وصلتني رسالة من أحد الزملاء الصحافيين القابعين خلف الأسوار، أنقلها لكم هنا دون ذكر اسمه، وبناء على طلبه، وبشيء من التصرف البسيط.

كتب يقول: «يحتفل الصحافيون في الأول من مايو (أيار) كل عام باليوم العالمي لحرية الصحافة، وأنظارهم تتجه نحو ظروف أفضل لتحسين أوضاعهم المعيشية، وتوفير بيئة آمنة لممارسة دورهم في إعلام الشعوب، بينما يقبع عشرات الصحافيين في مصر خلف القضبان باتهامات تتعلق معظمها بطبيعة عملهم الصحافي، تخيل أن يقبض على مصور صحافي بتهمة حيازة كاميرا!

في مصر حاليًّا يكرس إعلام الصوت الواحد عبر شعار «لا صوت يعلو فوق صوت النظام»، وتواجه صاحبة الجلالة وأبناؤها حملة شرسة لم تعهدها البلاد من قبل.

الكلمة تواجه بالدبابة، والقلم يصفد بالكلبشات، والصحافيون أصبح مكانهم ساحات القضاء، معركة بدأها النظام المصري ضد الصحافيين، استهلها باقتحام مقر نقابتهم في أبريل (نيسان) عام 2016 في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس النقابة في عام 1942.

فمنذ تأسيسها تمثل نقابة الصحافيين قلعة الحريات، والحصن الأخير للدفاع عن حق المصريين في إبداء الرأي، والتعبير عن المواقف من قضايا مصيرية أمام أبوابها وفوق سلالمها، ولم يجرؤ أي نظام في أعتى حملاته لقمع الحريات في الاقتراب من عرين الأسود، بيت الصحافيين ومقرهم، كما فعل النظام الحالي، ليبدأ بعدها في استهداف نقيبهم آنذاك، يحيى قلاش، واتهامه بالتستر على صحافيين مطلوبين للتحقيق داخل مقر النقابة، وأصبح النقيب واثنين من مجلس إدارته مكبلين في ساحات القضاء ذهابًا وإيابًا، في جولات متتالية لكسر هيبة الصحافة، والانتصار في المقابل لسطوة المؤسسات الأمنية، في سابقة خطيرة كشفت عن الوجه الخفي للنظام وإرادته في ملاحقة الصحافيين والوصاية عليهم. وكانت هذه الأوقات فاصلة لحسم مواجهة النظام مع أصحاب القلم والكاميرا.

ثم فتح الباب على مصراعيه لقضايا مخصصة للإعلاميين، مفتوحة في ساحات نيابة أمن الدولة العليا، قابلة للزج -في أي وقت– بأسماء مزيد من الصحافيين ونشطاء الرأي تحت مسمى الخلايا الإعلامية، ومن الأمثلة على ذلك، ما حدث في القضية رقم 205 حصر نيابة أمن الدولة العليا لسنة 2015، والتي حملت في اتهاماتها: نشر أخبار كاذبة، والتعاون مع قنوات إعلامية تعمل ضد المصالح العليا للبلاد، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتأليب الرأي العام، والانضمام إلى جماعة محظورة.

وما إن فتحت هذه القضية حتى بات النظام يمعن في ملاحقة الصحافيين، ويزج بهم في قضية عرفت باسم «مكملين1»، ولم يمر عام 2015، حتى افتتحت السلطات المصرية قضية أخرى مع بدايات عام 2016 تحمل رقم 563 حصر نيابة أمن الدولة العليا، والتي حملت الاتهامات نفسها في القضية رقم 205، وأطلقت عليها وسائل الإعلام «مكملين2»، وواصلت قوات الأمن ملاحقة الصحافيين، وضمهم إلى القضية الجديدة، حتى تخطى عدد المتهمين بها الخمسين شخصًا، أغلبهم يعملون بالحقل الصحافي.

لم تترك عصا النظام –الداخلية- عام 2016 يمضي حتى راحت تفتتح قضية جديدة برقم 32 نيابة أمن الدولة العليا، بعد إلقائها القبض على ثلاثة من الصحافيين من محيط نقابة الصحافيين، قبل أن تعتدي عليهم بالضرب والصعق بالكهرباء، وتضمهم للقضية، وتوجه إليهم الاتهام بنشر أخبار كاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية، وبالرغم من مرور عامين فما يزالون رهن الاعتقال وفقًا لإجراءات قانون الحبس الاحتياطي.

ومع إطلالة عام 2018 وشروع النظام المصري في إجراء الانتخابات الرئاسية، ولتكميم الأفواه، زادت حدة البطش الأمني بالصحافيين والإعلاميين، ليتم القبض على أكثر من 20 منهم على ذمة القضية رقم 977 لعام 2017 حصر نيابة أمن الدولة العليا، والتي حملت الاتهامات نفسها، وعرفت باسم «مكملين3»، الغريب في هذه القضية هو ارتفاع عدد المتهمين، والذي تجاوز 80 شخصًا، منهم 60 يمكننا تسميتهم بنشطاء الإعلام الموازي أو السوشيال ميديا، جمعتهم قوات الأمن من محافظات ومناطق متنوعة.

ومع اقتراب مسرحية الانتخابات الرئاسية، ازداد النظام بطشًا ومطاردة للصحافيين والمفكرين والنشطاء، فاعتقل خمسة هم أبطال مسرحية سليمان خاطر، وحاكمهم عسكريًّا، كما ألقي القبض على الكاتب المصري محمود إمام مؤلف كتاب «شمس بين الضباب»، ولتفتح قضيتان جديدتان حملتا أرقام 441، 621 بنيابة أمن الدولة العليا والتحق فيها الصحافيون.