لم تغب عن المصري القديم فضيلة من فضائل الأخلاق إلا وحث عليها، فها هو يجذب قلوبنا نحوه ويشد ألبابنا إليه وهو يُلقي على مسامعنا تلك الحِكم السامية حول خلق ما أحوجنا إلى الالتزام به اليوم؛ وخاصة أن ديننا الحنيف والشرائع السماوية السمحة كلُها حرضت عليه وأمرت به، وحذرت من الابتعاد عنه أو التمسك بخلافه مهما كانت المبررات.

فها هو المصري القديم الذي لا يعرفه بعضنا – عن سوء فهم بالتأكيد – إلا بعنفوانه وجبروته، قد تحلى بهذا الخلق الرائع؛ الذي تهفو النفوس إلى مصاحبة من يلتزم به ومجاورته، فما وُجد هذا الخلق في شخص إلا ونال حبًا واقترابًا، إنه خلق التواضع الذي لا يتحلى به إلا الأكابر، ومن العجيب أن المصري القديم قد ربط هذا الخلق بالسعادة، فما تحدث عن هذا الخلق حكيم من حكمائهم إلا وربطه بالسعادة؛ وكأن التواضع والتحلي به يجلب السعادة على صاحبه كما يجلبها على من حوله، فها هو حكيمهم الشهير «بتاح حتب» – خلال عصر الدولة القديمة – يوصي ابنه بهذا الخلق الكريم ويحدد له تفاصيله الدقيقة؛ فيقول: يجب على الرجل الشريف أن يكون دائمًا متواضعًا وكتومًا، وأن يجتنب ذكر الألفاظ النابية، وألا يتكبر بسبب علمه، وألا يحتقر الوضيع إذا ما رفعه الملك!

ويقول له محذرًا إياه من الغرور حتى وهو موجود بين الجهلاء والعبيد: لا تغتر بما تعرف، واسمع لما يقوله الناس جهلاءً كانوا أم علماء، وإن الوصول إلى الكمال مستحيل، والكلمة الطيبة نادرة ندرة الجواهر ولكن قد تتحلى بها الإماء، كن فرحًا طالما أنت على الأرض، عش لحظة السرور لا تقتطع منها، ولا تعمل أكثر من مما يلزم لتحصل على لقمة العيش!

كما حذره من الكبر إذا أصبح ذا جاه ومنصب، بل وينصحه بأن يظل دائمًا متذكرًا لتلك الحالة التي كان عليها قبل غِناه؛ فيقول: إذا أصبحت عظيمًا بعد أن كنت صغير القدرة، وصرت صاحب ثروة بعد أن كنت في المدينة محتاجًا، فلا تنسين كيف كانت حالتك من قبل، ولا تثقن بثروتك التي أتت إليك منحة من الرب؛ فإنك لست بأحسن من أقرانك الفقراء!

أما الحكيم كاجمني[1] – خلال عصر الدولة الوسطى- فيُحث على خلق التواضع ويبين ما يعود على المتواضع من نفع في الدنيا والآخرة؛ فيقول: المتواضع الحذِر يحالفه النجاح، ويظل سليمًا معافى، ومن يتخذ الاستقامة أساسًا لعمله يمتدحه الناس، والباب مفتوح للمتواضع، ومن يكن حذرًا وفطنًا في الحديث يجد مكانًا رحبًا، ولكن السكين يشحذ لمن يحيد عن الطريق المستقيم، ولا تتفاخر وتزهو بقوتك بين أقرانك فى السن، وكان على حذر من كل إنسان حتى من نفسك، إن المرء لا يدري ماذا سيحدث، كما أنه لا يدري ما الذي سيفعله الرب عندما ينزل عقابه.

وخلال عصر الدولة الحديثة، نرى الحكيم «آني» يُحث ابنه على الالتزام بهذا الخلق، مبينًا له أن الغِنى والجاه الذي يدفع إلى التكبر لا يجلب السعادة؛ فالسعادة ليست بكثرة المال ولا بالجاه؛ وإنما بالتواضع، ويوضح له ذلك قائلًا: قد تملك قطعة أرض أُحيطت بسياج جميل من الأزهار، وتنمو فيها أشجار الجميز، وقد تمتلئ يدك بأجمل الأزهار وأنضرها، ومع ذلك فقد تكون شقيًا، فلا تعتمد على مال غيرك، ولا تتكل على ما يملكه شخص آخر!

ولم يكتف المصريون القدماء بتوصية أبنائهم بهذا الخلق، وإنما حثوا الحكام والملوك أيضًا على الالتزام به؛ فها هو حكيمهم «إيبور – ور» يُرسل بوصاياه للملك – خلال عصر الانتقال الأول – مبينًا له ضرورة الالتزام بهذا الخلق مبينًا له مفرداته قائلًا: إن الحاكم هو أبو اليتيم، وزوج الأرملة، وأخ من هجره أهله، وغطاء من لا أم له!


[1] – وصايا وتعاليم الحكيم «كاجمني» موجودة في «بردية بريس» المحفوظة بمتحف اللوفر بباريس وترجع إلى عصر الأسرة الثانية عشرة، وبردية بريس تُعتبر من أشهر البرديات الطبية، وقد عُثر عليها في الأقصر سنة 1862، حيث اشتراها جورج أبريس – الذى قام بنشرها – من أدوين سميث، ويبلغ طولها 20.3 مترًا ًوعرضها 0.3 مترًا، وتحتوى 108 عمود، وكانت تحتوى على 887 وصفة طبية لأنواع متعددة من الأمراض وأعراضها، ومن بينها وصفات لأمراض الجلد والتجميل والزينة وإنماء الشعر.