في واترلو عام 1815، بدأت الإمبراطورية الفرنسية بالتراجع، فجلس على عرش البوربون القديم الملك لويس الثامن عشر، وبدأت حكومته الملكية بإحداث تغيرات كبيرة داخل المملكة، منها أنها أحالت ضباط الجيش النابليوني إلى المعاش، ليتقاضوا من رواتبهم السابقة نصفها أو جزءًا يسيرًا منها. منهم من رضي بذلك وامتثل لهذا الأمر، ورتب حياته على هذا المنوال، ومنهم من هاجر باحثًا في وطن آخر عن من يعيد إليه مجده، أو يعطيه جزءًا ولو قليلًا مما كان يناله في بلده.

جندي نابليون المهاجر

من هؤلاء الجنود الذين اتخذوا الهجرة حلًّا، جوزيف سيف، المولود في ليون سنة 1788 من عائلة وضيعة، ولأنه كان من الفتيان المشاكسين والمتمردين، لدرجة جعلت عائلته تيأس منه ومن إصلاحه؛ قام والده بإدخاله للعمل خادمًا في سفينة حربية، لكنه وفي عمر 19 عامًا، تشاجر مع ضابط كبير فطُرِد من البحرية.

لم يرجع جوزيف إلي بيته بعد أن طُرد من البحرية، سافر إلى إيطاليا، والتحق بجيش نابليون، فتعلم الانضباط في هذا النظام العسكري الصارم، الذي لا مجال فيه للخطأ، لأن الخطأ فيه يكلف الجميع. ومن ثم أصبح جوزيف جنديًا في جيش نابليون، يخرج من معركة، إلى معركة جديدة، متسلقًا سُلم المجد والترقية العسكرية، حتى تم أسره، لكنه لم يلبث في الأسر كثيرًا، ونجح في الهروب، ثم عاد مرَّة ثانية إلى الجيش، فشارك في الحرب في روسيا، وألمانيا، وفي فرنسا، حتى وصل إلى رتبة قائد في جيش نابليون.

لكن نجم نابليون، لم يلبث أن أفل، وتكالبت الدول لتتآمر عليه، وبدأ يخسر حروبه على غير المعتاد، ليُحال جوزيف مع غيره إلى المعاش، على نصف مرتبه السابق، مما اضطره للعمل في تأجير الخيل والمركبات، وتوزيع البريد، وبقي على هذه الحال حتى علم أن هناك بعض الدول التي تبحث عن ضباط فرنسيين من أجل تدريب جيوشهم، فاتصل بالكونت دي ساجور، الذي كان حينها ياورًا عند الإمبراطور، يطلب منه توصية، فجاءه الرد بتوصية من الكونت إلى محمد علي والي مصر في ذلك الحين، والذي كان محط أنظار أوروبا في ذلك الوقت.

القاهرة.. فرصة جديدة

بعد مُضي أربع سنوات على تهدم الإمبراطورية الفرنسية، وتسريح عدد كبير من الجنود، أبحر جوزيف سيف جندي نابليون نحو الإسكندرية، لا يملك شيئًا إلَّا: توصية من الكونت، والأمل في أن يجد في القاهرة فرصة جديدة تُعيد له ما كان يطمح إليه.

في القاهرة، مثل بين يدي محمد علي والي مصر، آملا في أن تكون التوصية كافية، لكن وعلى الرغم من إعجاب محمد علي به، إلَّا أنه لم يود أن يسند إليه مهامًا كبيرة في أول الأمر، لكنه عاد وأسند إليه مهمة إنشاء أول كلية حربية في الشرق الأوسط بأسوان عام 1811، والتي بدأت آنذاك بـ200 جندي مملوكي، قبل أن ينضم إليهم جنود سوادنيون، وبعد نجاحه في هذه المهمة، أنعم محمد علي، على جوزيف بلقب أغا، وأصبح يد إبراهيم باشا، قائد الجيش المصري.

شعر جوزيف بالتنافر الذي أحدثه لقب أغا بعد اسمه، فتحول إلى الإسلام، وأعطاه محمد علي اسم سليمان، ليُصبح سليمان أغا، ثم لم يلبث أن أوجد ست فرق يبلغ عددها 25 ألف جندي مسلح بمعدات حديثة على الطراز الأوروبي، يقودهم ضباط من المماليك والأوروبيين، وهو على رأسهم، الأمر الذي نال استحسان محمد علي، فأنعم عليه بالبكوية، وولاه قيادة أهم جيوشه، ليقطع سليمان أغا من بعدها كل صلة تتعلق بماضيه.

