هل من الممكن أن يعيش الإنسان حياته متنقلا في عالم افتراضي غير العالم الحقيقي الذي ينبغي أن يعيشه، فتمضي حياته وقد تنقضي وهو يتنقل بين هذه العوالم الافتراضية.

فما هذه العوالم الافتراضية؟

أولًا: عالم السوشيال ميديا

إنه أكبر وأخطر عالم افتراضي حالي، يعيش فيه كثير من الناس على غير واقعهم؛ فقد تجد الكاذب يسمي نفسه على فيسبوك مثلًا الصادق الأمين، وقد تجد الخائن مسميًا نفسه الزاهد الورع، وقد تجد منشورات تحمل أجمل وأرق وأروع الكلمات يرسلها إلى أصدقائه على صفحته من لا يحمل في قلبه مثقال ذرة مما يقول، وصدق الله العظيم «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام».

إنه عالم فيسبوك، سارق أوقات الناس وأعمارهم، فشتى الأعمار تجلس أمام فيسبوك ساعات وساعات، إنه عالم النميمة، والقيل والقال، والنقل دون تدبر أو تثبت أو توثيق، إنه عالم الخداع، ولكن هل يعني هذا أن كل من يشارك على فيسبوك ينطبق عليه ما ذكرت؟ بالطبع لا، ولكن حتى الأناس الذين لا ينطبق عليهم ما ذكرته، مفروض عليهم أن يتعاملوا حتى ولو بالمتابعة لهذا العالم الوهمي الافتراضي، فهل يدرك كل من يوجد لساعات على هذه المواقع أنه أمام عالم افتراضي، فلا يغتر بكثرة الإعجابات والمشاركات، ولكن يشغل نفسه بالاستفادة من هذه المواقع دون التأثر بسلبياتها.

ثانيًا: عالم الإعلام الموجه

إنه عالم الإعلام بما يحمل من قنوات فضائية، أو صحافة مطبوعة أو إلكترونية، أو غيرها من وسائل الإعلام المختلفة؛ إذ إن كل من لديه مشروع يريد أن يسوقه يلجأ إلى هذا الإعلام الموجه، وقد يكون هذا المشروع سياسيًّا أو حتى اقتصادي، فترى الإعلام يظهر لك القبائح على أنها مميزات ومحاسن، ويظل يبالغ ويكرر، ويكرر؛ حتى يؤثر في عقول البسطاء من الناس، وما أكثرهم.

ستجد في هذا العالم من يخبرك أنه جرى أسر قائد الأسطول السادس الأمريكي لكى يقنعك بشيء لا وجود له إلا في عالم الوهم والخداع، وستجد في هذا العالم من يخبرك بوجود سلاح نووي تحت منصة أمام مسجد رابعة، وستجد أيضًا من يخبرك أن مشاجرة حدثت بين مواطن داخل السفارة أدت إلى موته، وأن السلطات ستحقق وتعاقب الجاني، مع أن هذه السلطات هي التي استدرجت المغدور وقتلته وقطعته بالمنشار وأخفت جثته، مثلما حدث مع جمال خاشقجي.

وهكذا ستجد في هذا العالم من يحاول أن يسرق عقلك ويؤثر فيه؛ فاحذر ذلك، وإياك أن تصدق أو تسلم عقلك لمثل هؤلاء، ولقد قالها فرعون من قبل عندما أراد أن يقتل موسى، إذ قال لحاشيته «ذروني أقتل موسى»، أي جهزوا لي عقول الناس، وقوموا بعملية غسيل المخ المطلوبة حتى تكون عملية قتل موسى مطلبًا شعبيًّا وجماهيريًّا مقبولًا عند الناس، إنها وسيلة كل فرعون على مر الزمان فاحذروهم.

ثالثًا: عالم المشاريع والزعامات الوهمية

إنه عالم المشاريع والزعامات الوهمية التي يروج لها دون أن يكون لذلك علاقة بالحقيقة، خذ مثلًا نموذج كوريا الشمالية، حيث يعيش الناس تحت تأثير مشروع الزعيم، حيث تقديس الزعيم، فما يقوله صواب، وما يفعله صواب، ففي قوله حكمة وفي فعله دائمًا حكمة، وحتى في خطأه حكمة أيضًا.

وهكذا تصنع المشاريع والقيادة الوهمية، وغير نموذج كوريا الشمالية توجد نماذج عديدة لدول وجماعات ومؤسسات.

والسؤال الآن إذا كانت هذه العوالم الافتراضية تحاول أن تجذبنا وتسرق عقولنا: فأين العالم الحقيقي؟

العالم الحقيقي: هو عالم العلم والمعرفة، نعم العالم الحقيقي الذي يحصنك من الوقوع في براثن العوالم الافتراضية هو عالم قوله تعالى في أول أمر من الله للبشرية «اقرأ».

إنه عالم العلم والمعرفة، إذ لا يمكن للقارئ المثقف المتنوع المعرفة أن يسلم عقله لأحد، هذا لا يعني ألا يكون للبعض قناعة بقائد أو فكرة، ولكنه يعني أن تكون أي قناعة مبنية على علم ودراسة.

فالله تبارك وتعالى عندما أراد لنا أن نؤمن أنه لا إله إلا الله قال في كتابه الكريم «فاعلم أنه لا إله إلا الله»، لم يقل الله تبارك وتعالى فقل إنه لا إله إلا الله، ولكنه قال «فاعلم» أي ادرس، واقرأ، وابحث، وتعلم، وخذ بأسباب العلم لتصل إلى حقيقة لا جدال فيها ولا شك فيها؛ لأنها جاءت بالعلم وتطبيقًا لقوله تعالى «فاعلم».

فهلا راجعنا في أي العوالم نعيش، وأدركنا كيف السبيل إلى عالم الحقيقة.