كانت موافقة مجلس النواب على قانون التظاهر أمر معروف منذ البدابة، فتكوين المجلس الحالي الذي يضم أبرز أعداء ثورة 25 يناير لن ينتصر لقيم الحرية، ورغم أن الدستور الحالي ينص على الحق في التظاهر وحرية التعبير، لكن مواده تظل حبر على ورق ولم تدخل حيز التنفيذ، وقانون التظاهر الحالي تم تفصيله ليس لتنظيم المظاهرات كما يدعون، بل لمنعها وإستئصالها بشكل مطلق، واعتقال ومحاكمة كل من يتظاهر بحجة عدم تطبيقه لنصوص القانون.

يعد هذا القانون غير دستوري مهما حاولوا إلباسه ثوب الشرعية الدستورية، ويعتبر مخالفة صارخة لمعاهدات ومواثيق حقوق الإنسان التي وافقت عليها مصر سابقا، ويجب تذكر أن خصائص حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة, فلا يمكن توفير الحق في التعليم وفي الصحة ومنع الحقوق السياسية والاقتصادية, فالحقوق كلها لا يمكن تجزأتها, وهي أيضا غير قابلة للتصرف أي لا يمكن التنازل عنها.

وهنا نتذكر جزءا من مرافعة المحامي أحمد نبيل الهلالي دفاعا عن الحق في التظاهر والإضراب أمام محكمة أمن الدولة العليا طوارئ عام 1986:”بالنسبة للدفع بنسخ المادة 124ضمنيا بالاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإن مصر قد وقعت عليها ونصت المادة الثامنة منها على أنه تتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية بأن تكفل أ، ب، ج، د، الحق في الإضراب على أن يمارس طبقا لقوانين القطر المختص… إلخ.

وهذا النص قاطع الدلالة في أن علي الدولة المنضمة للاتفاقية الالتزام بأن تكفل الحق في الإضراب بمعنى أنه صار معترفا به كحق مشروع من حيث المبدأ ولا يجوز العصف به كليا وتحريمه علي الإطلاق وإلا فأن ذلك مصادرة كاملة للحق ذاته وما تملكه الدول المنضمة للاتفاقية لا يعدو أن يكون مجرد تنظيم ذلك الحق المقرر، بحيث تنظيم التشريعات الداخلية طريقة ممارسة ذلك الحق. وهناك فرق بين نشأة ووضع قيود علي ممارسته, وعدم وضع تنظيم لذلك الحق لا يعني علي الإطلاق العصف به أو تأجيله لحين وضع تلك النظم، وإلا لاستطاعت أي دولة التحلل من إلتزامها بعدم وضع تنظيم لممارسة ذلك الحق”.

وما تقوم به السلطة الحاكمة في مصر حاليا من محاولات التأميم الكامل للمجال السياسي، حيث تجعل المعارضين لها بين خيارين: الصمت عن أفعالها أو التهديد والترويع وانتظار الاعتقال, والتعدي على المظاهرات السلمية ومحاولة حظر الإضرابات العمالية بواسطة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الديكتاتورية، إلى جانب ظاهرة الاختفاء القسري يوضح مدى رفض السلطة للغة الحوار والإصلاح، وانتهاج لغة العنف والتنكيل والقبضة الأمنية الوحشية التي أقل ما يقال عنها أنها بلطجة، لتنكشف كل يوم دكتاتورية وفاشية سلطة عبدالفتاح السيسي، وإفلاسها في حل الأزمات التي تواجه الوطن والمواطن في غياب تام لأي رؤية إصلاح سياسي واقتصادي، والاعتماد على أبواقه الإعلامية؛ لتغييب العقول وتزييف الحقائق وتشويه المعارضين وكل من يرفع شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وكان ملكم إكس صادقا عندما قال إن لم تحترس من وسائل الإعلام فإنها سوف تجعلك تكره المظلومين وسوف تجعلك تعشق الطغاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست