مستفز هو أن تستمع غصبا إلى من لا يزالون يتجادلون في الحكم على الجنرال المنقلب كي يصلوا إلى تحديد مصيره مع أنهم من أبناء الثورة المطعونة، ولأني كظمت غيظي في حينه قررت أن أذهب غيظ قلبي بالرد عليهم علنا!

هل الجنرال يهودي؟

يوم أن أعلن انقلابه على الرئيس المنتخب قالوا إن أمه يهودية من أصول مغربية واسمها الحقيقي مليكة تيتاني وهو الشيء الذي لم يؤكد بوثيقة رسمية ولم ينف من ذويها أو ابنها البار بأخواله!

ولا غضاضة ولا عجب أن يقبل هذا الحكم عليه في ظل أنظمة حكم أنشأها المستعمر الصليبي، ذلك الذي سلم أوطاننا ومقدساتنا لأخوال الجنرال المنقلب، هي ذاتها الأنظمة التي حولت النصر إلى هزيمة يوم أن اتفقوا على تسليم الوطن بما يدعى السلام فاتفقوا معهم أن يخرجوا كأنهم مهزومون، ثم يعودون حكاما لا محتلين.

هل سمعت يوما عن إيلي كوهين أو كامل أمين ثابت ذلك الجاسوس اليهودي الذي كاد يصل فيصبح رئيسا لسوريا، فقد وصل إلى أن يكون صديقا شخصيا لقادة الجيش ويطلع تقريبا على جميع المعلومات السرية جدا، مع أنه كما ادعى: رجل أعمال، فكيف يكون الحال إن كان الجاسوس هو مسئول مخابرات، ثم قائدا للجيش نفسه، ثم حاكما للدولة، لا سيما أن اليهود لم يزرعوه في وطننا حديثا، بل قبل أن يكون نطفة في رحم أمه!

ولماذا نذهب بعيدا، وكلنا نعرف عن ظهر قلب كيف استطاع أخواله من قبل أن يسقطوا الخلافة الإسلامية بابنهم أتاتورك الذي ولد سفاحا لأم من يهود الدونمة وربوه على أنه مسلم حتى أصبح قائدا للجيش (أيضا مثل الجنرال!) ثم بعد ذلك زعيما لأكبر الأحزاب في دولة الإسلام، وتظاهر بالتجديد وإعادة القوة إلي الكيان المنهك من كثرة الصراعات والمؤامرات حوله وبداخله لدرجة أن مدحه أمير الشعراء وشبهه بالصحابي الجليل خالد بن الوليد:

الله اكبر كم للفتح من عجب ***** يا خالد الترك جدد خالد العرب

بينما هو من قوض أجل وأعظم و أغلى ما تملكه أمتنا بين الأمم، وهي: الوحدة, فانقلب على السلطان (كما انقلب الجنرال!) وأسقط الخلافة ومزق الأمة وغير هويتها (كما فعل الجنرال!) حتى بدت المفاجأة وهول الصدمة على لسان الشاعر الذي مدحه آنفا، فقال وهو مصدوم ينعي خلافة المسلمين في الأرض:

وعادت أغاني العرس رجع نواح ***** ونعيت بين معالم الأفراح

كفنت في يــوم الزفـــاف بثــوبــه ***** ودفنت عند تبلج الإصباح

إلي أن قال:

بكت الصلاة وتلك فتنة عابث ***** بالشرع عربيد القضاء وقاح

أفتـى خزعبلة وقـال ضـلالـة ***** و أتى بكفر في البلاد نــواح

وها هو الجنرال  في مصر يكمل مسيرة خاله الأكبر أتاتورك بقتل أية فكرة أو عمل يسعى لإعادة الخلافة من جديد كما !

هل الجنرال مرتد؟

وعلى نفس النهج بدا عدد من الدعاة بالحكم على الجنرال المنقلب بالكفر، فهو الذي والى اليهود والنصارى من دون المؤمنين واحتمى بهم، فهو يحتفل ويفرح معهم في أعيادهم وفي عقر كنائسهم، ويلين الخطاب لهم (ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، بينما يعبس في وجوهنا ويرمينا و يرمي ديننا بالإرهاب وقتل البشرية ويستهزئ بتعاليم ديننا ويدعو إلي تغييرها والانخلاع عنها (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا ظالمين).

