون هل حضرت لبيع شىء ما، وفى كل مرة أقول لهم إننى قادم ومعى مستثمر فكانوا ينظرون لى باستغراب، وهذا أكد لى أننا فقدنا العلاقة الحقيقية بيننا وبينهم، وأصبحت مجرد علاقة مصلحة.


** مقلقة، فهناك مجموعة قضايا بعضها سياسى والآخر فنى، والأخير مرتبط بالتأثير البيئى للسد وأمانه وغير ذلك، وهذه أمور تبت فيها اللجنة الفنية، أما السياسى فيرتبط بإدارة المياه بعد بناء السد ومراحل ملء الخزان؛ لأن مراحل ملء الخزان والإدارة المستقبلية يؤثران على كم المياه، وهذا الأمر لم يحل حتى الآن وهو ما يقلق مصر.
أديس أبابا قالت إن السد لن تكون له أضرار على المصالح المصرية، ووزير الرى أكد أنها ترفض الاعتراف بالحصص التاريخية، علما بأن تطبيق نظام الحصص ذاته لن يكفى مصر لأننا نحتاج إلى المزيد، وهذا ما لن يحدث إلا بالتفاوض، وافتراض ارتباط جميع الحلول باللجنة الفنية أمر بحاجة إلى مراجعة، وعلى المفاوض الإثيوبى عدم ملء الخزان وتفسير قواعد الإدارة المستقبلية إلى أن نصل إلى اتفاق متكامل، فى غياب ذلك أنا قلق بشكل بالغ.

• المؤشرات تقول إن الجانب الإثيوبى يضيِع الوقت حتى يبنى السد بمواصفات معينة ويحاول فرض رؤيته بشأن سنوات ملء الخزان.. كيف تنظر لذلك؟
** مرة ثانية أؤكد تأييدى الحل التفاوضى، لكن هناك أسبابا للقلق من تأخر المفاوضات دون إبطاء فى معدلات البناء، وسبق أن ذكرت أن القاعدة العامة دوليا هى عدم تمويل بناء سدود على ممرات مائية تمر بأكثر من دولة حال وجود خلاف بين الأطراف المتنازعة.

• وهل باتت هذه الآلية عملية فى هذه المرحلة المتأخرة من التفاوض؟
** المهم أن تحافظ رؤية المجتمع الدولى للمفاوضات، ولا تكون هناك مبالغة فى الإيجابيات، أو التهديد بأشياء أخرى لا معنى لها، مثل ضرب السد وخلافه، فنحن لدينا بدائل قانونية ومالية، ويجب على الجانب الإثيوبى طمأنتنا أن هذا التأخير ليس له غرض آخر.
هنا أود أن أوضح، أن يوم انتخاب الرئيس السيسى شهد حضور وزير خارجية إثيوبيا، الذى التقى بالرئيس وكنت معه، وشكره على كلمته وإشارته الإيجابية لأديس أبابا، قبل أن يقول له «هل يرضيك ما يفعله بنا نبيل»، فضحك الرئيس وتدخلت قائلا «إننى أبلغتك ــ وهذا موقف الرئيس ــ أننا مستعدون لمساعدتكم فى بناء السد وفى مشروعات التنمية والطاقة، ونسعى لأمور مشتركة أخرى، لكن بشرط أن نصل لاتفاق، فهناك جوانب فنية يعالجها الفنيون، لكن هناك جوانب سياسية أيضا، وأنت تتحدث عن حوض يحجز كمية ضخمة من المياه، وهذه قضية أمن قومى».
أنا لا أبنى موقفا على الوزير أو الرئيس الفلانى، إنما أتحدث عن أمور تستمر إلى 20 و30 عاما فى منظومة تحكمنى على المدى الطويل، فالرئيس السيسى وقتها قال له «إننا نريد التعاون والخير لكم ولنا، إنما لنا احتياجاتنا المائية وليس لدينا خيارات أخرى».

