لم أخرج من غرفتى ذاك الصباح، ربما الإرهاق البدنى بعد مجهود أمس فى الوصول للاستاد، لكننى لم أعرف من قبل أن الإرهاق البدنى يسبب هذه المرارة والشعور باليأس، حديث العهد أنا بمتابعة كرة القدم، أستمع دائماً لحوارات الأصدقاء عن تقـبُّـل الهزيمة والروح الرياضية... إلخ إلخ.

طبيعتى العلمية كانت دائماً ترفض تفهُّم نتائج بسبب "التوفيق" فى كرة القدم، أو نتيجة اللحظات الأخيرة، مثلما حدث من هزيمة المنتخب المصرى، كما أن غياب صلاح عن المباراة، وهو من قطعت من أجله كل هذه المسافة، وتكبَّدت كل المشاق كان محبِطاً، خاصة مع كمية التصريحات الرسمية، التى اكتشفنا جميعاً أنها محض كذب وهراء.

فى فراش الغرفة الفندقية أفطرتُ بتناول قطع من فاكهة كنت اشتريتها لأتذوقها، كانت ثمرات التفاح والكمثرى باردة، بسبب تركى لها بجوار النافذة، أتابع قناة روسية رياضية تعرض وثائقى عن الفودكا...!

عقب دقائق انتقل الوثائقى لمشاهد الرئيس الروسى الأسبق بوريس يلتسين، بالطبع كنت شاهدت ذلك الذى يُظهر يلتسين بجوار الرئيس الأمريكى بيل كلينتون، يقفان أمام المايكروفون ليدليا بإفادة صحفية، فيغرقان فى الضحك، كلاهما منتشيان للثمالة.

لكن المفاجأة التى شاهدتها خلال ما يقرب من 15 دقيقة، كانت للرئيس يلتسين وهو منتشٍ وفاقدٌ للتوازن خلال العديد من الفعاليات الرسمية.

اندهشت، وبدأتُ أخرجُ من الحالة التى أبقتنى فى الفراش طوال الصباح، فالقناة التى أتابعها هى قناة رياضية محلية، تتبعُ أكبر شبكة رياضية روسية، لدى الشبكة صحيفة وموقع وقنوات تليفزيونية، تبث مباريات كأس العالم مباشرة، وتعيدُ بثَّ مباريات اليوم السابق، ومليئة بالبرامج الرياضية والتحليلية، فلماذا تبث وثائقى عن الفودكا؟!

مشاهد الرئيس السابق يلتسين وهو منتشٍ خلال فعاليات رسمية، دفعتنى لتفسير بث الوثائقى، بأنه أحد أنواع الدعاية للرئيس الحالى بوتين، فهو يثبتُ لكل المعارضين المترحمين على "ربيع الديموقراطية القصير" أن سلفه يلتسين كان عاراً على إمبراطورية القياصرة، فجيل الشباب يسمع فقط، ولم يشاهد يلتسين، ورسالة الوثائقى، حسب تفسيرى، أن هذه حقيقة يلتسين، أما الرئيس الحالى فقد جلب الفخر لروسيا، التى تنظمُ حالياً الحدث الكروى الأهم فى العالم، فيما تتنافس على استضافته الأمم.

حقيبة سفرى شبه جاهزة، أعددتها أمس، فاليوم سأغادر إيكاترينبرج إلى سان بطرسبرج، مباراة المنتخب المقبلة هناك، لا يزال أمامى وقت طويل قبل موعد الإقلاع، لكن يتحتم على أن أغادر الفندق خلال ساعة، وأبحث عما سأفعله خلال الوقت بين موعد مغادرتى الفندق، وموعد إقلاع الطائرة.

انتهيتُ من إتمام إجراءات مغادرة الفندق، وبحثتُ عن أفضل مطعم جورجى فى إيكاترينبرج، فقد سمعت كثيراً عن المطبخ الجورجى، ولدى 5 ساعات على الأقل، قبل موعد إقلاع طائرتى، يبدو أننى وجدت ضالتى، هذا التقييم، وهذه الصور عاملان يحفزان جداً على قضاء 3 ساعات فى هذا المطعم، نسخ العنوان على الهاتف الذكى، ثم لصقه فى تطبيق التاكسى المحلى، فتصل سيارة الأجرة خلال 5 دقائق.

انبهار.. لم أتخيل أن مدينة صغيرة مثل إيكاترينبرج، قد يكون فيها مطعم بهذه الضخامة والفخامة والجمال، أخذنى الديكور الداخلى والإضاءة، كما انتبهت أن الموسيقى المنبعثة فى الأرجاء بلغة لم أفهمها، جورجية أو روسية، أخيراً أدخل مطعماً منذ وصولى روسيا، يعتمد موسيقى غير أمريكية.

 

 

 

Picture 1
Picture 11

 

 

النادلة التى اصطحبتنى من الباب، أكدت أنها ستوصى بى لزميلة تتحدث الإنجليزية. المطعم شبه خالٍ، فالوقت مبكر جداً لزبائن مثل هذا المكان، جلستُ فى طاولة مريحة تجعلنى أرصدُ أكبر مساحة من المطعم، وأدقِّــقُ فى تفاصيل صغيرة، دائماً تعجبنى التفاصيل، الشيطان يسكنها، لكنه شيطان الفن والإبداع هنا.