ثم حدث بعد ذلك، أن تغلبت الجيوش اليونانية على التركية، وألحقت بها هزيمة كبيرة برًا وبحرًا، فلجأ السلطان العثماني لجيوش مصر، مستنجدًا بهم في معركته مع اليونان، فسارت الجيوش المصرية بقيادة إبراهيم باشا، علاوة على انضمام الفيالق المصرية لهذا الجيش، والتي كان من بينها فيلق بقيادة سليمان بك.

وفي بادئ الأمر حالفهم الحظ والنجاح؛ فدحروا اليونان، وفتحوا مدنًا كثيرة، لكن سرعان ما تحركت أوروبا منتبهة إلى هذا الخطر الذي يحدق بها، فتصدت للجيش التركي ومعه الجيش المصري، في معركة نافارين، فأدى ذلك إلى عودة الجيش لمصر، لكن سليمان لم يرجع وحده، بل اصطحب معه أعز وأثمن غنيمة بالنسبة له، امرأة يونانية كانت زوجة لصانع أحذية، وقع سليمان في حبها وأحبته، فعاد بها إلى القاهرة، لتُصبح ستي ماريا، زوجة لسليمان بك، والآمرة الناهية في بيته.

اقرأ أيضا: الحاكم بأمر الله..غريب الأطوار الذي نجا من سخرية الشعوب فأطاحته مؤامرات القصور

سليمان يعود إلى فرنسا منتصرًا

أصبح سليمان قائدًا عامًا للجيش خلال حرب فلسطين وسوريا، وفي حملة له في صيدا، اجتمع بمصور فرنسي شهير ذاع صيته بإتقانه تصوير المواقع الفرنسية، وحكى له سليمان حكايته، ففرح المصور أن ابن وطنه له هذه المكانة المرموقة في دولة أخرى، وقام برسم لوحة له.

وفي سنة 1845، زار مصر الدوق الفرنسي مونبانسيه، نجل لويس فيليب ملك فرنسا، فاحتفت مصر به احتفاءً عظيمًا يليق بالملوك والأمراء، ثم قرر إبراهيم باشا أن يرد الزيارة إلى فرنسا، فاصطحب معه سليمان، بصفته قائدًا عسكريًا في جيوش مصر، ليعود سليمان إلى بلده بعد 40 سنة، ليطأ بقدمه مسقط رأسه مرة أخرى، ولكن بفرق شاسع عما كان عليه عندما غادرها، إذ عاد وهو غني هادئ البال، يحمل النياشين والأوسمة، إذا ذكر اسمه يُتبع بالألقاب.

وبعد أسبوع من بقائه في فرنسا رجع سليمان إلى مصر، بعدما تأكد أنه ينتمي إلى مكان آخر، وأنه مصري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وعليه أن يترك ماضيه خلف ظهره، وينظر ناحية حاضره ومستقبله.

خرج جوزيف سيف من فرنسا تائهًا، بعدما أُرغم على اعتزال الحياة العسكرية، فاستقبلته مصر التي كانت له قِبلة وملاذا، فاستقر بها واتخذ منها سكنًا دائمًا، وصار بها سليمان الفرنسي، الذي يحارب أعداءها، ويفرح لفرحها، ويحزن لحزنها، فأعطته اسمًا ولقبًا وتاريخًا، وكانت قُبلة النجاة بالنسبة إليه.

في 1860 وبعد أن قضى سليمان باشا حياة طويلة رحبة، وشيخوخة هنيئة وسط كثير من العواطف والمحبة والاحترام والإعجاب، قضى نحبه، ودُفن في مقابر القاهرة القديمة في شارع الفرنساوي. ونظرًا لما قدمه سليمان باشا من خدمات، تقرر حينها أن يطلق اسمه على ميدان كبير في وسط البلد متفرع من ميدان الإسماعيلية المعروف حاليًا باسم ميدان التحرير، فكان اسم الميدان حينها ميدان سليمان باشا الفرنساوي، المعروف حاليًا باسم ميدان طلعت حرب.

لم تنته حياة سليمان باشا الفرنساوي عند هذا الحد؛ فبعد مرور 60 سنة على وفاته، خُط فصل جديد من سيرته، إذ كان لسليمان باشا ابنة تزوجها شريف باشا، ورزق منها بابنة اقترن بها عبد الرحيم صبري باشا، فأنجبت له بنات، من بينهن نازلي، التي تزوجها الملك فؤاد الأول، لتُصبح حفيدة سليمان باشا الفرنساوي، زوجة للملك وأمًّا لولي العهد الذي صار ملكًا لمصر فيما بعد.

اقرأ أيضًا: محمد باشا الصقللي.. قصة «اللحية» العثمانية التي تزيدها حلاقة الأعداء كثافة!