• وكيف ترى رد الرئيس فى هذا الشأن؟
** مصر وضعت الإطار الملائم للمفاوضات، وفى تقديرى مردودها لم يصل إلى مستوى الخطط التى اتخذناها، فنحن اقتربنا من مرحلة افتراض سوء النوايا إذا لم تتخذ إثيوبيا خطوات أحادية لطمأنة مصر بشأن معدلات ملء الخزان ومبادئ الإدارة فضلا عن المشكلات الأخرى، فالطمأنة فى قضايا الحياة أو الموت تحتاج إلى خطوات ملموسة، واستمرار البناء كما نشهد دون مبادرة من الجانب الإثيوبى شىء مقلق للغاية.

•ما هى أوراق الضغط المصرية فى المفاوضات؟
** إثيوبيا لن تستطيع الوصول إلى معدلات التنمية المطلوبة حتى يتم بناء السد، والمجتمع الدولى لا يمول سدودا أو مشروعات كبرى على ممرات مائية متنازع عليها، لذا فالتعاون بين البلدين له عوائد على الدولتين أكثر بكثير مما بينهما من تنافس، لكن لا يمكننى التفاوض اليوم بمجرد افتراض حسن النية، وحتى إذا افترضت أن النظام الحالى فى إثيوبيا حسن النية فكيف أضمن من يأتى بعده، والأمر نفسه بالنسبة لأديس أبابا، فلو اتخذت إثيوبيا قرارها اليوم على أساس اللقاء التليفزيونى الكارثى الذى حدث وقت الرئيس الأسبق محمد مرسى فهذا الأمر تغير، فعند الحديث عن التسلح والمياه والغذاء وهى قضايا أمن قومى يجب النظر بشكل أوسع.

• هل تفكير بعض دول حوض النيل بأن مصر تستحوذ على نصيب الأسد فى حصة النهر يحكم هذه المفاوضات؟
** حقك التاريخى يجب أن تتمسك به، لكن فى حد ذاته لا يكفى، وأنا أرى ضرورة تحفيز الأطراف على التعاون معا فى مشروعات اقتصادية والنظر فى الوقت نفسه إلى البدائل الأخرى المتاحة ولا نجعل مسألة المياه هى القضية الوحيدة بيننا وبين هذه الدول.
ففى جولة لى بإحدى الدول الإفريقية سألنى رئيسها أين وزير الرى؟ فقلت له فى مصر، وأنا قادم ومعى وزير الإسكان لتنفيذ مشروعات تنمية لديكم فاستعجب؛ وفى هذا الشأن أؤكد أن المياه الموجودة على النيل أكثر من احتياجات جميع دول الحوض لكنها غير مستغلة، إذن هناك مجال لحل هذه القضايا، ويجب أن نتفاوض بحنكة دون مبالغة فى التفاؤل ودون الغرق فى التفاصيل، كما يجب ألا نجعل علاقتنا مع أى طرف مبنية على قضية واحدة.