Picture 2

 

Picture 21

 

Picture 22

 

Picture 23

 

Picture 24

 

تأتينى النادلة بقائمة طعام إنجليزية، لغة النادلة متوسطة، لكنها تعجز عن شرح بعض تفاصيل التوابل والأعشاب وطرق الطهى، انصرفت معتذرة، ليأتى شاب فى الثلاثينيات حسن المظهر، عرَّف نفسه بأنه مدير المطعم حالياً، وكانت لغته الإنجليزية ممتازة، صارحته بأننى شخص أكول، وأحب التذوق، كما أدلل معدتى كثيراً، سألنى كيف عرفت عن مطعمهم، فأخبرته باختصار عن شخصى ورحلتى، وأجبته بأن الفضل فى مجيئى لمطعمهم هو تطبيق الخرائط، تحدثنا قليلاً عن صلاح، ثم دخلنا فى تفاصيل المطعم الجورجى، بالاستعانة بجوجل من آن لآخر، لمعرفة نوع من الأعشاب أو صنف من البهار، أو إناء خاصة للطهى، فأهل جورجيا يستخدمون الطواجن الفخار، وآنية من الحديد الزهر.

Picture 3
 

 

Picture 4

 

اتفقنا على نوع من الشوربة، طبق من السلاطة، أحد أنواع المقبلات الساخنة، والطبق الرئيسى تباحثنا فيه كثيراً، وتغير رأيى مرات عدة، وأخيراً لجأتُ لخيار آمن، فمازلتُ أفزعُ من فكرة أن أصاب بالإسهال، ولدى رحلتا طيران وفترة ترانزيت، اخترتُ طبق المشاوى المشكلة، بعدما أكد لى أن الصورة ليست خادعة، وفعلاً سأجد اللحم المشوى بهذا اللون، وأكد أنه أكثر أطباقهم رواجاً.

Picture 5

 

فى بلد مثل روسيا، يمثل قارة تضم شعوباً متنوعة يمكنُ لأكولٍ مثلى أن يعيش جنته على الأرض، فهنا تجد تنوعاً فى المطاعم من الجورجى، والصربى، والتتارى، والأوزبكى، والطاجيكى، والأرمنى، والروسى التقليدى، وصولاً إلى المطاعم المتخصصة فى المطابخ العالمية الشهيرة من الإيطالى والأمريكى والسوشى والهندى والصينى... إلخ إلخ.

 

Picture 6

 

جولة للتصوير والتوثيق، فدعانى المدير لارتداء الزى الجورجى التقليدى، عدد الزبائن قليل، فكان لدى المدير وقت لنتبادل الحديث، هو شاب جورجى، لكنه وُلد هنا ويقيم فى روسيا أكثر مما يقيم فى موطنه، وصل بنا الحديث لما شاهدته صباحاً فى الوثائقى عن يلتسين، فأبدى تأييده الشخصى لبوتين، مؤكداً أن وجهة نظره فى يلتسين أنه كان عاراً على المنصب، وكاد أن يتسبب فى ضياع روسيا بأسرها، بعدما تفكك الاتحاد السوفييتى فى عهد ميخائيل جورباتشوف، تبنيتُ وِجهة النظر المختلفة، وتحدثتُ عن فكرة الحريات والديموقراطية، فأشار حوله قائلاً: وماذا نريدُ أفضل من هذا، كانت هناك ديموقراطية فى عهد يلتسين، لكن الأطفال كانوا جوعى، والنساء عملن عاهرات، قالها صراحة، لكن انظر الآن، نستضيف كأس العالم والسياح أمثالك من أرجاء المعمورة كافة، يزورون روسيا ويقفون على تاريخ وحاضر جديرين بالفخر، لاحظتُ أنه يتحدثُ كروسى، رغم أنه جورجى، لكننى تفهمتُ ذلك، فهذا الخلط كثيراً ما يحدث لدى من تربى فى الاغتراب، وأذكر أصدقاء مصريين كانوا من الناجحين فى العمل فى دول الخليج، اتخذوا قرار العودة لمصر فقط كى ينشأ الأبناء فى الوطن، كيلا يفقدون بوصلة الانتماء.

الطعام... هل نسيته؟! كلا، لكن يكفى أن أترك لكم الحكم من الصور، وأن أؤكد أن معدتى شعرت بالسعادة البالغة خلال ساعتين ونصف الساعة قضيتهما فى تذوق صنوف الطعام الجورجى، وزالت كل مرارة فى الحلق بسبب نتيجة مباراة أمس، عادت إلى روحى من جديد، هذا أنا أنتشى بالطعام الجيد، وقد كانت سعادتى بالغة بجودة الأطباق الجورجية، ونسيتُ كرة القدم تماماً، فأنا فى حضرة شغفى الأول .. الطعام.

Picture 7

 

سألتُ عما أراه متدلياً فوق بار المشروبات، فأجابونى بأن اسمه تشورشيلا، وأتت النادلة التى تتحدث بعض الإنجليزية، لتشرح أن هذا صنف من الحلويات التقليدية، يصنعُ من عجينة يعدونها من عصير العنب أو الرمان، ويتم حشوها بالجوز، طلبت أن أتذوقه.

Picture 8

 

يبدو أن أحدهم غشنا فى مصر، فهذا الشىء يبدو هو أصل "الملبن" المصرى، أو الديلايت التركى، لكنهم بدلاً من عجينة سكر بألوان صناعية، يستخدمون عصير الفاكهة، وبدلاً من الفول السودانى يستخدمون الجوز.

 

Picture 9

 

 قُضى الأمر، سأزور جورجيا بهدف سياحة الطعام قريباً، يبدوا أنها وِجهتى التالية، أما الآن فموعدٌ مناسبٌ لتوديع هذا المكان والعاملين فيه، الذين استضافونى بوِد وتحملوا سخافاتى وطلباتى وهى كثيرة فى ما يتعلق بالطعام، لكن عندى طائرة تحملنى إلى أجمل مدينة أوربية، حان الآن موعد التوجه إلى سان بطرسبرج.

@MawlanaAlRazi