بينما انشغل العالم في نعيه وتوديعه ببالغ الحزن بأعظم الكلمات لما قدمه في خدمة البشرية وعلاج مئات الصغار، كانت الأوساط المصرية قد بدأت لتوها في البحث عن ماهية الرجل المصري الذي نعاه مؤسس شركة «ما يكروسوفت»، بيل جيتس، قائلًا إن العالم فقد واحدًا من أهم مطوري اللقاحات التي أنقذ بها حياة عدد لا يحصى من الأطفال.

فبعد شروع مشاهير العالم في نعيه، بدأت محركات البحث في مصر مسرعة تبحث عن الدكتور عادل محمود، رائد أبحاث اللقاحات والأمراض المعدية في العالم، الذي تُوفي منذ 12 يومًا، في الولايات المتحدة، بعد أن استقر بها 45 عامًا، قدم خلالها إرثًا ضخمًا من الإنجازات الطبية في إنتاج لقاحات ضد الأمراض المعدية.

76 عامًا قضاها العالمي المجهول في وطنه، محاولًا مساندة البشرية ودعم استمراريتها وإنقاذ أطفال العالم من خلال مساهمته في تطوير اللقاحات ضد الأوبئة المختلفة، كانت أهمها لقاحات للحصبة والحصبة الألمانية والجديري المائي والنكاف، وأخرى للفيروس المسبب لسرطان عنق الرحم، والأعضاء التناسلية والشرج، وآخر يقاوم عدوى فيروس مسبب للإسهال عند الأطفال الرضع.

ولعل خروجه من مصر في وقت كانت فيه منشغلة بنكستها في «67»، وعدم وصول أخباره للعامة ساهم في جهل الكثيرين به حاليًا، ولكن المؤكد أنه بالنسبة لأهل الطب في كل العالم قامة كبيرة، لم يدركها وطنها إلا بعد فوات الآوان.

ففي 1963، تخرج مطور اللقاحات العالمي عادل محمود، في كلية الطب بجامعة القاهرة، وبعد 5 سنوات انتقل إلى بريطانيا لاستكمال دراساته العلمية، ومنها توجه إلى أمريكا في 1973، ليبدأ من هناك رحلته مع إنقاذ الأطفال وتطوير عالم الطب، الذي كان عجزه أمام مرض والده أحد دوافعها.

وعقب وصوله إلى الولايات، أصبح باحثًا في جامعة «كايس ويسترن ريزيرف» بكليفلاند في ولاية أوهايو، وبعد توليه رئاسة قسم الطب في 1987، بعام واحد عمل لصالح شركة «ميرك» كرئيس لقسم التطعيمات، وكانت تلك المحطة هي الأهم في حياته، لإشرافه على اختراع تطعيم فيروس الورم الحليمي المتسبب في العديد من وفيات الأطفال، وتطعيم مرض فيروس روتا الذي كان يسبب أنواع عدة من مرض السرطان، لكنه بعدها تقاعد عن العمل مع الشركة وتفرغ للتدريس الجامعي، وكان أهم مناصبه الجامعية هو أستاذ بكلية «ودرو ويلسون» لقسم البيولوجيا والأمراض المعدية بجامعة «برينستون» في 2006.

وفي 2013، ساهم العالم المصري في حل أزمة التطعيمات التي اجتاحت أمريكا حينذاك، بعد أن شهدت انتشارًا للإصابة بالتهاب السحايا بين طلبة جامعة «برينستون»، في ظل عدم وجود أية تطعيمات لهذا المرض هناك، مستخدمًا صلاته بالجامعات الأوروبية لجلب المصل والتطعيمات، بل تدخل أيضًا لدى رئيس الولايات المتحدة في ذاك الوقت، باراك أوباما، للحصول على تصاريح دخولها.

كانت حياة منقذ الأطفال، حافلة بالمحطات المهمة التي أثرت في مستقبله وفي حياة العالم من حوله، خاصة بعد توليه رئاسة الجمعية الدولية للأمراض المعدية، والمبادرة الدولية لمكافحة الإيدز، ومشاركته في جهود عالمية لمواجهة فيروس إيبولا بعد انتشاره بغرب إفريقيا في 2014، ودعوته إلى تكاتف دولي من أجل تمويل واسع لإنتاج اللقاحات وتطويرها لحماية البشر بعيدًا عن الاستغلال المالي، وإنشاء صندوق دولي للأمصال والتطعيمات على مستوى العالم استعدادًا لانتشار أية أمراض بشكل مفاجئ.

هذا ويظل هناك الكثير لم يُذكر في سجل الدكتور المصري العالمي عادل محمود، رائد تطوير اللقاحات والأمراض المعدية في العالم، الذي وافته المنية، في الحادي عشر من يونيو الجاري، بمستشفى جبل سيناء، في نيويورك، عن عمر ناهز 76 عامًا، إثر إصابته بنزيف في المخ، وناعاه ببالغ الأسى مشاهير العالم، من أبرزهم مؤسس شركة «ما يكروسوفت»، بيل جيتس، والسفير الأمريكي بالقاهرة، والكاتبة الصحفية صافيناز كاظم، ووزارتي الهجرة والتعليم العالي، والمجلس القومي للمرأة.