•كيف تقيم تعامل مصر مع الملف الليبى، مع تزايد خطر التنظيمات الإرهابية على حدودنا الغربية؟
** تعاملنا مع ليبيا قبل 25 يناير كان مبنيا على قضية واحدة فقط هى تأمين الحدود الغربية من التيار الإسلامى المتطرف، ومن ثم نتيجة أن معمر القذافى كان يفعل ذلك ركزنا فقط عليه، وعندما انتهى أمره لم تعد لدينا قواعد علاقات حقيقية مع رموز المجتمع الليبى وهذا خطأ تاريخى، فعلاقة الليبيين بمصر انتهت بعد السبعينيات فى ظل الاعتماد على الرئيس الليبى وحده باعتباره حامى الحدود؛ لذا أول شىء لابد من التركيز عليه فى المستقبل ــ إلى جانب التعامل مع السلطة دون شك ــ أن تكون لنا مصالح متعددة فى دول الجوار.
لا يصح أن نقبل أن تتفاجأ دولة بحجم مصر بجيرانها، ومستقبلا لابد أن تكون لنا جذور هناك، والوضع فى ليبيا لن يستقر سريعا فهناك حكومة جديدة تشكلت، إذا استقرت ستواجه مشاكل فرض السيطرة على الأرض، وهناك تيارات مختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وفى اعتقادى سيأخذ الحل مدة طويلة، وإذا نجحت الحكومة فى استيعاب كبار القبائل ستستطيع تجاوز مسألة التطرف الأيديولوجى.
بالنسبة لنا، نحن نتعامل مع الحكومة ونتابع تعامل الحكومة مع التيارات السياسية المختلفة هناك، لكن بلا شك الوضع مقلق، وبقدر سعادتى بتشكيل حكومة من المبكر التفاؤل بحل للأمر؛ فلا يزال هناك تنازع لن يستقر إلا مع تحقيق مصالح متوازنة لكبار القبائل.

•وكيف نتعامل مع النفوذ التركى القطرى وغيره فى هذه المنطقة؟
** هناك من يلعب دورا إيجابيا، وهناك من يلعب لتنفيذ مشروع ــ حتى لو اختلفنا معه فى الرؤية ــ وهناك من يلعب دورا لأغراض غير مشروعة، وفى تقديرى مع التوجه الذى نقوم به حاليا المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من التعاون مع الجزائر وتونس تحديدا لدعم الحكومة الليبية.

•فى ظل الحديث عن «سايكس بيكو» جديدة، هل ترى أن الكيان الليبى سيستمر على وضعه الحالى؟
** البعض يرى استحالة الوصول لحكم مركزى فى الدولة الليبية وبالتالى لا يمانع التقسيم الضمنى، حتى وإن لم يكن تقسيم قانونى، والغالبية العظمى تخشى من انفراط السلطة، ومن ثم عدم السيطرة على جماعات الإرهاب المختلفة، وهذا ما شجع الأمم المتحدة على الدفع بالحكومة الائتلافية.
المجتمع الدولى لا يمانع تقسيم ليبيا فهو توجه يراه البعض لكنه ليس الخيار المحبذ، فمشكلة ليبيا أنها ليست دولة فقيرة إنما لا توجد سيطرة عليها، لذا علينا التعامل مع الأطراف الإقليمية التى لها مصلحة فى استقرار الأوضاع، على أمل أن نعطيها الفرصة، وألا نفقد الأمل مع كل كبوة.

•ما تقييمك للوضع فى سوريا؟
** أرى أنه وصل إلى مرحلة اللا حل على الأرض، ولن يستطيع طرف فرض الحل من خلال العمل العسكرى أو التغلب على الطرف الآخر، وأنا أفضل العمل على حل الأزمة وليس إدارتها، لأن الإدارة تعنى التأجيل لجولة أخرى والخلاف حاليا قائم على تشكيل المعارضة فى الاجتماع المنتظر فى جينيف نهاية هذا الشهر، وأتمنى التوافق بشأن ذلك.
الحفاظ على الدولة السورية أمر مهم للغاية، والشد والجذب فى الساحة لا يزال مستمرا ولا يوجد طرف يستعجل الوصول إلى حل، نحن لا يمكننا إنكار لا مشروعية المعارضة التى رأيناها فى البداية، إنما تفتيت البلاد على أساس عرقى أو طائفى سيؤدى إلى انعكاسات سلبية عديدة على المنطقة.