ولا يخفي على أحد مدى تعاون المنقلب مع الصهاينة في حصار غزة وتجويعها وإغراق مياهها الجوفية وإخلاء الشريط الحدودي إلى عمق أكثر من 12 كم في سيناء. وأغلق المعبر شهور طويلة ولا يزال، بينما يفتح الجنوب لهم يعيثوا به فسادا وعربدة وسكرا دون حاجز أو تصريح!

على هذا وغيره اعتمد بعض العلماء والدعاة بردته عن الإسلام بناء على الأدلة والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وربما لم يظلموه فقد طبقوا فعله وقوله على آراء أهل الفقه بأدلة الردة عن الدين.

الجنرال النبي :

هكذا بدا المنقلب عند أنصاره! إنه النبي الذي أٌرسل لحماية المصريين وإنقاذهم، بعدما كاد مرسي وجماعته ( يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد).

إنه لن يحافظ فقط على الإسلام الوسطي الجميل (دين الماسريين) بل سيأتي بدين جديد، دين يمنح الحرية في أن تختار إلهك، فتعبد من تشاء: بوذا كان، أو المسيح، أو تنكر وجود الله؛ فأنت حر، لكن إياك أن تنكر زعامة الجنرال الدكر، لك أن تعترض على القرآن وتخالفه، لكن إياك أن تعترض على (طبيب الفلاسفة)، سب الأنبياء والعن الصحابة كيفما تشاء، لكن إياك أن تذكر النبي الجديد بسوء!

وما المانع أيضا أن يكون الجنرال نبي؟ ولم لا؛ فهو ليس بدعا من الأسود العنسي وهو نبي أيضا، بل إنه فاق أشهر الأنبياء عظمة ومكانة وقدسية فإن كان مسليمة كذاب فإن صاحبنا تعداه هنا، تفضل عليه بخيانة رئيسه الذي وثق فيه وتظاهر بالإخلاص له فكذب عليه وخانه، و لم يرو عن أتباع مسليمة أنهم سجدوا له، ولكن الجنرال النبي .

ومن مسيلمة هذا؟ الذي لم يؤمن به، إلا قومه بنو حنيفة، أمام الجنرال النبي الذي آمن به اليهود والنصاري أتباع تواضروس، والأزهرية أتباع علي جمعة، والعلمانيون واللبراليون، والسلفيون أتباع برهامي وأهل الإلحاد، والشيعة وبشار، والشيوعيون وبوتن، والغرب وأوباما، والمغيبون من أبناء الشعب المخدوع بإعلام: ارفع رأسك يا أخي، بينما يخرج أبناؤه منهزمين بملابسهم الداخلية أو يدفنوا أحياء في أرض سيناء المحتلة. كل هؤلاء آمنوا بالجنرال النبي!

ألا يكفيه هذا سبقا أن يكون أعظم من مسيلمة: أشهر الأنبياء في تاريخ الادعاء والكذب؟

أما هؤلاء الذين كذبوا النبي الجديد، ولم يؤمنوا به وبرسالته العظيمة لهم عنده مصير بئيس: بسفك دمائهم، وحرق جثثهم، وهتك أعراض نسائهم، مصيرهم هناك بين غياهب السجون، وأقبية التعذيب، وزنازن الموت البطيء، مصيرهم سرقة الأموال والممتلكات ومصادرة الأقوات، مصيرهم الحرمان من الآباء والأمهات والعيش في ذل اليتم والحرمان، مصيرهم الإعدام رميا بالرصاص أو بحبال المشانق أمام محاكم عسكر كامب ديفيد أو قضاء مرتضي منصور وناجي شحاته.

ربما لا تجد فرقا في المصير الذي يستحقه الجنيرال بين الإجابات الثلاثة فهم سواء في القول والعمل والنتيجة، وبالتالي في المصير.

يرد آخرون أن ما كتبته افتراء وتضليلا، فالجنرال رجل مسلم ينطق الشهادتين، وهو ابن لأسرة وعائلة مسلمة مصرية أبا عن جد، كما أنه ليس مسئولا عما يقال عنه من أتباعه، وكذلك لم يقصد الإساءة إلى الدين كما ذكرت, وأن الحكم على نوايا الناس لا يعلمه إلا الله.

و أنا أزيد على ردكم أن مما هو مسلم به أن مصيره في الآخرة ليس إلا بيد الله وحده لا شريك له (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) فلا يستطيع أحد أيا كان أن يعلم مصير الناس في الآخرة، وإلا كان متألها على الله.

