مسرحية استخباراتية قامت بها الأجهزة الأمنية الأوكرانية للقبض على خلايا تزعم أنها مدعومة من روسيا تقوم بعمليات اغتيال داخل الأراضي الأوكرانية؛ ففي مايو (أيار) الماضي نشرت وسائل الإعلام الغربية خبر مقتل الصحافي الروسي المعارض للكرملين أركادي بابتشينكو على يد مسلحين في العاصمة الأوكرانية (كييف)، وسرعان ما تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بخصوص الواقعة بعد يوم واحد من وقوع جريمة القتل.

ظهر المقتول وهو الصحافي الروسي بابتشينكو حيًا يرزق في مؤتمر برفقة رجالات الأمن الأوكراني، وأعلنوا فيه القبض على الخلايا، و تحميل موسكو مسؤولية التلاعب بالأمن الداخلي الأوكراني واستهداف الصحافيين والمعارضين لها، روسيا تعاملت مع كلتا الحالين بأساليبها العقلانية؛ في ففي حالة القتل حملت كييف المسؤولية الكاملة، وطالبتها بإنشاء لجنة تحقيق مشتركة للكشف عن ملابسات الجريمة، وعلى لسان وزارة خارجيتها اتهمت أوكرانيا بأنها بلد غير آمن، وفي الحالة الثانية وهي كشف المسرحية دحضت موسكو مزاعم كييف، وقالت إن جميع الإجراءات التي تقوم بها كييف وكل حلفائها ضد روسيا محض افتراءات وأكاذيب، وخير دليل هو مسرحية قتل أركادي بابتشينكو؛ مما أحدث خللًا في مصداقية كييف أمام الرأي العام العالمي.

هناك بعض التشابه في طرح الفرضيات التي ما زالت تحوم حول مصير اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

الحادثة هي الحقيقة الوحيدة في الاختفاء للصحافي جمال خاشقجي، أو القتل المزعوم للروسي أركادي بابتشينكو، وكلاهما معارضان لسياسات بلادهم، ويعبرون عن أرائهم بوسائلهم النقدية للنظام، في بادئ الأمر لم تتعامل السعودية بمستوى عالٍ من الاهتمام للكشف عن اختفاء أحد مواطنيها على الأراضي التركية، كما تزعم أنه خرج من القنصلية، أما روسيا فقد اتهمت أوكرانيا وحملتها المسؤولية الكاملة عن عملية القتل المزعومة لأحد مواطنيها ودحضت كل الادعاءات والافتراضات المزعومة ضدها عبر وسائلها الدبلوماسية والسياسية.

في المقابل لم نر على حد زعم السعودية استدعاء للسفير التركي أو القائم بالأعمال في السعودية، أو قطع العلاقات والتهديد بها، أو أي نوع من وسائل الضغط الدبلوماسية، وهذا ما قد كان سيساعد السعودية في دفع الاتهامات التركية والدولية عنها، لكن الآن وبعد مضي 10 أيام أصبح الجميع متورطًا في القضية، سواء الفاعلين وأصحاب الأدلة، الفاعلون هم الفاعلون المجرمون أم من يتملك الأدلة الآن ولا يريد الإفصاح عنها، متهمًا بأزمة أخلاق وقيم واستخدام الأدلة لعقد صفقات، ليس إلا جريمة أخرى تضاف إلي جريمة الاختفاء القسري.

بالعودة إلى قضية الصحافي الروسي عزمت المخابرات الأوكرانية إلى كشف المسرحية بعد يوم واحد، وهو متوقع في صراع الأدمغة؛ لأن إطالة مدة اختفاء أدلة القتل ليس في مصلحتها، وقد يأتي بنتيجة عكسية عليها، وقد تستخدمها روسيا إذا أصبحت قضية رأي عام، وربما يصبح الأمر أكثر تعقيدًا من عملية القتل، كذلك الآن في قضية خاشقجي إطالة عمر القضية وكشف الملابسات أصبح جريمة أكبر من جريمة القتل إذا وقع ذلك، وليس في صالح السعودية، وإذا كانت مسرحية كما يدعي البعض بأنها مدبرة من قبل تركيا وقطر فإطالتها أيضًا ليس في صالحهما، وستضاف جريمة أخرى إلى جريمة الاختفاء القسري، ألا وهي المصداقية وتضليل الرأي العام، وسيصبح الأمر معقدًا أكثر من عملية الاختفاء.

الأيام تمر وتركيا وجدت ضالتها في اختفاء خاشقجي داخل القنصلية، ولن تسمح بضياع هذه الفرصة لابتزاز السعودية التي أوقعت نفسها تحت رحمة الأدلة التركية بأسلوب يكاد يوصف بالغباء بسبب تصرفاتها الفوقية في السياسية وعدم إنصاتها لما يدور حولها، واستخدامها لوسائلها عفا عليها الزمن، ثمن خاشقجي صفقة بين ترامب وأردوغان، كما كان القس السبب في أزمة، أصبح الصحافي السبب في حل الأزمة.

البورصة تعود والليرة التركية تنهض من جديد، والسعودية لا تستطيع الذهاب إلى روسيا أو الصين لشراء الأسلحة، ومضطرة للعمل، والدفع لترامب من أجل عدم الكشف عن الحقيقة.