•هل ترى أن المنطقة مهددة بـ«سايكس بيكو جديدة»؟
** أستبعد ذلك، فسايكس بيكو كانت محاولة تقسيم غربى لملكية غير غربية، لكن ما يتم الآن أمر إقليمى تحاول أطرافه تحديد المعيار الحاكم للمنطقة وأغلب المستفيدين من المساس بالهوية العربية هم أطراف غير عربية، وقيل لى من شخصية سياسية غير عربية، إن مشكلتنا أننا نرى الشرق الأوسط عالم عربى وآخرين، والأمر ليس كذلك فهناك الكردى واليزيدى والحوثى، بل إن نفوذ غير العرب أقوى بكثير من النفوذ العربى، وما أتحدث عنه هو عالم عربى يشمل جميع مواطنيه أيا كانوا.

•وكيف ترى مستقبل داعش بعد تنامى نفوذه فى المنطقة؟
** جميع التنظيمات المتطرفة التى تتحدث باسم الإسلام أضرت به أكثر ما أضرت بأى طرف أجنبى، وكلها أوجه متعددة لعملة واحدة، فوقت اغتيال السادات كنا نتحدث عن تيارات معينة، وفى أفغانستان تحدثنا عن غيرها، ثم فى أحداث 11 سبتمبر تحدثنا عن القاعدة، التى تختفى نسبيا مع تصاعد داعش، لكن الخطر أن التنظيم الأخير بدأ باستهداف عناصر إقليمية وليست أجنبية  على عكس القاعدة.
الطائفية كانت أساس نشأة جميع هذه التيارات بداية بإدخال التيار الإسلامى لمحاربة الروس فى أفغانستان، مرورا بغزو الكويت وحل القضية العراقية على أساس طائفى، بينما مخططات الغرب حاضرة فى كل هذا وفى رأيى لا يمكن إنهاء «داعش» إلا بتحالف دولى جزء منه مادى عسكرى، وجزء أمنى معلوماتى، وثالث ثقافى واجتماعى، فالمسألة تستغرق مدة طويلة، وإن كنت لا أرى أن داعش هو القضية الجوهرية فى المنطقة.

• أكدت فى حديثك على مبدأ «المواطنة» بينما نسمع عن حلول للأزمة السورية والعراقية على الطريقة اللبنانية القائمة على محاصصة تضرب فكرة المواطنة فى مقتل؟
** سبق أن ذكرت ذلك للأمريكان بعد غزو العراق، وقلت لهم إن الأمر سينتهى من فشل إلى فشل، ففكرة الطوائف معادلة أفادت لبنان لأنها مبنية على التوافق لكن لها عيوبها، ولولا أن الشعب اللبنانى دائما ما ينظر إلى المستقبل لانهارت بلاده منذ زمن، لذا إذا حاولت تطبيق هذا الكلام فى باقى دول المشرق سينتهى الأمر لأزمة حقيقية.

•وما حجم استفادة إسرائيل من هذه الأوضاع؟
** إذا كانت إسرائيل تعتقد أنها تستفيد من الوضع العربى الحالى وأنها بمعزل عن هذه المشكلات فهى مخطئة، ففكرة حل النزاع العربى ــ الإسرائيلى بالحرب انتهت مع اتفاق سلام، لكن الحق العربى فى استعادة الأرض المحتلة فى فلسطين ولبنان وسوريا لم يتغير، والثورات العربية الناتجة عن شعور المواطن بالإحباط ستتسلل يوما ما إلى فلسطين وتمهد لانتفاضة ثالثة ضد إسرائيل، وهذا الغليان ظهرت بوادره بتزايد العمليات الفلسطينية ضد المستوطنين وتزايد عنف المستوطنين تجاه أبناء الأرض، لذا فقضية «الحل الفلسطينى الإسرائيلى» غير قائمة فعليا لعدم إيمان نتنياهو بهذا المبدأ، لذا أرى أنه فى غياب المسار التفاوضى على مجلس الأمن إصدار قرار يضمن عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67، مع تأمين حقوق الفلسطينيين تحت الاحتلال.

اقرأ أيضا

وزير الخارجية السابق نبيل فهمى: بـ«المواطنة» مصر تستطيع تحقيق الاستقرار فى الشرق الأوسط