ولكن …؟

ألم يرتكب الجنرال المنقلب من الجرائم ما يجري عليه جميع الحدود والأحكام؟ ألم يقتل الأبرياء في موقعة الجمل ومحمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو وغيرهم هو ومخابراته وتستروا على مذابح الشرطة و طمسوا الأدلة؟ ولا ينكر أحد ولا حتى مؤيدوه، بل هم من دفعوه وأمروه كما قال هو ( ) و  ليعيث في الأرض فسادا، بعد التفويض اللعين بارتكاب أبشع مذابح العصر في رابعة والنهضة وغيرهما في رمسيس 1 ، 2 وعدد ولا حرج، وحرق الجثث وأعاد التعذيب والقتل تحت سياط الجلادين وفتح السجون وأعاد قانون الغاب بالسجن والاعتقال وسلب الأمن والحرية فأصبحت مصر صورة لمعسكر كبير، وسرق هو وجنده اقتصاد الوطن وأغرقه بالديون، وها هو اليوم يبشرهم بعد أن سلمهم للعطش، وتخلى عن حقوق مصر في مياه النيل لأثيوبيا النصرانية الحقودة، ناهيك عن تسليم سيناء الحبيبة للصهاينة يعيثون عريا وسكرا في الجنوب، وقصفا و قتلا لأبناء سيناء في الشمال المعزول عن العالم.

وازداد الفساد فخسرت العملة قيمتها، وضربت السياحة في مقتل، وتغول العسكر على كل مقدرات الوطن وأخذ نصيب القطاع الخاص من الأعمال دون رقابة أو حدود، وأصبحت مصر تتأخر أكثر وأكثر، فأصبحت في ذيل كل الإحصاءات في الصحة والتعليم والشفافية والحرية وكل شيء.

إن الجنرال المنقلب ارتكب أعظم جريمة في حق البشرية على أرض مصر، فقد أمات الأمل في التغيير في قلوب الناس، لقد سرق ثورة كم بات الشعب يحلم بها ليل نهار طوال عشرات السنين كي يبني بعدها وطنا شريفا لا يريد منه إلا أن يكون موطنا لإنسان كريم كما خلقه الله وقدر له، لقد اعاد الجنيرال المنقلب الخوف إلى الوطن وأصبحت مصر سجنا كبيرا يملؤه الفقر والجهل والمرض والحرمان ولا يستثمر فيه، إلا في بناء السجون والمعتقلات.

لقد قام المصريون بثورة يناير وأصبح لفظ (خلق الثورة) هو الموجة للمجتمع عندما كان يخالف الصحيح فيعاتبه الناس (أهذه أخلاق الثورة) (عايزين نتغير احنا كمان زي ماغيرنا الحاكم).

لقد خرج الناس من الثورة ينظفون الميادين ويغسلون الشوارع ويجملون كل ماحولهم؛ استعدادا لاستقبال حياة جديدة يملؤها الأمل والحرية والعدل والسلام، بل تخلى كثير منا عن مخالفاته أملا أن يجد حقه بالعدل والإنصاف لا بالتحايل والرشوة والحرام وخرج الناس في كل استحقاق يبدون رأيهم ويأملون أن يصبح مؤثرا ليروا وطنهم كريما حرا يوما ما، ليس لهم فقط، ولكن لأبنائهم من بعدهم.

وقد جاء هذا الخائن الكذاب وحطم هذا الأمل في قلوب الناس وسرق جهدهم ودمر حياتهم واعتدى على حقوقهم وسرق مقدراتهم وزور إرادتهم وسلبهم أعز ما يملكون من حرية وكرامة وخدع الجهلاء منهم بكلامه وإجرامه وتخطيط مخابراته الدنيئة المجرمة.

حتى أصبحت مصر كما نرى اليوم قليل أن نبكي عليه دما، بعدما بذل الأطهار دماءهم رخيصة في سبيل الله، ثم في سبيل وطن أرادوه يوما فخرا لهم بين الأمم في الحاضر وفي التاريخ.

فهل يا ترى يشغل الثورة اليوم حكم الجنرال في الدين؟ ويا ترى لو كان مسلما موحدا خالصا، وقد فعل بوطننا هذا فهل تبالي الثورة بعدها في أي واد هلك؟

نسيت أن أذكر بأن من أعانه على ما فعل لا يختلف كثيرا عن مصير الجنرال، فلا تأخذكم بهم رأفة في دين الله، إلا أن يتوبوا قبل أن تقدروا عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست